لعنة زَيُّونَة

("..." وزّانها، وتاه الحساب)

(مثل بغدادي)


رعى الله عرصة "زيُّونة" بالرصافة البغدادية وأهلها. وعندي في هذه المحلة قطعة أرض، هي كل ما خلّفه لي والدي، رحمة الله عليه، من دنياه، وشقاه، وهجرته من ميسان إلى بغداد، ومعه عذابات أمي، وانكرابات أخواتي.

 

وجاء مَنْ جاء من سراة أقوام السياسة العراقية، فوجد والدي نفسه من دون تلك القطعة الصغيرة من الأرض. وعندما قلت له: "دعني، يا والدي، أقف بوجه من صادر أرضك"، رد علي: "اذا انت تحبني، أترك الموضوع كله".

 

ولم أسأله عن الموضوع. ولا أريد أن أسأل أحداً عن شيء يخصني هناك، فهذه وصية الوالد رحمة الله عليه. لكنني أعيد ذكر "زيُّونة"، بعدما بلغ السيل الزبى، حيث شهدت المحلة قتلاً على الهوية، وجولات وصولات للدبابات والمدرعات الأمريكية، حتى لم يسلم من القتل السمك.

الحكاية رواها صديق عزيز من أهالي "زيُّونة". وخبرها بعد قليل.

 

"زيُّونة"، التي مثل "الكرّادة"، في رصافة بغداد، تقابلان مدينة "المنصور" في الكرخ، وفي المحلتين يسكن الضباط الكبار الذين أراد الزعيم الراحل عبدالكريم قاسم ارضاءهم، لكن بعض كبارهم قلبوا له ظهر المجن، فخذلوه ثم قتلوه.

 

ومن أواخر قتلى "زيُّونة"، عمال ثمانية في مخبز معروف، وهؤلاء عراقيون أو يعيشون في كنف عراقيين، لكن سيارة مفخخة أبت إلاّ أن تقتلهم كلهم، ثم يظهر ناقص عقل ليقول إن هذا من أعمال المقاومة، في شهر قتل فيه من العراقيين "3709" مواطنين، كما ذكرت الأمم المتحدة.

 

ولا يشبه هذا العمل الإجرامي إلا جريمة قضاء "الحويجة" غربي كركوك، حيث انفجرت قنبلة موضوعة داخل دمية للعب الأطفال، فقتل الشقيقان "عبدالله معيوف حسن" و"عمر معيوف حسن" و"ادريس محمد أحمد"بينما أصيب طفل رابع اسمه "أحمد محمد أحمد".

لكن أن يتم تفخيخ دمية للعب الأطفال، فهذا شيء جديد حقاً، بعدما كانت المتفجرات توضع على دراجات نارية، أو حبات بطيخ، أو تربط بحيوانات نافقة، أو توضع داخل أمعاء جثث مقطوعة الرؤوس.

 

الله أكبر على الظالم، ومن يساعد الظالم.!

ومن أين جاء الظلاميون، الذين قتلوا زملاءنا الصحافيين، ومنهم "لمى رياض" و"فادية الطائي".

وهؤلاء القتلة تعلموا من كبيرهم الذي علمهم القتل: امريكا. ولجيش الاحتلال صولات وجولات في "زيُّونة"، ليس آخرها، طبعاً، قيام مجموعة من القوات الأمريكية بمهاجمة أحد المنازل بالمحلة بسيارات مدرعة، ودبابة، وطائرة هليوكبتر، فنزلوا على العائلة نزول الصاعقة، وعزلوا النساء في غرفة، والرجال في غرفة أخرى.

 

وكما في كل غزوة أمريكية لبيت عراقي، وضع "جنود الحرية" في جيوبهم مصوغات النساء، ومدخرات الرجال، ثم عصبوا أعين الرجال وقادوهم الى جهة مجهولة، عرف فيما بعد أنها "مطار بغداد الدولي".

 

يقول رب المنزل ويبلغ من العمر أكثر من 60 سنة: "أطلقوا سراحي بعدما سرقوني تماماً".

وأقول: صدق المثل البغدادي: "(ضًرَطَ) وزّانها، وتاه الحسابُ"!

 

جمعة اللامي

www.juma-allami.com

Juma_allami@yahoo.com




 
الاسم البريد الاكتروني