القَصْر الشنْقيطي

22 ـ 12 ـ 2006

"هل كل شيء، إذاً، خسارة .

نداء أعمى في الفراغ؟"

(جيرمان دروغنبرود - الطريق)

 

لا أحسبه مجنوناً، ذلك المواطن الشنقيطي، فهو قصير القامة. والمجنون هو الذي كان يهدّئ من ثائرة الشاعر، لأنه متين البنية، طويل القامة. وكان، أي المجنون المكلف حراسة "قصر المؤتمرات" بنواكشوط، مثل الجان في تفسيره الآخر تماما، وهو وصف لا ينطبق على المواطن الشنقيطي، الذي أحسبه شاعراً شاعراً.

 

الشاعر شاعر، يا سادة، وإنْ اقتحم مؤتمراً للشعر، أو للتسوق، أو لقمة العولمة. وحتى لو دعاه أحد الحرس بالجان، لأن الجان "ضَرْب من الحيّات"، أكحل العينين، يضرب الى الصُفْرة، لا يؤذي، وهو كثير في بيوت الناس".

 

وكان الشاعر الصديق خليل حاوي، جاناً، هصوراً، لكنه كان شفافا، ولذلك أنهى حياته بتلك الرصاصة التي اختارها بعد هزيمة الشعراء قبل الجنرالات. ومثلما أطلق الرصاص على نفسه، سبقني الى منبر الشعر في بيروت، وهذه احدى ألطافه التي ينبغي أن تروى، وواحدة من لطائفه التي لن تنسى.

 

عرفنا أن حفلاً شعرياً تحييه مجموعة من الشعراء اللبنانيين والعرب في صالة بالقرب من مقر جريدة "النهار" سنة 1971. كان الوقت مساء، وبيروت مزهوة بتلك الفراهة التي توفرها حرية الرأي، فدخلنا في صالون الشعر، وانتظرنا قليلا في الصف الخلفي، ثم - وبعد لحظة جنون عاقلة، قادني خليل حاوي من يدي اليسرى، واجتاز صفوة الجميلات، وصفوة الشعراء، وصفوة الكذبة، وصعد الى منبر الشعر، وأنزل نزار قباني من المنصة، ولم ينطق نزار أو غيره ببنت شفة.

 

كان الجميع يعرف خليل حاوي، لقد صفق لنا الذين يجلسون على الكراسي الخلفية، ولم نكن في حاجة لأن نعتذر، فلمن نعتذر؟ كان الاعتذار مشاركة في ثقافة الهزيمة.

 

هذا الموقف أعاده في البصرة، عند انعقاد "المربد الأول"، الشاعر المغربي الصديق عبداللطيف اللّعْبي، وكان معنا في وقتها الشاعر الفريد سمعان، والشاعر سعدي يوسف، والشاعر خالد الخشان، والشاعر السوداني صلاح إبراهيم.

 

كنا عائدين من مقهى شعبي، نمتطي دراجات هوائية، نهتف للثورة العالمية، أو نقرأ الشعر، ثم دخلنا الى حديقة "قيادة القوة الجوية البريطانية"، التي تحولت الى فندق بعد 14 تموز /يوليو ،1958 وقلبنا الأسمطة عاليها سافلها، من دون أن نعبأ لتوسلات الشاعر شفيق الكمالي، أو تهديدات صالح مهدي عماش.

 

ولم يرتكب المواطن الموريتاني، الذي وصف بأنه مجنون، أي عمل إذاً، فلقد دخل الى "قصر المؤتمرات" في نواكشوط، قبل ثلاثة أيام، حيث انطلاقة "مهرجان نواكشوط الدولي الأول للشعر" قبيل دقائق على وصول الرئيس الموريتاني الى المكان عينه.

 

قال الجان الشنقيطي للشعراء ورجال الحكومة "إن كل شيء فاسد، ولا يصلح لشيء".

 

جمعة اللامي

Juma_allami@yahoo.com

www.juma-allami.com




 
الاسم البريد الاكتروني