فــنّ الحاضـــر

"إن عظمة الفنان تقاس

بالمحاولات التي قهرها"

(ألبير كامو)


"دع طائرتك الورقية يا طفلي العزيز تطير، وتطير، وتعلو، ثم تعلو، حتى ينقطع خيطها، لأن الخيط، يا طفلي العزيز، يبقيك على الأرض، ويبقي طائرتك الورقية فوق الأرض قليلاً، وبعيدة عن السماوات كثيراً".

 

دوّنت هذه الملاحظة نصاً، حين كنت أعيد قراءة مقامات بديع الزمان الهمداني، ومقامات الحريري، التلميذ النجيب للهمداني، قبل عدة سنوات، وعدت أبحث عنها لأجدها تنام هادئة في "يوميات 2007".

وتكاد الفكرة الكاملة تمسك بيدك اليمنى ، يا صديقي ، وتقودك الى اريستوفان، وشكسبير، وموليير، وأنت تضحك مع "أبي الفتح" أو "أبي زيد" في مقامات صاحبينا، لأن كلاً منهما أطلق خياله الخلاق الى فضاءات الكتابة التي يسجنها النسق التقليدي ، او التفكير بقاريء بعينه ، او ترضية لأمير او خفير ، او مماشاة لحزب او نظام.

 

هنا نجد كوميديا عامة الناس، وكوميديا صفوتهم أيضاً. أي نجد تلك اللمعة الحريرية والهمدانية والشكسبيرية، وقد جعلت من فن الكوميديا، فن الحاضر، الذي هو مستقبل غير مؤجل.

إن "أبا زيد" في المقامات الحريرية، والتي عددها تسع وأربعون، قبل توبته في "المقامة الخمسين"، هي فن الحاضر الذي هو مستقبل غير مؤجل، كما أشرت منذ قليل، لأنها تعيد تفكيك الطبقة الوسطى في بغداد: تجارها الذين بنوا تجارتهم على الغش والتدليس والتزوير والحماقة.

 

وهي، أيضاً، وسيلة الحريري في كشف الغشاء الرقيق للطبقة المتوسطة المتصلة بحكام بغداد وأمرائها في حينه، حين يتخذ من "الفتى المليح" مصيدة لقاضٍ يتصنع الورع، ويحاضر على الناس، صباح مساء، في الفضيلة والعفة، بينما هو غير فاضل وغير عفيف.

ويفتح القارئ الغرّ فاهُ، عجباً، أو حيرة، حين يكتشف في نهاية تلك المقامة، أي المقامة التاسعة والأربعين، أن "الفتى المليح" هو ابن أبي زيد.

أي فن هذا، وأي كاتب ذاك؟

 

أما "المقامة المضِيرية" عند بديع الزمان الهمداني، فهي تختص في فضح الطبقة الوسطى البغدادية، هذه الطبقة الانتهازية، التي لا دين عندها ولا مروءة، وإنما همّها كسب المال فقط، والإقبال على ملذات الدنيا بطرق فاجرة!

يذهب بعض الكتاب العرب، وخصوصا في منطقة الخليج العربي ـ وهي انتقلت الى العراق مع الاسف ـ الى تقليد فج وممجوج، لأردأ نتاجات الكوميديا الأجنبية، خصوصاً منها التي تقوم على المفارقات، وتحقير الإنسان الفقير، أو السخرية من ذوي الحاجات الخاصة، واللعب عليها بطريقة تثير اشمئزاز الإنسان السويّ، ويتركون مقامات الهمداني والحريري، مع أن هذه النصوص هي فن الحاضر، الذي هو مستقبل غير مؤجل.

جمعة اللامي

www.juma-allami.com

juma_allami@yahoo.com




 
الاسم البريد الاكتروني