كيرواك بعد موته

 4-9-2001

كيرواك بعد موته

 

»ما أريده، هو عفوية اللغة،

ولا شيء آخر«

(جاك كيرواك)

 

اشترت "مكتبة نيويورك العامة" الارشيف الأدبي والشخصي للكاتب الامريكي الراحل: جاك كيرواك، الذي يتضمن عدداً من النفائس، منها مخطوطة روايته: "على الطريق"، التي ترمز الى جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية.

ومن الطريف ان كيرواك لم ينسخ هذه الرواية على صفحات منفردة في دفتر كما هي العادة، بل كتبها بآلة كاتبة تعود الى العام ،1951 على هيئة لفافة، أو "رول" .

في ابريل/ نيسان الماضي، قيل ان الارشيف الشخصي لكيرواك سيصل ثمنه الى مليون ونصف المليون دولار. وفي اشارة الى أهمية هذا الكاتب الذي رحل عن الحياة بعد (47) سنة من الحياة المعذبة، قالت المؤسسة التي تولت بيع أرشيفه الشخصي، ان "كيرواك موجود بالنسبة لنا، في القائمة ذاتها، مع كافكا وجويس وبروست".

هذا يعني انه في القمة.

***

جاك كيرواك (1922 ــ 1969) أحد أبرز جيل الغضب والهزيمة والتمرد والسلبية، الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية في الولايات المتحدة واوروبا. وهو يشكل، الى جانب ألن جنسبورج، وليام يوروز، نيل كاسيدي، وجريجوري كورسو، تاجاً شوكياً لأولئك الناس الذين قذفت بهم الحرب الى الشوارع الخلفية: الاشمئزاز من حياة الاعلان الكاذبة، والبحث عن دين، بينما قدمت تلك الحرب: المال، الجاه، السلطة، الرفاهية الزائدة، الثقافة الاستهلاكية، وبدايات صناعة عالم جديد على النموذج الكولونيالي، الى أقطاب المال، وشركات الاعلام الكبرى، وتجار الأسلحة.

عاش كيرواك حياة معذبة في طفولته، تحولت الى مرض جسدي وأخلاقي ونفسي في شبابه. ولم يجد الخلاص، لا في التشرد والتصعلك، ولا في الحياة الروحية السائدة في القرن العشرين. فكان ان التجأ الى الكتابة، التي قدمت له بعـــض تريــــاق.

يقول في حوار مع صديقه كورسو: " الصراعات السياسية مظهر خارجي. فما ان ينشب صراع حتى تحرص قوى معينة على الحفاظ عليه، ما دامت تجني الأرباح من الأوضاع المترتبـــة عليـــه".

بل ان هذا الوعي الذي يبدو ميكانيكياً، سرعان ما يتخذ طابعاً أخلاقياً ــ دينياً، عندما نتابع بعض حواره مع صديقه : "اهتمامك بما تبدو عليه الصراعات السياسية يشبه خطأ الثور في الحلبة، وأنت من يهز له القماشة الحمراء. لهذا الغرض وجد السياسيون انهم هنا ليعلموك استعمال القماشة، تماماً مثلما يعلم مصارع الثيران الثور متابعة القماشة الحمراء".

هذا الوعي الحاد، هو الذي كان يدفع بكيرواك وجيله، الى السخط والماريجوانا واحتقار الحرب والنظر الى العالم الأرضي من كواكب ثائرة، ومتابعة حياة المجتمعات الغربية، باحتقارها والبحث عن وسائل لتدميرها من الداخل.

كان جيل كيرواك وجنسبورج، انموذج الطفولة البشرية في عصر افتضاض بكارة هذه البشرية، بقرار من قادة البشرية أنفسهم. كانت كتاباتهم هي ألعابهم الطفولية، لذلك كانت صادقة وعفوية.

بعد موتهم، يأتي مغتصبو البشرية ليشتروا تلك اللعب بملايين الدولارات.

يا للفضيحة!

***

اقترب مني "شبح" غريب المتروك، وقال: سجل، على مسؤوليتي، هذه الكلمات: »صاحبك الكاتب »...« كتب في وصيته: نسخ كتابي: »الطالعات من النار« جميعها، لا بد ان تحرق في احدى بوادي العرب، لأن العرب لا يقدرون تلك المخلوقات«.

قلت: من هو »صاحبي« هذا؟

قال: ولَوْ! كأنك تنسى، أو تتناسى؟!

هنا، ضحكت من جوف بطني، مخافة ان يسمعني أحد، وذهبت من فوري، أقرأ ترجمة لبعض قصائد جنسبورج، وبالذات قصيدته المعنونة: أمريكا.

 

جمعة اللامي

www.juma-allami.com




 
الاسم البريد الاكتروني