مَسْعُـود

 15/12/2010 

 

"صدِّقني أن النفوس معادن،

ومن المعادن ما يعلو

على كل صدأ،

ومن المعادن ما يعلو عليها الصدأ"

(طه حسين)

 

قبل ثلاثة أيام، وكانت الشمس قد اختفت خلف الأفق الأخير للبحر، حدث لي ما يحدث وحدث لكم. فلقد هاجت أيام العمر كلّه، وكدت أخرج من عظمي وجلدي، وليس من ملابسي فقط.

يا أهل التراب وأبناءه، ماذا يحدث لكم عندما تهيج أيام العمر كلّه؟

 

بالنسبة لي، تذكرت مسعود. نعم، "مسعود العمارتلي"، المطرب الفطري، وقصته. وأي قصة؟ ثم حبّه، ولكن أي حب؟

وعلى شرف مسعود العمارتلي، تذكّرت ربْعي: منعم حسن (العظيم)، وحامد العبيدي، وعبدالأمير الحصيري، وعبداللطيف الراشد، وعزيز السيد جاسم، وطارق ياسين، وغازي ثجيل، ومهدي علي الراضي، وعلي سيد صحن الموسوي، وسيد عاشور، وصبري الملاّئي، وداخل حسن، وزهور حسين.. وحانة الأمة.

حانة الأمة، مكعب مجوف في "الباب الشرقي"، يطل على "ساحة التحرير"، كأنها تخاطب جدارية جواد سليم، التي فوق ظلها في الليل، وظلها في النهار، دهمني الكرى آلاف المرات، فعقدت حلفاً مع النعاس والنوم.

 

وعندما تستيقظ من نومك، حين يبدأ الناس بالدخول في نوم مبرمج، تهيج أيام العمر كلّه. فأين تذهب، أيها الولد المضيّع الآن، وقد نام الخليون؟

كنت أقول الى "لميعة توفيق"، تلك المطربة الفطرية التي كانت تغني في دار سينما صيفية، بجوار "ساحة التحرير" لمجموعات من صغار الموظفين، والعاطلين عن العمل، والجنود الهاربين من الخدمة، وأنصاف الفتوات والسياسيين التقليديين، والمناضلين المتقاعدين، وسلاجقة بغداد.

تقدمت نحو المسرح، وانحنيت أمامها، بثيابي نصف العسكرية، ونصف المدنية، ورميت عليها وردة جوري، وجدتها في كفي اليمنى من دون أن أعرف مصدرها

.

ضجَّ الناس ضاحكين، لكنني بقيت متماسكاً.

انحنيت مرة أخرى، وقلت: "لميعة، أريد مسعود العمارتلي". وكانت لميعة من الشهرة، في حينه، بحيث لا تغني إلا أغانيها لنفسها. توقف العازفون الثلاثة الذين خلفها، ثم أخذت "لميعة" تغني بلهجة أهل "هور العمارة"، غناء يذكّر الناس بقصة الحب الفريدة بين "علي" أو "علاوي" كما يسميه "مسعود"، وبين "مسعودة"، تلك الفتاة السمراء التي أحبت من دون أمل.

 

ثم هدأت الناس. ولا صوت يعلو على صوت لميعة التي أخذت تغني أشهر أغاني "مسعود العمارتلي"، والناس خرجت قلوبهم من بين أكتافهم.

أما مسعود العمارتلي ـ وهذا للقراء العرب ـ فهو اسم العراقية: مسعودة ، بعدما ارتدت ثياب الرجال، وقصَّت شعر رأسها، والتي أحبت "علي بن محمد العريبي" وغنت له، وللناس، أجمل أغاني العراق في النصف الأول من القرن الماضي.

 

جمعة اللامي

Juma_allami@yahoo.com

 




 
الاسم البريد الاكتروني