1) بورتريهات للحنين

سامي طلايلي/ الإمارات العربية

بورتريه1:

كان لي أن أشحذ حنيني في زمن حضور أبي الفعلي. أما الأن فالحنين متشظ بغيابه ، مجروح يضمخه ملح موجته التي سارت إلى الرمل في تباطىء وارتخاء.
لن تتكلم أرض جد أبي بحرف واحد . لن تتكلم تلك الصفوف العالية المنحنية من الصبار، ولا أشجار البرقوق والتنين واللوز وهي تتكاتف تحت ظل الشمس . خطاوي المتثاقلة لن تطلقها أية بارقة على لوح ذاكرة ذلك الشجر الذي لم ير قامتي من قبل .
كنت أنحني إلى الداخل حيث تستكين الجينات الوراثية هائمة في غاباتها السرية . علي أن أستفزها وأهز أغصانها الضليلة أوالخريفية . لابد أن تتململ تلك الجينات مخلية أثر ندبة أو تعبيرة شكوى قد تكون نائمة متوثبة كالحراس النشطين ، حراس البوابات الرئيسة والحصون، قد تكون كالجينات الأخرى التي يمكن تسميتها بجينات السذاجة والحب والولاء والثورة .
في تلك اللحظات من ذلك اليوم البعيد ، كانت عينا أبي مشحوذتين بحسرة الأسى والرغبة المستميتة في استرجاع زمن كان سبق انتزاع الحق في ارض جده سالم .ومع ذلك لم يتقدم في "المشتة" أسفل الهضبة . لم يقترب من تلك الأرض التي شهدت طفولته الأولى مع جدته "عيشه" بعد أن احتكرت أخته المتنفذة كل المساحة وطردته.
لقد اراد أبي ان يخطو المسافة التالية بأن يدنو من سور الصبار. وجدتني منقادا إلى حنين خاص مشبعا بروح جديدة نفذت بها الخطوات التي هفا إليها متوقعا أن تنهرني الكلاب .

بورتريه2 :

لو لم تكن الصدفة هي التي جمعتني ب"يوسف" في ذلك المساء المهيب ، لكانت هي تونس فعلا. "يوسف" ذلك الفتى النحيف الفارع ذو الأنف المخلوق على شكل زعنفة . لطالما كان يوحي إلي بالمسافر الذي لا أرض له يقيم بها ولا جزيرة يصل إليها . كنا قد بلغنا واجهة الفندق محاذرين لاهثين . وكان اليوم غائما بدخان مسيلات الدموع وأدخنة المدرعات التي نزلت إلى الشوارع عشية انتفاضة الخبز عام 1984. لقد غدت العاصمة فوضوية مستباحة يختلط فيها أزيز الرصاص بالهتاف والصياح والرعب . وتحول شراذم بين المتظاهرين النبلاء إلى سراق ونهابين وحقدة على الحياة . تناثرت عشرات الأحذية والنعل والعصي وظروف الرصاص. كان على مقربة منا عمال حظيرة بناء حملوا أحدهم على الأعناق وهو يلوح بقطعة خبز جافة عليها غبار الإسمنت الرمادي .
كان عدد منا نحن الطلاب مترددين وكان آخرون قد اخترقوا حاجز المخاوف والتأمل ورشقوا كل شىء واجههم تقريبا بالحجارة .
اندفعنا داخل بهو فندق " الكيوبس" الذي اكتشفناه آنذاك للمرة الأولى. كنا مذعورين متشنجين . وكان" المسافر " قد بكى لأنه أحس بالقهر قاصم الظهر والرجولة الجريحة .

بورتريه3 :
كانت الكاعب تعبر الدرب ، محتفية خلسة بغزل الفتية الموزع على أمتار السير . كانوا قد استراحوا لتوهم من الهتاف والجري في الشوارع . . كانت لاتغذ خطاها ولاتتباطؤ . كان عليها ان تلقط حبات الزؤان في حذر . كنت شعرت امام جمالها المتنامي بالشجن . إن يكن جمالها ذاك فطرة فأي روعة تكون عليه عيناها السوداوان الملكيتان ، وأنفها الأخنس ، وشفتاها اللمياوان الخاتمان على مرايا السينما ؟
قال "المسافر" : إنها تشبه حال الكرسي الهزاز بين هرج الحركة وبهرج العرض والضوء على الركح وبين السكينة الجارحة، الآتية من جوانية الغربة والظل المستريب والهشاشة الخطرة. .


الأستاذ: سامي طلايلي (كاتب تونسي مقيم بالإمارات)



 




 
الاسم البريد الاكتروني