مقابسة العمال

عزمتُ على أن أترك الكون كلهُ

وأقفو سبيل الحب والمجتبى يقفو"

(أبو العطاء السكندري)

 

فاجأنا أبو علي الماجدي، بُعيد قليل على صلاة العصر، أمس، غريب المتروك وأنا، ونحن نتأمل عمق البحر غير بعيدين عن مسجدنا، بينما هبطت درجة الحرارة قليلاً، وخف اصطخاب الموج، وحيث نورسان يلعبان في فضاء فسيح: "إنها حرية الطيران،، اذاً"، هكذا ساررت نفسي.

 

أعرف هذا المسجد الصغير، الذي سميته ذات يوم، مسجداً بحجم كف طفل رضيع، والذي يكاد ينكفأ على البحر، ولم نكن نعرف من الذي وضع حجره الأساس، سوى انه مسجدنا قبل ثلاثين سنة.

 

قال الماجدي: "رحم الله ذلك الأسمر بلال أبي العمال". سكت قليلاً، ثم قال: "لا نامت عين تسلب عاملاً حقه الذي كفله له رب الناس، قبل الناس".

علّق غريب المتروك: "ما حكاية بلال الأسمر، يا ماجدي؟".

 

هو الذي وضع أساس هذا المسجد، قال الماجدي، ثم غادرنا بعدما ارتفع أساسه، فأعلينا حيطانه آجرة بعد آجرة، ثم صار ما صار.

تلك هي المرة الأولى التي أسمع فيها باسم بلال الأسمر، فأردت زيادة في المعرفة، وسألت الماجدي:

- من هو بلال الأسمر، يا ماجدي؟

- رجل عربي أصيل، يعيش من كد كفه، ويبني المساجد حيثما وجد تجمعاً للناس.

 

وعلمت ان بلالاً الأسمر، هذا، رجل بركة وخير، فهو جمع العمل والتقوى. وبهذا فاز بالحسنيين، وأضاف الى ذلك عادة شخصية أخرى، تلك هي السعي في قضاء حاجات الناس، ولو كانت عند من يخاف سطوته القوم.

 

قال الماجدي: "كان في ديرتنا رجل جمع مالاً كثيراً بعرق العمال وكدحهم، وكان يتجبر على الناس، وفي الوقت ذاته يدعي الصلاح، حتى كان ذات يوم".

سأل المتروك: "ماذا حدث، يا ماجدي؟".

قال الماجدي: "وقف بلال الأسمر وسط سوق البلدة، واعتلى صخرة، ثم أطلق صوته: يا دوينق بن فليس الشيقلي، أرجع حقوق الناس للناس، فورب الناس إن لم تفعل ذلك سيأخذك الناس بالنواصي والاقدام".

 

وخر الجبابرة صاغرين لصوت رجل عرف رب الناس، والناس.

 

جمعة اللامي

Juma_allami@yahoo.com





 
الاسم البريد الاكتروني