بعد41 عاما على رحيل العلامة د. مصطفى جواد يعود نصبه ليستقبل المارة

 من عبد الرزاق داغر الرشيد

تعودنا على استذكار من رحلوا من رموزنا المبدعين، خاصة أولئك الذين يمتازون بالألمعية والسيرة الصاخبة بالأحداث والمواقف، ولم يكن مجرد سياق ذاك التعريف والاستذكار بل إجلال للدور البارز في عراق المدن والأحداث والرموز، ودليل واع على إبقاء ذكراهم حاضرة تكمل جذاذات أرشيفنا، فأرشيف العراق حيّ.
هذه المرة نستذكر مرحلة ما بعد الرحيل وهي حافلة أيضا بالصراع، فحين يعجز الدكتاتور أن يحارب شخص الدكتور مصطفى جواد لوفاته عام 1969، فانه يعلن الحرب على نصبه الذي كان يقف شامخا في مدخل مدينته "الخالص"، محاولا محو هذا المعجم اللغوي والتاريخي الوقور، اتجهنا إلى مدينته والتقينا بمحبيه وتلاميذه فكان هذا الحديث عن النصب وعن حياة الراحل الكبير.
في البدء، حدثنا الفنان خالد الداحي عن تأريخ النصب وإزالته قائلا: "عام 1969، كان هناك تمثال عن ثورة العشرين في ساحة مدخل "الخالص"، وتم رفعه ووضع تمثال الدكتور مصطفى جواد بدلا عنه، وبعد أكثر من عشر سنوات أي في ثمانينيات القرن الماضي رُفع التمثال لكن عن طريق التحطيم، فجرى سحبه من مكانه ورميه في معمل الاسمنت، وللأمانة التاريخية فأنا لم أصمم ذاك التمثال، ولكن هناك فنان من (بعقوبة) هو الراحل مؤيد الناصر، هو من صممه وساعده في ذلك الفنان علي الطائي".
ويضيف الداحي: "طلبت مني قائمقامية الخالص ـ قبل سنتين ـ إعادة التمثال، وبمساعدة ابني خريج أكاديمية الفنون أتممنا العمل فكان وزن النصب الجديد 6 أطنان من الاسمنت والجبس، واعتقد في الفترة الأخيرة تعرض النصب لبعض الاطلاقات النارية".
وعن جودة العمل واحتمال اندثاره أوضح: "ان أفضل أنواع المواد لعمل التماثيل هو النحاس، والدكتور مصطفى جواد يستحق أن يصنع له تمثال حتى من الذهب، وليس من الاسمنت".
بعدها اتجهنا إلى بيت (أبو سموأل) احد طلبة د.مصطفى جواد ومن وجهاء المدينة المعروفين ليقول لنا: "أصل الدكتور مصطفى من الخالص وكان معلما يدرس في معهد المعلمين العالي، درّسنا لمدة أربع سنوات في المعهد، وخلال تلك المدة لم يحفظ اسم أي طالب على الرغم من انه كان يحفظ أسماء أدباء ومؤرخين كثر لحد العجب، وحين أخبرناه ـ يوما ما ـ بأننا طلابه لمدة أربعة أعوام ولا يعرف اسم أي احد منا رغم ذاكرته الحّية، أجابنا: "اذا حفظت اسما من أسماء طلابي عليّ أن اخرج اسما من الأسماء الكبيرة التي اعرفها".
ويكمل السيد أبو سموأل: "كان رجل علم ويمتلك حس الفكاهة، ولم يكن للدكتور أية ميول سياسية، وأريد أن يمجد الدكتور في مدينته الخالص بوضع نصب له، ولكن في فترة نهاية السبعينات وبداية الثمانينات كان هناك الكثير من التجاوزات على النصب فلم يستطع البعض فهم أهمية هذه الشخصية للمدينة وللعراق، فرفع التمثال بحجة انه كان يغطي على تمثال لصدام لذلك تم رفعه وتسوية البساتين التي بجانبه ليتسنى للمارة عبر المدينة رؤية تمثال صدام لوحده، وبعد السقوط أعيد تمثال الدكتور، وعلى الرغم من انه لا يشبه الدكتور كثيرا لكنه يمثله وجميع أهالي المدينة يعرفون تفاصيل رفع وإعادة النصب".
أخيرا حدثنا الناقد مثنى كاظم صادق قائلا: "باعتباري ناقدا أرى ان الدكتور مصطفى جواد دخل اللغة عن طريق التاريخ لأنه عندما ذهب إلى فرنسا للدراسة في جامعة (السوربون) كان يحمل شهادة المعلمين العالية فقط فلم يتم قبوله، وكان عليه أن يقدم بحثاً مع الشهادة لكي يعادل طلب الماجستير فألف كتابا اسماه (سيدات بلاط العصر العباسي) وتحدث فيه عن ابرز نساء ذلك العصر، وهو أشبه بمعجم نسوي فتم قبوله في الجامعة. ثم دخل أيضا عن طريق تاريخ المدن إلى اللغة العربية فلا يوجد مؤرخ للمدن والقصبات العراقية إلا ويستشهد بالدكتور مصطفى جواد لأنه كان يعرف ليس تاريخ مدينته ـ مثلا ـ بكاملها بل يعرف حتى ألفاظ كلمات أهليها، وكان يستهويه تاريخه اللغوي فعلى الرغم من مرور أكثر من أربعين عاما على رحيله فما زال اغلب الأساتذة يستشهدون ببعض المفردات التي أوجدها".

 

نقلاً عن وكالة أنباء ماتع




 
الاسم البريد الاكتروني