حاملُ القَلَم


تاريخ النشر 10/12/2009

 

حاملُ القَلَم

أنّي قادمٌ مِنْ أعالٍ لم يُحلِّقْ فوقها طائر،

وعرفْتُ أعماقاً لمْ تجْرُؤ قدمٌ على التِّيهِ في أغْوارها"

(نيتشه "هذا هو الإنسان")

 

حاملُ القلم، هو: الكاتب، والمعلِّم، والعالِمُ.

والقَلَمُ، حتّى لو حمله رجل غير كاتب، فهو زينة، وهو تجميل لما هو أقلّ جمالاً، لأنه ربما سيدفع هذا اللاكاتب، الى استخدام عقله ذات قرار.

ولقد كنتُ أبحث عن أحد نصوص "الجرجاني" عصر يوم الجمعة الماضي، لأستدلّ على أثر لواحد من رؤوس جبال كتّاب العربية، فلم أجد له أثراً في رفٍّ، وفقدته في رفٍّ آخر، وتاه عني، أو تُهْتُ عنه، في رفٍّ ثالث، حتى أسْقط في يدي، وقلت: كيف الطريق الى مَنْ ضيَّعوني.

وبَيْنا أنا في تلك الحال، إذ بكتاب "فردريك نيتشه": هذا هو الإنسان "يقابلني كأنما أفردني ذلك الفيلسوف ليقول لي: "أعرف إلى حدٍّ ما امتيازاتي ككاتب، وفي بعض الحالات المنفردة، قد ثبت لي أيضاً، إلى أي حدٍّ يمكن لمعاشرة كتاباتي أن تفسد "الذوق".

آخْ، وقعت الواقعة فهذا الألماني، الكاتب الألماني المُغْرق في ثقافته الفلسفية، حمل الى قرَّائه الكاتب، كما هو عليه فعل الكتابة، قبل أن تولد الكتابة قطعاً، وليضع بين أيديهم الكاتب كما في كتبه: "إنه امتياز لا مثيل له، أن يلج المرء هذا العالم السامي الدقيق، لكن ينبغي له من أجل ذلك ألا يكون ألمانياً بالمرة، فهو امتياز لا يحصل إلا عن جدارة".

ثمة صعوبة في قراءة أعمال (الكاتب) فردريك نيتشه، رغم التبسيط القاموسي في التعريف به.

لكن هذا "التبسيط" القاموسي، ليس هو "البساطة" العربية حين الحديث عن الكاتب والكتابة. فاللغويون العرب حين يقولون: "أما الكاتبُ والكُتّاب، فمعروفان"، فهم يشيرون الى موضوعات معرفية ولغوية من صلب اهتمامات اللغة العربية وعلومها، وهذا أوقيانوس لا قرار له.

فالكاتبُ، بتصريف لغوي، هو المُعَلِّمُ أيضاً، لأنه المُكَتّبُ. وهذا يَحْتَمِلُ ويتحمَّلُ أكثر من معنى: فهو معلّم الكتابة، والمعلِّم الأستاذ والعالِمُ، والمعلّم الذي كان صفة من صفات مبلّغي الرسالات الأخلاقية على امتداد عمر البشرية.

والمعلّمُ، الحكيمُ، الفيلسوف، وإنسانُ الكلام، والعارف. وهو الكاتب. وهو حامل القلم، وهو حامل خشبته. وهو القيِّم على نفسه. وهو الذي بقلمه كُتِبتْ كلمة: كُنْ.

وها نحن في دار القلم وعاصمة الثقافة العربية، نحتطب كلاماً جميلاً من أجل الجمال، ونَحْتَفِرُ قيعاناً كأنها الراسيات من أجل كلمة الخير، رغم أن بعضنا يستطيع أن يعيش في رغد، كما رغد الكاسيات الكواعب.

أتيح لي أن أحاور إنساناً يعرف دوره في حياتنا حول الكاتب والمعرفة، وهو من طبقة يعيش خارج اهتماماتها الرغيدة، فرأيت قلماً معلَّقاً على بياض لباسه، وبين لحظة وأخرى كان يضع يده على قلمه، كما يضع العاشق قلبه على كفه، إذ يتذكر محبوبته.

 

www.juma-allami.com

16 - 4 - 2006




 
الاسم البريد الاكتروني