سْلِيْمَى العُمانيَّة

"إن الرسَّام يجب ألا يرسم ما يُرى،

لكنْ ما سَيُرى"

(بول فاليري)

 

في المطعم غير المغطَّى، اللاّمسوَّر، البسيط جداً، عند قدَمي الجبل، في مواجهة خليج عمان، في "جبل قنْتَبْ"، كانت فتاة في العشرين من عمرها، أو هكذا خُيِّل إليَّ ثم عرفت ذلك من فمها هي، تطير بين الموائد، حييَّةً، رهيفةً، تكاد ملابسها العربية تنضح أنفةً.

كيف يتأتى لنا، نحن جيلها، نسْيان سْلِيْمَى العمانية؟

 

لفتني الهواء الذي يتبع حركتها، هي الفتاة التي في قرابة العشرين من عمرها، والتي سأدعوها باسم كوثر من الآن، وها هي تقف عند مائدتنا بين زوجتي وبيني، وتقول: أنا كوثر.

قلت: كوثر العمانية؟

ردَّت كأنها تعرفني منذ عقود: نَعَم، يا عَمْ.

ابتسمت عشرون سنة من الكوثر. ورأيت الكوثر ينساب رائقاً أمام بصري، فقالت: زوجتي تخاطبها، كما لو أنها تتكلم مع ابنتنا، قبل ساعات من زفافها: "العمل شرف".

 

ابتسم الكوثر، وطفقت تسرد تاريخها المهني، من دون أن تغفل حركة، أو صوتاً، من أي من هؤلاء الأوروبيين والأمريكان الذين انغمروا في شمس عُمانية، أرسل بها البحر إلينا، قُبيل ضحى يوم أمس.

وكيف لي أنسى، أنا المُعنَّى بها، سْلِيْمَى العُمانية؟

قالت كوثر العمانية، إنها أنْهت مرحلة الدراسة الثانوية، وأقبلت على سوق العمل مباشرة: "العمل شرف. ووجدت والدي يُشجِّعني، كما والدتي. وكذلك أخوتي وأخواتي".

ـ "أخوتك؟".

ـ "لي ثلاثة إخوة، وخمس أخوات، وانتسبت الى المدرسة الفندقية، حيث أمضيت فترة دراسة وتدريب، وبعد ذلك قرأت اسمي في إحدى صحفنا المحلية".

قلت: مبروك، يا كوثر.

قالت: ومعي أيضاً صديقتي التي تشاركني العمل في هذا المطعم، إنها "أحلام".

وأشارت الى فتاة في العشرين من عمرها.

قلت: سأسميها أحلام العُمانية.

 

ابتسمت كوثر العُمانية من كل قلبها.

إني أسأل: "هل أحسَّ أيّ منكم بقلب يبتسم؟".

نحن الآباء الذين يكرمنا اللّه ببنت بين ثلاثة أولاد أو أربعة، رأينا ذلك القلب الذي يبتسم، ويضحك، ويلهو، ويبكي، وعشنا معه.

 

قالت كوثر: أنا، وإخوتي وأخواتي وأمي ووالدي، نعيش في منزل واحد.

وكان سيف العماني يعيش معنا، في منزل بغدادي، ما بين "باب المعظَّم" و"الأعْظمية" في النصف الأول من عقد سبعينات القرن الماضي. قال ذات مرة: "هذه سْلِيْمَى".

ثم قلت: "سأسمِّيها سْلِيْمَى العُمانية".

 

فجأة، كما لو أنها شمس سوداء، فزَّت سْلِيْمَى العمانية من نومها الأبيد في منطقة "الحْيُور"، قرب "نزوى"، نخلةً تعدَّت العشرين من عمرها بقليل، مثقلةً برطب كأنه الذي تمنَّتْهُ "مريم" ذات طلق.

وحيث قلت لسيف العماني: "يا سيف، هذه فتاة أم نخلة؟"، طفرت دمعة من عينيه، وطوى جناحيه صامتاً.

 

ستبقى تلك النخلة التي نبتت بين الصخر، عميقة الجذور، في أرض هي تفصيل من الجنة.

 

جمعة اللامي

Juma_allami@yahoo.com




 
الاسم البريد الاكتروني