دافينشي بِقَلَم فرويد

الثلاثاء : 9 مارس 2010

دافينشي بِقَلَم فرويد

 

" كانت طيور الغربان تحلق وتحوم

في السماء، فأقلّدها رافعا ذراعيّ ،

وراكضا باقصى سرعة الى الاسفل ،

على ظهر التلّة المنحدرة الى الشاطيء ،

وقدماي تلامسان ظهر التلّة بخفّة ورشاقة "

(سلطان القاسمي ـ سَرْد الذَّات )

 

احدث سيجموند فرويد ( 1856 ـ 1939 ) جدلا واسعا بين اوساط المثقفين الغربيين ، عندما نشر في سنة 1910 ، دراسة بعنوان : " ذكرى من طفولة ليوناردو دافينشي " استند فيها الى نصّ من مذكرات الفنان الايطالي الشهير، ورد فيه : "كنت لا ازال في المهد ، عندما حطّ عليّ نَسْرٌ ، فتح فمي بذيله ، وراح يضربني به مرات عديدة بين شفتيَّ"

 

بعدئذٍ ، عندما اطلعت الاجيال الاجيال الادبية العربية ، خصوصا جيل الستينات من القرن العشرين ، على اغلب كتب فرويد ونصوصه المعنية بدراسة العلاقة بين علم النفس والفن ، اشتغل عدد من الادباء والفنانين والكتاب العرب على هذه التجربة، او على جوانب منها ، حتى صارت ثقافة شائعة مع نهاية القرن .

 

وفي اهتمام شخصي ، كان حلم دافينشي ( 1452 ـ 1519 ) كما اعاد فرويد تفكيكه وتركيبه ، بداية اخرى لأفيد من احلامي في بناء العديد من قصصي المنشورة في كتبي ، وخصوصا " من قتل حكمة الشامي ؟" و "اليشن" و " الثلاثيات" ، الى جانب ذلك التاثير الذي تركه غوستاف فلوبير على خطابي الابداعي ، بعدما اطلعت على فكرته التي " تنكر اي صلة بين الحقيقة الموجودة ، والحقيقة الادبية " .

 

يطمح فلوبير ( 1821 ـ 1880 ) الى " ان ما اريد ان افعله ، وما يبدو لي حسنا ، هو كتاب عن لا شيء . كتاب بدون علاقة خارجية . يكتفي بذاته ، ويقوم على الفكرة الداخلية في اسلوبه ، كالربّ المُطلق .... كما تسير الارض في الفضاء ، دون ان يدعمها شيء " ، كما يقول فيكتور برومبير .

 

واذا ما بقينا مع فرويد ، وهو يعيد صياغة طفولة دافينشي ، بل وفنّه ايضا ، وليس حياته فقط ، منطلقا من ذلك الحلم الغامض ، كما لدى بعض النقاد ، سنعرف المنعطفات العميقة التي حفرها فرويد وانصاره ، كما معارضوه ايضا ، في المشاهد الثقافية في البلدان الغربية ، والعالمية تاليا ، حيث صار علم النفس مفتاحا متعدد النسخ لاستيعاب وفهم الاعمال الادبية والفنية .

 

نعم . لقد صار فرويد لدى شريحة واسعة من الكتاب والفنانين والمثقفين العرب موضوعا كلاسيكيا . وبتصنيف ما يمكن القول انه بات جزأً من الخبرة المتراكمة لتلك الشريحة . غير ان القيد العربي المربوط بالتابوات ، احكم ربط قطاعات اجتماعية في الوطن العربي ، خصوصا بين الطبقة الوسطى ـ وياللعار ، بافكار العداء المسبق لفرويد . وانتقل هذا العداء ايضا الى دافينشي ، بناء على مقولة ان التصوير تجسيد ، والتجسيد حرام . وهكذا شيّدنا بيوتا عامرة ، ولكن من دون نوافذ . اما ابوابها فموصدة .

 

والمثير للسخرية في هذا المجال ، ان ما يعرف ب " المجتمعات العربية المحافظة "تنتشر فيها "تجارة اللوحات التشكيلية" والاعمال النحتية "جنبا الى جنب مع اقصاء مادة الفلسفة من المناهج الدراسية من حياة الطلبة ، وشيوع ثقافة التفكير بقدم الانسان او بقبضته ! .

 

لكنْ ، لا اشك ابدا في ان ثمة في تلك البلدان من يحلمون في الطيران والتحليق . او انهم يحلقون ـ فعلا ـ في فضائهم الثقافي الخاص والممتدة حافاته نحو اللانهاية .كما لو انهم يقراون تحليلات فرويد لدافينشي او دستويفيسكي ، او يتاملون لوحات فناني عصر النهضة .

 

تقرا في " ذكرى من طفولة ليوناردو دافنشي " ، فتجد فرويد كاتبا وفيلسوفا وناقدا، يجتمع لديه العلم ، بالتاريخ ، بالفلسفة ، بالفن ، بالانسان ، وبدواخل هذا الانسان الذي يعرف القليل ، ولا يعرف الكثير ، عن وجوده في كون مطلق .

 

كما ستعرف في ذلك النص ، "العالم الصغير" الذي لم يكن قد أُكتشف بعد في "جسد" دافينشي، كما في لاوعيه : ان علاقته الملتبسة بوالده ، وميوله الجنسية المثلية ، ونبوغه الفني الخارق ، ومهاراته العلمية ، بل وحتى شكل كتابة يومياته ، تقدم لقايء حصيف خلاصة " الحقيقة الادبية " المبرأة من الحقيقة الموجودة ، كما كان فلوبير يطمح اليها .

ربما ، انطلاقا من قوس هذه الدائرة الثقافية ، علينا اعادة قراءة فرويد من جديد .

 

جمعة اللامي

www.juma-allami.com

juma_allami@yahoo.com

 




 
الاسم البريد الاكتروني