وجوه " دلمون"

»الدنيا مسرح..

يمثّــل عليه كل انسان دوره«

(شكسبير)

نحن على مرمى "خشبة" مسرح، من توديع "أيام الشارقة المسرحية" في دورتها الثانية عشرة، بفعالياتها الفكرية، وعروضها المسرحية، وندواتها التطبيقية، وكذلك بضيوفها المتميزين حقاً.

من هؤلاء الضيوف الفنانة البحرينية القديرة أحلام محمد، والمخرج والتشكيلي البحريني المتميز عبدالله يوسف. وهما ــ للذي لا يعرف عنهما شيئاً ــ ربط بينهما رباط الزوجية الأقدس، ووشيجة الفن والأدب والثقافة، المقدسة.

 

وعند ذكر "احلام" و"عبدالله"، نتذكر مسيرة المسرح والتشكيل والشعر والقصة القصيرة والرواية في البحرين، التي ابتدأت منذ العقد الثاني من القرن الماضي، والمستندة الى تراث حضاري ومعرفي ضخم وهائل يعود الى آلاف من السنين، ومن يبتغ شواهد على ذلك، نُحِلْه الى أسرار وغوامض »دلمون« والمعلنات من أشواقها وانكراباتها وهمومها وأفراحها، في يومها وأمسها.

 

أحلام محمد، وجه محبوب وحضور مألوف في أغلب منازل العرب، وخصوصاً في بلدان الخليج العربية، حيث ارتبطت بلقب »المعلمة فاطمة«. في برنامج »افتح يا سمسم« الشهير، الذي قدم المعرفة للأطفال والصبية العرب، بطريقة سلسلة وعلمية.

 

لقد تواكب معها المسرح، هذا الفن الراقي حقاً، منذ كانت في الخامسة عشرة من عمرها. ثم نهضت واقفة على قدمين قويتين وثابتتين بعدما تخرجت في معهد الفنون المسرحية بالكويت، وانطلقت عقب ذلك في فضاء المسرح، او خلف "المايكروفون"، لتؤكد حضوراً يشرف الفن، ويؤكد ان الفن رسالة استثنائية، يحملها البشر ذوو النفوس الكبيرة والأخلاق الرفيعة.

 

ان احلام محمد وجدت في عائلتها من يشجعها على الدخول في هذا المركب الصعب، بشخص شقيقها، لكنها بعد ارتباطها بالفنان التشكيلي عبدالله يوسف، ازدادت معرفة على معرفة، وتفتحت أمامها نوافذ كثيرة أطلت عبرها على الفكر والتشكيل والكلمة.

 

اما عبدالله يوسف، فهو فنان معروف، خصوصا لدى قراء "الخليج" منذ أوائل عقد الثمانينات من القرن الماضي، بعدما قدمه »الخليج الثقافي« آنئذ في حوار مثمر حول اخراجه مسرحية "أرض لا تنبت الزهور" للكاتب المصري المعروف محمود دياب.

 

ومع هذا الفنان المصري المقتدر، اختار عبدالله يوسف، الصعوبة ذاتها من حيث هي أرقى اشكال التعبير عن الحياة والفن. ولذلك تجد في أعماله المسرحية والتشكيلية والإذاعية والتلفزيونية، ما يمكن ان نسميه " سهولة" الصعوبة، حين يتأتى لفنان يحترم عمله وجمهوره، ان يجد شُرْفةً ــ مهما كانت ضيقة وصغيرة ــ يطل منها على العالم، ويقول ما في خبيئته من كلمات واختيارات.

 

إن معرض "وجوه" غير التقليدي الذي حظي باهتمام واسع. ورغم بُعد المسافة الزمنية بينه وبين مسرحية "الممثلون يتراشقون الحجارة" التي أخرجها عبدالله يوسف في سنة ،1978 فإنه يمدنا بصلات كثيرة تقول: إن الفن حمّــال اكثر من وجه، وان مجتمعات الخليج العربي، خزين لا ينضب لتجليات فنية وثقافية ذات ميزات أخلاقية رفيعة.

 

هذا المعرض الذي جمع بين التشكيل والمسرح والكلمة يبحث عن فضاء مسرحي مفتوح في البحرين، حيث توجد أربع فرق مسرحية، تبحث عن صالة عرض واحدة، تليق بتاريخ المسرح البحريني والثقافة البحرينية، لكنها لم تجدها ـ مع الأسف ـ الى يومنا هذا.

 

أحلام محمد، وعبدالله يوسف، "وجوه" من "دلمون". ليس في شخصيهما فحسب، بل وفي انابتهما عن كل زملائهما من الشعراء والكتّــاب والمسرحيين والتشكيليين في دولة البحرين، وبذلك تكون الكلمة الطيبة بحقهما، موصولة بأهل الشعر والفن والمسرح والتشكيل في أرض "دلمون".

 

الأرض التي أعطت الخليج العربي أمثولات كثيرة، يعرفها الأبعدون قبل الأقربين




 
الاسم البريد الاكتروني