الخُرْسُ المتواطئون

 "حياتي هي صلاتي. والذي يعيش عيشة صالحة، لا يخاف شيئاً على الإطلاق"

 (كونفوشيوس) في كتابه الجديد "كوبا.. الرجل المرعب"

 يعيد الروائي البريطاني "مارتن أميس"، طرح مسألة الإرهاب الذي تعرض له المثقفون والمبدعون في الاتحاد السوفييتي "السابق" على أيدي أجهزة السلطة الشيوعية، وعدد من الموظفين الثقافيين السوفييت. ويحلو لبعض الكتّاب والأدباء العرب، الذين انتبهوا متأخرين الى هذه الجريمة الستالينية، ركوب موجة كامو ومالرو وأضرابهما الذين نذروا حياتهم لكشف بطلان وفاشية الثقافة القمعية، بصرف النظر عن علامتها الفارقة سواء كانت المكارثية أو الستالينية. والأكثر عجبا فيً أمر هؤلاء الكتّاب العرب، أن بعضهم هو "صورة" أكثر تشوهاً عن "كوبا" أي ستالين، لأنهم عملوا بنشاط كبير من أجل تدمير حيوات كثير من المبدعين العرب، أو صمتوا عن تلك الجريمة ولم يحركوا إصبع احتجاج واحداً ضدها، أو عملوا ضمن مؤسسات وصحف تروج لتلك الثقافة البغيضة المنحطة. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، انتقل هؤلاء الكتّاب العرب الى لعب دور جديد خارج بلدانهم الأصلية، هو دور الضحية التي تبحث عن مخلص، بينما يصحّ فيهم تساؤل البريطاني مارتن أميس، في كتابه الأخير الموجه الى الكتّاب الأوروبيين: أين كنتم عندما كانت "الستالينية" و"الجدانوفية" العربية ، ترهب وتقتل وتعذب الأدباء العرب المجددين، تحت شعارات الالتزام بقضايا الشعب والصفاء والنقاء الأيديولوجي؟! كانوا خرساً، وكانوا متواطئين أيضاً. في سنوات عقد الخمسينات من القرن الماضي، كان بدر شاكر السياب ينحر ـ يومياً أمام هؤلاء الكتّاب الخرس والمتواطئين، بل إن بعضهم لم يخجل من رفع سكين القتل فوق رقبة السياب. بعد ذلك، وَلَّّدَ هؤلاء ورثةً لهم، في مؤسسات المعارضة العربية، السياسية والإعلامية والثقافية، فألحقوا بالسياب مثقفين وأدباء آخرين، ونصبوا مقاصل جديدة في السجون اليسارية أيضاً. ووزعوا الاتهامات على الأدباء الشباب، فهذا "منحل" وذاك "سوداوي" وتلك "معادية" لثقافة سمة العصر. إن الشواهد كثيرة، بل يصعب حصرها في هذا الإيجاز، لكن هؤلاء الخرس والمتواطئين، الذين يرتدون الآن أردية المعارضة للإرهاب الفكري، هم الذين منعوا نشر نتاجات الكثير من زملائهم في الصحافة العربية، وهم الذين شكّلوا "حرساً حديدياً" لمنع انتشار أي كاتب يخالفهم في الرأي والعقيدة السياسية، أو يطرح رأياً في مدرسة أدبية، تخالف ما كان يتحدث به الغُلاة الجدانوفيون. الآن، ينبغي على هؤلاء، إن كانوا ـ فعلاً ـ يمقتون ويدينون الإرهاب السلطوي، أن ينبذوا أي موقف لهم في صف الستالينيين والجدانوفيين العرب، علناً وأمام أنظار الملأ جميعاً. وأن يشيروا الى أسماء ضحاياهم الأحياء والأموات، من الأدباء والكتّاب والمثقفين العرب. وإذا لم يفعلوا ذلك، فعليهم الركون الى الصمت، فربما يكون هذا تكفيرا عن جرائم لا تزال خضراء ونديّة في أجساد وضمائر ضحاياهم، وهم بالمئات أعداداً.

 جمعة اللامي zaineb@maktoob.com




 
الاسم البريد الاكتروني