حينما ينكسر خيط الشمس/ قصة قصيرة

زكية خيرهم
مازال أبو تحسين يتنقل من قافلة إلى أخرى، ومن ترامواي إلى آخر، يبحث عن حلمه الضائع الذي توارى وراء سحب الشواطئ البعيدة، وعن السلام الذي يتساقط رويدا ولا يمنحه إلا الألم. ترك شقته المتعبة بلا روح، وسكن مواصلات النقل ، وفي الليل يتسلل إلى محطة القطار الواسعة وينام في إحدى دهاليزها المختفية عن الأعين.
أصبح نحيفا جدا وشعره الكثيف المتجعد يغطي وجهه. يرتدي نفس المعطف الرمادي الذي رأيته به منذ أشهر. عيناه غائرتان، أقرأ فيهما الحزن وفقدان الأمل. يتذكر الجارين اللذين كانت شقته تتوسط شقتهما. الأول يوبخه لأنه يتضايق من التراتيل والآخر يقول له إن لم يعجبك صوت الهارد روك ارحل من هنا ومن كل الوطن. أرى أوجاعه تتدلى على منكبيه وتتهاوى بداخل روحه حدّ الألم. متعب يتكئ على أيام تتراكض خاوية ، موبوءة، غريب عن الحياة، يستجمع أحداث تاريخ وجوديته.
كنت أراقبه يستعيد تلك الأصوات الغاضبة الناقمة في صمت، منجذبا إليه وكأن ثمة اتصال خفي يشدني ، أو كأني أقرأ صفحات هدوئه المفتعل، وحركات رأسه، وابتسامته الحزينة المستاءة والمستهزئة. أرحل من هنا أيها الأجنبي! أي وطن سأغادر وإلى أي وطن سألجأ. شعرت بغربة وأنا مازلت في رحم أمي وحين خرجت إلى الدنيا ، غادرت هي. فتركتني أداعب غيابها بالصراخ، عاري الجسد لا تغطيه إلا أسمال بالية من الجمرات المحرقة. أتأمله حبيس صرخة مكتومة في رعشة الأحداث العليلة، يتململ داخل روحه المسكونة بالحرية الشريدة والمطاردة مثله، غريب في ظلّ وحدته يبحث بعينيه الذابلتين عن وطن.
حين فتح عينيه لأول مرة على الدنيا، لم ير إلا فساد الهواء في السماء. كيف له أن يتقدّم برفق إلى الأمام ، إلى عالم حالم ... أن يسبح في صمت ويكسّره بصوت تنفّسه، لم ير سوى وميضا من فوقه. يا إلهي هذا العالم الذي أتيت منه يزداد عمقا خلف الصخور المتجعّدة وإلى ظلمة البحر و زرقة عميقة و إلى سواد حالك. اغرق ، تجرفني تيارات غاضبة ، تؤرجحني بين وطني الأول والثاني. آه عليك يا وطني الأول، هل تذكر حين زرتك آخر مرة. جئتك طائرا عبر القارات، حاملا لك أفراحي، ووحشتي التي لا توصف. معي أصدقاء من الأمريكان والإنجليز. جئتك لأن الجامعة استدعتني حتى أتحدث عن الوطن وعن المهجر وعن البعد عنك وكيف الشعور ببعدك. في المطار مرافقا أصدقائي الذين سيشاركون معي نفس الموضوع. كنا في طابور طويل ختم شرطي الجمارك جواز سفر الامريكان و الانجليز، مبتسما إليهم مرحّبا، وحين وصل دوري ، رمقني بنظرة استهجان.
- هل كتبت عنوان الإقامة؟
أي عنوان إقامة، إنني مدعو من طرف الجامعة.
والله ما تدخل حتى تكتب وين نازل.
بحلقت عيني:
وين نازل؟
نعم، لابد من كتابة العنوان الذي ستقيم فيه؟.
وماذا عن هؤلاء الذين ختمت جوازات سفرهم بابتسامة وترحيب؟
ما تجي تورّيني شغلي! واش سمعتي واللاّ لاّ؟
تريد العنوان الذي سأنزل فيه.
المغرب...
قال بصوت يملأه الغيظ.
فين في المغرب؟
قلت لك المغرب.
باركا من التصعليك. كتب العنوان إلا بغيتي تدخل.
عنواني هو المغرب، كله وطني وبيتي وأهلي. هل فهمت؟
بعد شجار وتدخل شرطة آخرين، طلبوا مني أن أكتب العنوان. فأذعنت لطلبهم، وكتبت عنوان الفندق الذي نزلت فيه مع أصدقائي الأروبيين. راضيا بنصيبي في الوطن وبنصيبهم فيه.
في وطني الثاني سكنت بجوار جيران من ثقافات وجنسيات وطوائف متعددة. هنا في منطقة هلميا التي فازت بلقب ( الجيتو) لتكتّل الأجانب فيها مع القليل من الجيران النرويجيين. ظننت أنني سأعيش جو وطني الأول لتواجد هذا الكم الهائل من العرب وغير العرب، يخففون عني الحنين إلى الوطن الأم الذي غادرته قَسرا. جار ينظر إلي باستياء بحيث أنني في نظره أتشبه بالنروجيين. وآخر يكرهني لأنني رفضت تسجيل اسمي في المسجد الذي يؤمّه.
- كيف لي أتسجّل عندكم وأنا مسجل في مسجد آخر؟
- لا يهم، يمكنك أن تتسجل عندنا أيضا.
- ولكن ... هذا تدليس!
- أعوذ بالله من التدليس، هدفنا يا سيدي الكريم تسجيل أكبر عدد ممكن من المسلمين، حتى نتلقى دعما أكبر لمساعدة مسلمين خارج الوطن.
- ولكن، أنت تسجل وإمام آخر يسجل وثالث يسجل، سيصبح عددنا في أوسلو ثلاثة اضعاف، وسيكتشف غشكم أمام السلطات.
قاطعني ...
- يا أخي، ألا تريد المصلحة لأمتنا؟ مثلك هلاك على المسلمين أكثر من الكفار.
تركني وفمي مفتوح كسمكة وغادر وهو يزمجر ويسب بكلام غير مفهوم . وكيف لي أن أفهم لغته وهو القادم من إحدى دول "ال ... تان" جار آخر يكره فكري السياسي المعارض لفكره، أما جاري (كارل) يقول لي ابنه حين سألته أن يخفظ من الموسيقى العالية:
إن لم تعجبك الموسيقى ارحل عنا ، نحن لم نحضركم إلينا ....
- أنا لم أتمرد إلاّ على اغتراب الشعوب في أوطانها ، على مكابدتهم نحو مستقبل لا مكان له، وتاريخ يتكرّر في التقسيم والفصل والإنهزام. عن شعوب مكتظة إلا بالهتاف والمفجوعة على كسرة خبز. ... جئت إلى بلدك قسرا ... تركت طلابي بالجامعة وأبحاثي وهنا أبيع الخبز العربي بالأسود لأني لم أجد عملا بالأبيض.

- لن تجده ولو بكلّ الألوان. إذهبوا إلى أوطانكم وحرّروها.أنتم من أتيتم زاحفين إلينا ... ممتطين قوارب مصارعة أمواج المحيطات للوصول هنا، إرجعوا في قواربكم أو حتى على أقدامكم ، هذا ليس شأننا. خذوا تمردكم معكم إلى أوطانكم.
كان أبو تحسين يتصبب عرقا ويعضّ على شفته السفلى بقوة حتى سال الدم منها ، لم يشعر بشيء ، .....مددت له ورق الكلينيكس، انتفض من مكانه وكأني أيقظته من كابوس، تراجع بجسمه إلى الوراء وكأنه بتلك الحركة يقول لي، لا شأن لك بي. علت على وجهه مسحة الحزن والكآبة، متواريا بحنين قلبه عن العالم كله، فاقدا الأمل من كلّ شيء. أرجعت ورقة الكلينيكس في صمت إلى جيبي، وأخفضت بصري في خجل عن تناطح شعوبنا، وتجزئة أوطاننا، في حين دول الغرب تتكتّل. عن شعوب تأكل بعضها، تمزق اشلاء بعضها بالسيوف وباسم السلام والحرية والله الأكبر وبلطجية ياجوج ويأجوج قادمة من إحدى جزر المرجان ، يقودها قرد يفتي بما يمليه عليه الشيطان. فانتشرت الصراصير وكثر البوم وعمّ السماء نعيق الغربان. وصدّرت إلينا قناصات ومسدسات سلمية حتى نُكرم بها أبناء جلدتنا وبعدها نرسلهم بالبريد السريع حتى وهم غير ميتين، عبر خطوط الشهادة عابرين برك الدماء بسرعة البرق إلى جنة الغلمان والحريم. ... جواميس ...قطيع عقول متبلدة ... مستعبدة يعبث بها هواء قادم من أمم الصدى المخادعة. عقول لم تعتبر لعصابات ديموقراطية الاغتصاب والفتك والسلب وبوشية النهب والقتل، فأصبح البلد ينعي قبورا موجوعة بالأشلاء التي بترتها قنابل السرطان فعمّ الوطن الإنفلات ومن بقي حيّا يذرف أحزان الحسرة على سماء فاسدة من فوقه وأرض مخادعة من تحته ، فتغيّرت الأشياء وأصبح الضوء عاريا والشمس محرقة وخطوات الناس مبعثرة ووجوهها مشرّدة ، مثقلة بالهمّ والموت المرتقب. ألم يتوعّد الشيطان بحرب طائفية؟ وأرسل ثعبانا واحدا بقدرة ساحر متواجد في جبال أفغانستان، وسهول السودان، ومراعي دارفور، وجبال كوردستان العراق وإلى ليبيا حيث أنزل العلم الأخضر ورفع علم السمّ الزعاف.

رفعت رأسي فوجدت أبو تحسين يبتسم إليّ في حزن وكأنه سمع كل الحديث الذي دار في رأسي، وكأنه يشاركني همي. أمعقول يتذكّرني؟ مستحيل ..! حكم عليه زمن التآمر بالجنون فأصبح منتشرا كالغبار، مشتّتا كقمامة تلعب بها رياح قوية ، منظمة ، مدعومة ، جارفة، قاتلة، لم تترك في طريقها شيء سوى كلمات متقاطعة هنا وهناك ، كلها بحرف السين والعين ... سيوف وسكاكين ....وسلمية طراطير ...عصابات مجرمة يترأسها يريور من قوم لوط ينفث سمومه من أرض سلاحف الصحراء كراكيز ودمى ، تنبعث من تحت سراويلهم المترهلة رائحة البول و وظيفتهم خدمة الشياطين. مازلت أهذي عن تاريخ متكرر غير مبال بأبي تحسين ولا بأحد في القطار ... فجأة سمع ذوي انفجار ، رجّ القطار وكل من فيه، ذكرني بيوم النحس في وطني، يوم دخلت علينا ديموقراطية الألغام والمتفجرات. وقف الجميع مرعوبين خائفين، هناك من يصرخ، وهناك من يبكي وآخرون يريدون النزول من القطار .... نساء ورجال على جنبات الطريق يجرون على غير هدى ،هلعين والدماء تغطي وجوههم ولباسهم ... اصوات سيارات الإسعاف والشرطة متجهة ناحية الإنفجار. يا إلهي! أمعقول ما أرى ؟ هل نحن في النرويج .... هل أنا في كابوس لوحدي ... أوسلو المدينة الجميلة الهادئة تتعرض للإنفجار. هل وصل السّم الزعاف إلى هنا؟ اكتشفت أن القطار أصبح خاليا من الركاب والسائق. لم يبق أحد سوى أبو تحسين الذي كان ينظر إلي بابتسامته المجنونة ، جالسين وجها لوجه ، متسمرين في أماكننا، نصلي للرب في دواخلنا ألا يكون وراء هذا الكابوس المرعب أجنبي شعره أسود. ...وهذا ما كان وثبت..فإذا بمن يريد القتل والموت للغير لا يفرق بين الغير وبني وطنه..ما زلت في حالة اكتئاب وحزن من هذا الفتى الأشقر الذي قتل بدم بارد ثمانين من بني شعبه الأشقر منه..ويا للغرابة والدهشة يقرّ للمحققين أنّه يعرف عدد من قتلهم لكنه ليس نادما. فجأة صحا أبو تحسين من شروده وحزنه ، وغابت ابتسامته الساخرة، وإذا به يبدو لي وكأنه محاضر في جامعة يقول: كنت أتمنى من قلبي الحزين وعقلي المجنون أن لا يحصل هذا الجنون والموت والقتل الذي حصل. ولكن ما دام أنّه حصل من أشقر غير بُنّي ولا أسود، هذا معناه أنّ القتلة لا دين ولا جنسية لهم..

زكية خيرهم
كاتبة وروائية نرويجية من أصول مغربية




 
الاسم البريد الاكتروني