الدكتور إميل توما والثّقافةّ العربيّة الفلسطينية في البلاد

د. حبيب بولس

كان رحيل الدكتور إميل توما المفاجئ خسارة كبيرة للحركة الثّقافيّة العربيّة الفلسطينية في البلاد فبرحيله خسرنا علما بارزا من أعلام الفكر ورائدا شجاعا لمسيرة هذه الحركة وحين نتحدّث عن الدكتور إميل توما كفرد يجب ألّا يغيب عن بالنا أنّنا بذلك نتحدّث أيضا عن إميل الإنسان والقائد الشّيوعي صاحب النّهج الماركسي وباني صحافتنا الحزبيّة- الّتي كان لها الدّور الأكبر في توجيه ثقافتنا وتطوّرها. بمعنى آخر لا يمكننا الفصل بين أثر إميل توما الفرد وأثر الحزب الشّيوعي وصحافته في بناء حركتنا الثّقافيّة .
وإذا أردنا أن نستجلي دور إميل توما وأثره على الحركة الثّقافيّة وتطويرها علينا أن نعود إلى الوراء قليلا، أي إلى عام 1948، عام النّكبة الّذي شكّل مرحلة خطيرة في حياة شعبنا بشكل عام وذلك كي نستطيع أن نسجّل الحالة الّتي سادت آنذاك ومن ثمّ كي نسهّل على أنفسنا متابعة التّطوّر الّذي حدث في الثّقافة العربيّة الفلسطينية في البلاد.
جاءت النّكبة عام 1948، وطرد معظم الشّعب الفلسطيني وأبعد عن وطنه، فمثّلت سنوات الخمسين في حياته عدم الإستقرار والتّشتّت وتمزيق الشّمل والقطيعة عن الأشقّاء وعن العالم العربي، وتبدّلت الحالة جذريّا في ظل إحساس بالعار نفسيّا وحرمان من كلّ شيء ماديّا.
إزاء كلّ هذه الأحداث المتسارعة وقف النّاس مشدوهين بمن فيهم الكتّاب والشّعراء، فهم لم يستسيغوا ما حدث ومرّت سنوات حتّى استطاع شعبنا أن يفهم أنّ ما حلّ به لم يكن شيئا عابرا، إنّما هو حقيقة مُرّة عليه أن يتأقلم معها ويقاومها في الوقت نفسه، فمع الخروج من النكبة 1948 فرض على البقيّة الباقية هنا علينا- حصار ثقافي وعسكري، فأصبح هَمّ الواحد منّا الجري وراء لقمة عيشه في جوّ كهذا من الإرهاب والقمع حاولت السّلطة تذويبنا وذلك عن طريق إعداد مناهج تعليميّة غثّة وترويج كتب غيبيّة وبث برامج إذاعيّة هزيلة، كان الهدف منها إلهاءنا عن قضايانا الملحّة، لذلك جنح بعض كتّابنا وشعرائنا في هذه المرحلة الإنتقاليّة إلى الأدب البكائي والغيبي والرّومانسي الرّاكد كما مال قسم آخر تحت تأثير المستجدّات، ربّما عامدا أو من حيث لا يدري، إلى خدمة نوازع السّلطة بأدبه.
في هذه السّنوات عشنا صراعا مذهلا، حيث كنّا نتخبّط في طرق وعريّة شائكة مظلمة. لكن سرعان ما لملم شعبنا جراحه وانتصب ثانية، وكان الفضل في ذلك يعود إلى الحزب الشّيوعي وصحفه وقادته فبعد أن أنزل الإستعمار والصّهيونيّة والرّجعيّة العربيّة أقسى النّكبات على شعبنا ومسحت الصّهيونيّة غالبيّة معالمه الثّقافيّة والتّراثيّة وفرضت عليه سياسة عنصريّة تجهيليّة وعدميّة قوميّة وجدنا هذا الحزب يقاوم وحيدا في الميدان، وبفضل صحفه بما كانت تنشره من فكر تقدّمي وإنساني ثوري، عربي وعالمي، وبفضل محافظة هذه الصّحف على هويّتنا الفلسطينيّة العربيّة، وعلى تراثنا الأصيل وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم.
وهنا يجيء دور الرّاحل الدكتور إميل توما كمحرّر لِ "الإتّحاد" أوّلا وفيما بعد لِ "الجديد" فقد جعل الدكتور إميل توما صحافتنا تسترشد ببوصلتين هما:
1. تقويمها الصّادق القائم على أنّ الثّقافة العربيّة والفلسطينيّة تؤلف جدولا حيّا ومتميّزا من جداول الثّقافة العربيّة العامّة الّتي يصب في نهرها الكبير ما يبدعه المنتجون العرب في مختلف الأقطار العربيّة.
2. إنتهاج هذه الصّحف توجّها ثوريّا إنتقاديّا إزاء التّراث العربي الغني والضّخم، واختيار قطاعاته التّقدميّة والإنسانيّة ورفضها لما هو غيبي وسلبي. وممّا ساعد هذه الصّحف على تفادي الحفر والألغام كان إسترشاد إميل توما ورفاقه بالمنهج الإشتراكي العلمي الماركسي اللّينيني. لذلك كان مفهوم إميل توما ومن ثمّ "الإتّحاد" "والجديد" أنّ الثّقافة لا تنمو في برج عاجي أو تحوم في الفضاء بل هي تترعرع في تربة حاجات الجماهير المتزايدة إلى الغذاء الرّوحي.
مسترشدة بهاتين البوصلتين واجهت صحفنا التّيّارات الإنعزاليّة الرّجعيّة الّتي حاولت السّلطة غرسها في نفوسنا ووضعت البديل الثّوري للبكائيّات وأدب التّخاذل والغيبيّات، فكان البديل شعرا ثوريّا ذا رؤية تقدّميّة أبرز حقّنا وفضح كلّ مكائد الدّعاية الصّهيونيّة، كما كان البديل قصصا تقدّميّة إنسانيّة وروايات ومسرحيّات ودراسات وفنّا وغير ذلك.
والكلّ يعلم أنّه، وبتشجيع من الرّاحل إميل توما، نشأت في أحضان "الإتّحاد" "والجديد" "والغد" كوكبة من الأدباء كانت في حينه براعم صغيرة لما تتقتّح بعد، ووجدت في إميل توما ورفاقه وصحف حزبنا جذعا شحدت عليه المناقير فاستنسرت، وبيدرا حبت عليه إلى أن اشتدّ ساعدها وقوي عودها.
لم يفتح إميل توما صحفنا في وجه هذه البراعم وحسب بل أطلعهم على أدب شعبهم قبل النّكبة، ذلك الأدب الّذي كان ردّا على الصّهيونيّة مؤكّدا أنّه ما من أدب ينشأ في فراغ وإنّما أدبنا اليوم هو إستمرار للحركة الأدبيّة والثّقافيّة في فلسطين قبل النّكبة.
فضح إميل توما بما كتبه أهداف السّلطة وعرى مطامعها فكانت كتاباته، لجيلنا، الوقود الّذي زوّدنا بالرّؤية الصّحيحة، والزّيت الّذي أشعل نار الكرامة والبقاء.
تجاهلت المؤسّسات الثّقافيّة الرّسميّة، تماما، وجود حركة أدبيّة محليّة، ولا أتصوّر الآن كيف كان من الممكن في تلك الظّروف أن تنمو حركة أدبيّة محليّة بدون صحف الحزب الشّيوعي وبدون إرشادات إميل توما وتوجيهاته.
أمّا في مجال الدّراسات فقد وفّر لنا إميل توما على صفحات "الجديد" عبر هذه السّنين الطّويلة منذ عام 1951 إنتاجا كبيرا شاملا عالج الحضارة والتّاريخ العربي والفلسطيني وقضايا السّاعة. وهذا الإنتاج يستحق أن يحفظ ويصان ويفهرس ويصدر في مجلّد خاص فلولا إميل توما و"الجديد" لما رأت هذه الدّراسات النّور لأنّ زاوية إنطلاقها تتعارض مع النّهج الصّهيوني ومع سياسة السّلطة واليوم نستطيع القول بفخر أنّ إميل توما و "الجديد" قدمّا خزانة كبيرة من الأبحاث والدّراسات الجادّة المحليّة والعربيّة والفلسطينيّة والعالميّة الّتي ثقّفت جيلا كاملا وحثّته على الأفادة والإبداع ونوّرته بمنظور علمي موضوعي تقدّمي واعٍ.
يعرف الجميع تماما أنّ المؤسّسة الثّقافيّة والتّعليميّة الرّسميّة حاولت هادفة تزييف تاريخ أدبنا العربي عامّة وعرض "انصاف الحقائق"- كما أنّها تجاهلت الأدب الفلسطيني في برامجها التّعليميّة وحاولت أن تصوّر أدبنا منذ الجاهليّة حتّى العصر الحديث على أنّه أدب يتسكّع على أقدام الحكّام والسّلاطين، تكسّبا للمال، كما حاولت أن تصوّره على أنّه فخر أرعن أو غزل ساذج أو نفاق ووصف أهوج فارغ، أو هجاء يعكس "أبديّة المنازعات في المجتمع العربي"!!.
وكان لإميل توما دور كبير في فضح هذا التّوجّه الرّسمي- الصّهيوني وفي إبراز الوجه الحقيقي لأدبنا وتاريخنا وتراثنا- الوجه النّاصع، وذلك عن طريق نشر النّماذج الإنسانيّة والتّقدميّة لأدبنا العربي على صفحات "الجديد" فأصبحت "الجديد" بذلك المرجع الأساسي للإطّلاع على حقيقة هذا الأدب.
أمّا بالنّسبة للفنون فقد كان إميل توما بصفته رئيس تحرير "الجديد" رائدا في نشر كلّ ما يتعلّق بالفنون على أنواعها، فقد إعتمدت "الجديد" في نشرها للفنون على معرفة إميل توما الواسعة بعلم الجمال الماركسي اللّينيني الّذي يعتبر الفن من أهمّ الوسائل الّتي تعكس واقع العالم الموضوعي جماليّا. كما أنّ إميل توما إهتمّ ورعى الفنّانين المحليّين وشجّعهم من على صفحات "الجديد" وذلك عن طريق إقامة المعارض والنّدوات ونشر الأبحاث ومناقشة فنّهم أو عن طريق تخصيص زاوية خاصّة بالفن. وعندما نقول الفن نعنيه بأشكاله العديدة.
وإذا إنتقلت إلى الحديث عن القصّة والشّعر فالحديث سيطول كثيرا لأنّني على ثقة من أنّ القارئ يعرف دور إميل توما و "الجديد" في هذا المجال، لا بل حتّى أعداء إميل و"الجديد" لا يستطيعون إنكار دورهما في تطوير هذين اللّونين الأدبيّين فقد فتحت "الجديد" بمبادرة وإرشاد إميل توما منذ صدورها، أبوابها للقصّة المحليّة والشّعر المحلي وما زالت تعطي الأولويّة لكلّ إبداع محلي- فنشرت وناقشت ونقدت وأقامت النّدوات حتّى وصلنا إلى قصّة راقية شكلا ومضمونا وشعر ثوري إنساني.
متسلّحا بالرّؤية الماركسيّة الّتي زوّده بها إميل توما ومطّلعا على الأدب العالمي التّقدّمي استطاع أدبنا أن يصل إلى هذه الدّرجة من الرّقيّ والتّطوّر. وكما العناية بالقصّة والشّعر كانت رائعة، كذلك العناية بالكتّاب والشّعراء كانت رائعة هي الأخرى والدّليل على ذلك تلك القائمة الطّويلة من أدبائنا وشعرائنا الّذين يعتبرون أنفسهم خرّيجي مدرسة إميل توما و"الجديد".
لقد كان إميل توما هاديا ومعلّما وموجّها، وكان أيضا رائدا ولأنّه كان رائدا تفرّعت إهتماماته وتعدّدت حتّى شملت أيضا عمليّة النّقد الأدبي.
لقد رصد إميل توما من خلال عمله الصّحافي الحركة الأدبيّة العربيّة الفلسطينيّة عندنا، فكتب عنها الكثير وقوّمها بالمعنيّين ورسم لها خطوطها الموجّهة على صفحات "الجديد".
لقد شجّع إميل توما الأدب والأدباء فخلق جوّا أدبيّا نعتز به ونفتخر. وللحقيقة نقول أنّ إميل توما كان أوّل من فتح أعيننا على الأدب الصّريح والموضوعي والملتزم. فقد كان في ذلك رائدا منذ صدور "الجديد" عام 1951 كملحق "للإتّحاد" حتى رحيله
وفي نقده للعديد من الأعمال الأدبيّة إلتزم إميل توما خطّا ومنهجا سار عليهما طول حياته، فهو لم يرحم بنقده أؤلئك الكتّاب الّذين تقوقعوا أو الّذين باعوا أقلامهم لخدمة الظّالمين- كما أنه لم يبخل على الّذين كانوا يكتبون أدبا تقدّميّا بالتّشجيع والإطراء.
كان إميل توما في نقده يسترشد بعلم الجمال الماركسي اللّينيني، فعلم الجمال هذا كان البوصلة الموجّهة في نقده للأعمال الأدبيّة المحليّة، لذلك لم يكن إميل توما في نقده يسلخ العمل الأدبي عن الظّروف الموضوعيّة المحيطة به، بل كان يردّه إليها ويبني على ذلك أحكامه.
وللفقيد مجموعة مقالات نّقديّة كان قد نشرها في "الإتّحاد" و"الجديد" جمعت بعد رحيله مع انه، كان يحبّ أن ترى النّور في حياته وكان قد أطلعنا عليها فأعجبنا بها كما كان قد عمل مع آخرين على إصدار مجموعة نقديّة صدرت هي الاخرى بعد رحيله ونحن نامل ان يتمكن الدارسون من خلال هذين الكتابين من دراسة منهجه النّقدي بصورة صحيحة. وكفى إميل توما ناقدا أنّه كان الرّائد والموجّه في هذا المضمار.
ممّا تقدّم رأينا صورة عامّة لدور إميل توما الكبير في تطوير وتوجيه حركتنا الثّقافيّة العربيّة الفلسطينية في البلاد ولمسنا كذلك تعدّد إهتماماته. فقد كان فعلا رائدا وللرّيادة ضريبتها، وكانت الضّريبة الّتي دفعها إميل توما مرضه العضال الّذي لم يمهله طويلا.
وأخيرا.. مات إميل توما وكانت خسارتنا بموته فادحة. مات الإنسان الجامعة، لكن لم يمت فينا ما تركه، بل هو حيّ في كلّ ما كتبه باق إلى الأبد. وإلى شعبنا نقول: إنّ شعبا أنبت إميل توما هو شعب غنيّ حقّا، قادر على تقديم العظماء والمبدعين، باستمرار.
ونحن أعني تلاميذه الّذين عملوا معه أو التقوا به في ساحات الفكر والنّضال وميادين العلم والثّقافة، كفانا فخرا أنّنا عشنا في زمن إميل توما وكفانا شرفا أنّنا عنه أخذنا وعلى يديه تتلمذنا وإلى ما وصل إليه نصبو ونتطلّع.
نم قرير العين يا أبا ميخائيل، فالبذرة الّتي زرعتها والّتي عملت، جاهدا كي تنمو وتكبر نمت وكبرت وأصبحت شجرة تضرب عميقا في رحم الأرض تردّ كلّ هجمة وتحطّم كلّ مؤامرة. فشعب أنبتك فأحببته وجعلت عمرك وقفا عليه يعرف كيف يردّ لك الجميل وكيف يكرّم أبناءه البررة أمثالك.
ولسوف تظلّ صحافتنا الحزبية قويّة راسخة تواصل الطّريق الأدبي- الفكري الّذي شققته أنت ورفاقك الرّوّاد أمام شعبنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أودّ أن أشكر أبا خالد - الرفيق زاهي كركبي الّذي يقرع لنا دائما ناقوس الذّاكرة لينبّهنا إلى الجذوع التي شحذنا عليها المناقير والتي صقلت بسيرتها ومسيرتها الوطنية شخصيتنا.
ستة وعشرون عاما على غياب والدي الروحي القائد والمعلم الدكتور اميل توما لذكراه ولما قدّمه يكون هذا الكلام.

drhbolus@yahoo.com




 
الاسم البريد الاكتروني