اصنامنا التي تستعملنا

الاحد : 26 ـ 10 _ 2008

اصنامنا التي تستعملنا

 

"جَهْل يَعُولُني، خَير منْ عقل أعُولُه"

(الأمثال المولدة)

 

ثمة بيت شعر قريب من هذا المثل الذي أورده "الخوارزمي" في كتابه اللطيف "الامثال المولدة" الذي حققه صديقنا الدكتور محمد حسين الاعرجي، لشاعر عربي آخر اسمه: ابن ابي البغل الكاتب، الذي توجد له ترجمة في "مجمع الأمثال" لليعقوبي.

ربما يثير ذكر اسم البغل ابتسامة، أو ضحكة لدى هذا أو ذاك. وقد يستظرف أحد الظرفاء نفسه بمزيد من الظرف، فيذكر بين ايديكم حكاية ذلك الرجل البسيط الذي اسمه بغيل ، حين أراد تغيير اسمه، بما يليق مع تطورات جرت عليه في إحدى السنوات العراقية، فذهب إلى المحكمة في بغداد، قاطعاً مسافة طويلة من ريف المدينة.

وبعد إجراءات قانونية، وجلسة محكمة، عاد الفلاح البسيط، جذلاً مسروراً إلى عائلته، فالتم حوله اخوانه، وأحفاده وأبناؤه وسأله ابنه الأكبر: ما هو اسمك الجديد، يا والدنا؟

"بَغْل" رد الرجل البسيط.

اعدت رواية هذه الحادثة اكثر من مرة في "ذاكرة المستقبل" خصوصاً بعد احتلال العراق سنة ،2003 في محاولة لكشف بعض الشخصيات، والحركات السياسية، التي صنّمناها ذات يوم.

ونحن نرى بعض تلك الأصنام التي صنمناها، ثم أخذت تستخدمنا، أو تستخدم آمالنا وأشواقنا، بما لا يليق بنا وبهذه الأشواق أيضاً، تماماً كما كان يفعل ذلك الصنم الذي ورد في قصة قصيرة كتبها قاص عراقي من الأجيال التالية لجيلنا. وهي قصة تستحق الإطراء.

فكرة القصة القصيرة التي كتبها ذلك القاص العراقي - ويؤسفني أن اسمه لا يحضر الآن، تقوم على مواطن عراقي يستيقظ ذات يوم فيخرج الى عمله، وعند باب منزله، يواجهه تمثال لأحدهم ينظر إليه خازراً من عَلٍ.

نشرت القصة في حينه في بغداد، في زمن الحصار الأمريكي - العربي على العراق.

يعود المواطن العراقي الى منزله ظهراً، فيجد التمثال رابضاً أمام باب المنزل، وهو يرسل إليه النظرة الخازرة المتعالية ذاتها. ويتكرر هذا المشهد، مرات ومرات، حتى يضيق المواطن العراقي به، فيبصق على الأرض ذات صباح، تحت قدمي التمثال.

يعود المواطن العراقي الى منزله ظهراً، فلا يجد التمثال. وعندما يدخل الى مجاز المنزل يفاجأ بعدد من نسخ صغيرة للتمثال هناك. ثم يجد عشرات النسخ من الصنم في الحمام، ومثلها في غرفة نوم الأولاد، وأكثر منها في صالة الجلوس.

يهرع الرجل الى غرفة الزوجية، فيجد الصنم الأكبر يواقع زوجته، بين عدد لا حصر له من تماثيل منسوخة عن الصنم الأب.

قصة رائعة حقاً. والأروع هو أن تتخيل "ما بعد القصة"، أي من جعل ذلك الصنم يتناسل بهذه الكثرة، ويلعب في بيوتنا كما يشاء، ويدخل الى مخادعنا الزوجية، مع جيوش من نسخه الصغيرة، كل هذا بسبب بصقة، فكيف إذا حملنا فأس إبراهيم الخليل؟

 

جمعة اللامي

www.juma-allami.com

 




 
الاسم البريد الاكتروني