التغريب التخطيطي والمعماري والفني والإستهلاكي في إمارات الخليج الإسلامي ( الحلقة الخامسة )

د. سعد محمود الجادر

إحياء منهجية التخطيط المعماري الإسلامي:

القسم الأول:

منذ الحروب الصليبية، وعبر الاستعمار الاوربي، ثم الامريكي - الاطلسي، والذي كان من آخر مراحله سرقة فلسطين ومحق الصومال وضرب البوسنة، والذي وصل الان الى غزو افغانستان والعراق وليبيا، إضافة الى تقسيم السودان...؛  تتواصل منهجية تنفيذ مخططات التآمر الغربي ضد عالم وثقافة المسلمين: لتخريب ديارهم، ابادة سكانهم، نهب ثرواتهم، وتنميط مجتمعاتهم بطابع الحياة والثقافة الغربي، القائم على العلم والمادة والانانية الفردية.

لقد ضرب التغريب عالم المسلمين في مختلف المجالات، وبدرجات متفاوتة: فما نال ماليزيا واندونيسيا من التغريب ليس مثل ماحصل في باكستان وتركيا وبلاد المغرب، ويختلف عما يحدث في امارات الخليج الاسلامي:

- جغرافياً: بتجزأة العالمين العربي والاسلامي الى عشرات البلدان غير المنسجمة / أو التي يعادي بعضها البعض الاخر، والتي يتعذر عليها التطور منفردة، مما جعلها تدور في فلك التخلف والتبعية والاستغلال .

- سياسيًا: باصطفاء النخب الاستعمارية الغربية لمجموعات من الطغم الحاكمة التافهة والمريضة نفسيا ممن لديهم الإستعداد للعمالة والإستبداد، وبناء دولهم الامنية التي تُكرِّسْ للسيطرة السياسية الغربية الشاملة، وتواصلها. مثل صدام حسين الذي رفعوه بالتكوين والقوة والاسناد العسكري، كما في التصفيق والاغاني والقصائد والنُصُب والتماثيل واللوحات الجدارية، وبألقاب الأديب والشاعر والدكتور والقائد الضرورة... كل ذلك والكثير غيره لكي يعيث في الأرض فسادا وحروبا وإبادة وخرابا، فحرم العراقيين من وطنهم وأهلهم وحقوقهم وحريتهم وكرامتهم.
وقد طبَّقت النخب الاستعمارية، ولا تزال، اسلوب عمل شركات مقاولات البناء الغربية في تنفيذ عقودها في المستعمرات العربية، وذلك باسناد جوانب من العَقْد الى شركات محلية تقوم بالتنفيذ، بينما تحصد شركة المقاولات الغربية جل الارباح باقل الجهود، وبنفس هذا النموذج أسست النخب الغربية، ولا تزال، استعمارا داخليا يقوم من الباطن مقام استعمارها الخارجي . 

- اقتصادياً: بنهب كل مايمكن، وبِرَهْن ثروات العرب والمسلمين المادية وطاقاتهم البشرية لمصلحة النخب الغربية، وبفرض التبعية الاقتصادية ونمط الاستهلاك القائم على أساس استيراد منتجات الغرب  أي بسيطرة النخب الغربية على الثروات الطبيعية والطاقات البشرية والأسواق المحلية والمواقع الإستراتيجية للمستعمرات .

- اجتماعياً: بتمزيق وتفكيك النسيج التقليدي الاجتماعي، واختراق نظم المثمنات الاخلاقية بحجج كاذبة وواهية مثل تحرير المرأة من عبودية الاسلام! .

- ثقافياً : بضرب المقدَّسات الاسلامية: هجرة الاسلام، وإلغاء المرجعية القرآنية وصحيح السنة النبوية والمعرفة بالثقافة الاسلامية وبُناتها؛ إضافة الى تحجيم الشريعة الاسلامية وفرض القوانين الغربية، والنيل من الرابطة الاجتماعية - الثقافية - الدينية التي تؤلف بين المسلمين وجميع المكونات الاخرى ممن يتساكن ويتشارك معهم في صناعة ثقافة المسلمين، وكذلك تفريغ ثقافة المسلمين من مضامينها الاصلية والاصيلة، ومن هويتها التاريخية، واختراق الأنماط التربوية والتعليمية، وإضعاف اللغة العربية وإشاعة اللغتين الإنجليزية والفرنسية في مجتمعات العرب والمسلمين. إضافة الى نهب وتدمير التراث المعماري والفني،
اي بتفريغ العالم الاسلامي من هويته وثقافته المتميزة لطبعه بثقافة ومناهج وتعليم الغرب فكراً وسلوكاً .

- معمارياً : بهجرة الطراز التخطيطي - المعماري الاسلامي الفريد، ونشر أنماط الطابع الغربي للعمارة، والذي لايتلائم مع الظروف البيئية والاجتماعية المحلية، ويستنزف جل ميزانيات تمويل التنمية .

- فنياً : باختراق فرادة الصورة الفنية الاسلامية وإحلال فنون الحداثة الغربية العبثية مكانها .

- واستراتيجياً : إذْ تحقِّق أدوات التغريب المتقدمة تكريس تخلُّف المسلمين، وتمزيق وحدتهم، وإشاعة الفوضى في ديارهم، والمتاهة في أجيالهم، وتوسيع وتعميق سياسة : فرق تسد على جميع الاصعدة، ومنع المسلمين من إحياء الثقافة الإسلامية ومن الاستفادة من الجوانب النيِّرة من ثقافة الغرب: من منجزات علمية تقنية، صناعية، زراعية، تعليمية، صحية، إدارية، وغيرها الكثير، وذلك لإعاقة نهضة المسلمين لتحرير أوطانهم واسترجاع حقوقهم في استغلال مواردهم وكرامتهم وإسعاد شعوبهم، حيث يدعو مُنَظّروا وساسة الغرب الى احتواء ثقافات الآخرين، فظهرت أفكار عنصرية متعصبة ضد الانسان وحضارته على الكوكب: فبينما وضع فرانسيس فوكوياما نهاية للتاريخ بانتصار الرأسمالية، وقدّم برنارد لويس خارطته لإعادة تفتيت العالم الإسلامي الى 88 دولة عوضا عن 57 القائمة حاليا؛ فقد دعى صموئيل هنتنغتون الى صِدام الثقافات بغية الهيمنة الغربية على الجميع لتنفيذ هذا الحلم الطفولي والواهي والشنيع، وهي مؤلفات عنصرية لمشاريع إجرامية بحق الانسان، خاصة وان الادارات الامريكية تعمل بها كمنهاج استراتيجي للمستقبل: فمن هذه المباديء الإستئصالية انطلقت الهجمة الغربية البربرية ضد عالم الإسلام والإسلام وثقافة المسلمين بمحق فلسطين ولبنان والصومال والبوسنة وأفغانستان وباكستان والعراق والسودان... ومؤخرا ليبيا، التي ظهر من خلال تحويلها الى أنقاض، الواقع الحقيقي لديموقراطية الغرب بأنه الإصرار على سياسة استعمار البلدان الغنية بمواردها والضعيفة بقدراتها العسكرية وتخريبها وإبادة سكانها ونهب ثرواتها.
وبالمقابل يتحدث الاعلام الارهابي الاستعماري عن " التحضر الغربي "، و " الارهاب الاسلامي "، و " مساعدة شعوب العالم الثالث "، " والدفاع عن المدنيين "، و" نشر الحرية والديموقراطية "، و" حقوق الانسان "... وكل هذا بالتأكيد تجارة استعمارية ظالمة، ولكنهاعظيمة الأرباح خاصة لحكومات المال والبنوك، للنخب الإستعمارية وليس لشعوب العالم.

وهو مايُظهِر ويعكس ويوضح البون الشاسع بين الإستعمار وبين فرادة الإسلام الذي يقوم عضويا على أساس وحدة الغيب والواقع، الإيمان والحكمة، والعقل والعلم

*... الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون "؛

* وابتغ فيما اتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله اليك ولا تبغ الفساد في الأرض ان الله لايحب المفسدين "؛

* يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ..."؛

*" إقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. إقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان مالم يعلم..."؛

*" وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتمم في كتاب الله الى

* يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لاتعلمون "؛

*"... قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون..."؛

* " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات... "؛-

* " يامعشر الجن والانس ان استطعتم ان تنفذوا من اقطار السماوات والارض فانفذوا لاتنفذون الا بسلطان "؛

* " التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين ".

وفي الحديث:

* " اطلبوا العلم ولو بالصين "؛

* " طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة "؛

* " لاينبغي للجاهل أن يسكت على جهله ولا للعالم أن يسكت على علمه ".

ومن هذه المباديء السامية، وغيرها، تشكَّلت بيئة الأمة التي أفرزت هويتها وشخصيتها التي شُيدت بموجبها ثقافة المسلمين عبر عمل وتجارب وتراكم الأجيال بإعادة صناعتها وتجديد صياغتها ضمن إطار مبادئها الرئيسية وذاكرتها التاريخية، ومن هذا المنطلق كان بناة الثقافة الإسلامية فقهاء متنورون الى جانب اختصاصاتهم ومواضيع عطائهم، إذ ان ماكان يهديهم ويحفزهم على الإبتكار وتواصل العطاء هي الفكرة / الصورة التي جاء بها الإسلام، وهذه الفكرة / الصورة هي قاعدة وأساس وحافز التطور في كل ثقافة عبر التاريخ الإنساني تبعا لمعتقدات مختلف الأقوام والشعوب والأمم .

" المعرفة قوّة " كما قال كارل ماركس، والمعارف متنوعة ومفتوحة تفرزها مختلف هويات وثقافات الشعوب على ضوء تجاربها وخبراتها وفرادة معتقداتها في الخالق والخلق والحياة والموت والهدف والمغزى والمرمى، وكل هوية قوّة وزاد لأصحابها وللآخرين: فالناس أجناس وجنسيات مختلفة، ولكن البشر واحد. لذلك فان بناء المجتمع المعاصر لايعني فرض التغريب بالقوة على مجتمعات العالم، ومنه الإسلامي، بل يمر من خلال إعادة صياغة الفكرة / الهوية / الصورة / المنهج / العقل المعرفي - النقدي الإسلامي الذي صنع ثقافة المسلمين، وذلك على أساس بناء مؤسسات عصرية تستنهض وعي الأمة و تُقوِّي صيرورة الإدراك في مجتمعات المسلمين من خلال إقامة نظام مستقل وديموقراطي وعادل قادر على التخطيط والتنفيذ والإدارة والمتابعة والمحاسبة والتجريب والتطوير المستدام والتراكم والتجديد والإبداع والإبتكار .

علما بان النظام الرأسمالي المالي الربوي في الغرب خلَّف في عقر داره واقعا خطيرا نتيجة الازمات الدورية، حتى وصل الى طريق مسدود خلفته اشاعة الازمة الراسمالية، في السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة والفنون، خاصة في أوربا والولايات المتحدة، مما يسارع في تآكل المنجزات الديموقراطية، وتدمير الطبقة الوسطى: أساس ومقياس ازدهار المجتمع، وتفتيتها الى أكثرية تهبط الى قاع مستودع الفقراء، وأقلية تصعد الى مصاف النخب العنصرية العالمية التي تحتكر وتسيطر على المال والاعلام والنفط والقوة .

وتظهر آثار ذلك جليَّة من خلال نزول الجماهير في مختلف أنحاء العالم الى الشوارع على شكل انتفاضات كما في العالم العربي، واحتجاجات كما في عواصم وحواضر ومدن كثيرة في أوربا والولايات المتحدة، مصحوبة بهبّات عنف وشغب ونهب، كما حصل في لندن ومدن بريطانية أخرى في شهر أغسطس 2011. والكل يرفض إرهاب الرأسمالية الوحشية ويطالب بالحرية والعدالة والكرامة. وبهذا الصدد تخصص جريدة Morning Star اللندنية ومنذ شهور صفحتين بإسم Struggle on the streets تستعرض احتجاجات شعوب العالم ضد الظلم الرأسمالي .

ولان المُتَجَبِّر الغربي القوي فاقد للحكمة، فانه أصبح كالاعشى، بل كالأعمى، الذي لايرى ولا يعي بان استمراره في الغطرسة والاستكبار العولمي الارهابي البربري الذي يواصل استنزاف البيئة وشن الحروب التي يقوم على أساسها الاقتصاد الامريكي - الأطلسي، قد يؤدي الى تحويل الارض وما عليها من إنسان وحضارة الى جثة هامدة حتى حين لايعلمه إلا الله.

تقف البشرية الان أمام مشروعين عالميين أساسيين:

الاول، عدواني وعنصري وشرِّير بقيادة الصهيونية - الامريكية - الاطلسية، الداعي علنا والمطبق عمليا لصراع الثقافات والاستمرار بشن الحروب وتخريب البلدان ونهب مواردها وابادة معظم سكان الارض بتحويل البشر الى قطبين وكتلتين: مليار ذهبي يحكمه قَتَلة وقراصنة ولصوص مرفهون و متنعمون في جانب، وضحايا ميتون في الجانب الآخر؛

والثاني، إنساني وحكيم تمثله بلدان " منظمة شنغهاي للتعاون "، الذي يقوم على أساس حوار وتساكن وتعايش أصحاب جميع الثقافات على أساس المنافع والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل لاختيارات كل منهم لإقامة عالم جديد: عالم التعاون والصداقة بين شعوب العالم أجمع .
إضافة الى نهج الإقتصاد الإشتراكي المخطَّط في سماته العامة الذي يرعى مصالح الغالبية العظمى من شعوب العالم. وذلك على الضد من النظام الرأسمالي الإحتكاري المالي الربوي الذي يُراكِم الأرباح الخيالية لمصلحة النخب الغربية، وبلا توقف.

ومن هذا المنطلق، وبالنسبة للمسلمين، فانه لابد من العودة الى الأصل بربط ماانقطع في القرن التاسع عشر بفعل الاختراق والتدمير الاستعماري لعالم المسلمين. وذلك من خلال دراسة شاملة وعميقة وتحليلية لنظم التفكير الاسلامية والرؤية الروحية - البيئية - التخطيطية - المعمارية - الفنية - الجمالية التي أقامها وقدمها بناة الثقافة الاسلامية، إضافة الى الاستفادة من التراث الإنساني العالمي ومن التجارب الحديثة والمعاصرة لجميع الثقافات الاخرى، ومنها الغربية . إذ لاحرية ولا نهضة ولا كرامة ولا مستقبل مشرِّف ولا رفاه ياتي من خارج تراث الامة: لا من التغريب ولا من غيره من الثقافات؛ بل فقط، وفقط، من داخل تراث المسلمين، فالحداثة والعَصْرَنة تنجم من تواصل التراث عبر بعث الحي من مكوناته والفعّال من تجاربه؛ والانفتاح الموضوعي على الآخر والجديد من مبتكرات ومنجزات وتجارب الانسان أينما كان، أي الانتقال من مشهد وأفق ماضي الى مشهد وأفق معاصر .

و للتخطيط المعماري أهمية عظيمة في هذا المجال، فشبكة الإستيطان مركز ومستودع ومِصْهَر تجارب أجيال ساكنيها وعلاقاتهم البيئية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والمدينة هي محرك السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة، لذلك فان المدينة هي الحاضن للتجارب الانسانية التي لاتثمر وتزدهر بدون وجود بيئة عمرانية متكاملة ومدروسة علميا من شانها توفير جميع الوظائف اللازمة لسد احتياجات ساكنيها في العمل المنتج والسكن والحركة والراحة والثقافة والفن والجمال .

مدن مُنَظَّمَة وليست مبعثرة: لاتستقطب الاغنياء في أحياء مرفهة، وتترك مناطق لايتوفر فيها المستوى المطلوب من الخدمات والمرافق العامة. مدن تساعد الانسان على التفتح والتطور والابداع والابتكار.

وذلك على عكس جُل مدن العرب والمسلمين المعاصرة التي تعاني مبانيها من ارتفاع نسب الإهلاك، واختلال الكثافات السكانية والإسكانية، ومشاكل التلوث والازدحام، وقبح وبشاعة مشاهدها الافقية، إضافة الى ضعف مستوى ومكونات شبكة الخدمات والمرافق العامة: الاسكان، والمؤسسات التعليمية، والخدمات الصحية، والمتنزهات والمناطق المكشوفة، والمواقع السياحية، وقنوات مياه الشرب والمجاري والصرف الصحي وأنظمة جمع القمامة، وشبكة المواصلات والغاز والكهرباء. الى جانب ضعف الأجهزة والهياكل الادارية التنظيمية والتنفيذية والفنية المسؤولة، ( أنظر: د. سعد الجادر، المدينة والمشهد السكاني في العالم الثالث، دراسات عربية، العدد 5 ، السنة السابعة عشرة، بيروت، مارس 1981، ص. 3 - 31 ).

كما تغزو العشوائيات العواصم والحواضر كامتداد للتجمعات القروية والريفية التي تربض على جسد المدينة وتنفث أمراضها فيه بالتدريج، وقد وصل الأمر بعواصم كالقاهرة تَحَوّل مقابرها إلى عشوائيات، وهناك العشوائيات التي تخلِّفها الحروب المستمرة، كما في فلسطين منذ 1947، وفي العراق منذ 1963، وفي أفغانستان منذ 1979، وفي الصومال منذ 1991... حيث تحولت مناطق كبيرة من عواصم وحواضر هذه البلدان الى عشوائيات تعيش أجيالها في ظروف محرومة وقاسية ولاإنسانية منذ عشرات السنين وليس هناك منظورا واضحا للمستقبل، بينما تزداد أوضاع المدن وسكانها تدهورا وتخريبا وفوضى وعشوائيات .

لقد كانت الهجرة من القرى والأرياف للعمل والسكن في المدن، وخاصة العواصم والحواضر، ولا تزال، مصحوبة بما يحمله المهاجرون عضويا من عادات وأعراف وطرق تفكير منفصمة عن القوانين والقيم الحضرية وعن تكاليف ومستويات المعيشة والثقافة والتعليم وما ينجم عن ذلك من تعاظم الفوارق بين المدن والقرى عامة، ومزاحمة سكان المدن خاصة، وحصول خلل وفوضى وتردي وتعقيدات خطيرة في تركيب واستقرار وتوازن شبكة البلاد الإستيطانية ديموغرافيا وسياسيا واقتصاديا، وبالذات زراعيا، واجتماعيا وثقافيا وخدميا وسكنيا، ومن نتائج الهجرة الفوضوية هذه استحداث مواقع للسكن العشوائي: أولا على شكل تجمعات سكنية كبيرة، بعضها مليونية، رثّة ومحرومة من الخدمات والمرافق العامة. وثانيا، انتشار الأكواخ والصرائف فرادى ومجموعات بين ثنايا نسيج المدن وأحيائها السكنية ( أنظر: إبراهيم الحيدري، البداوة المقنعة، الحوار المتمدن - العدد: 6153 - 1102/10/14 ).

كما حوَّلت الدول العربية العميلة عواصم بلداننا من مدن متوازنة جغرافيا واقتصاديا الى مراكز سياسية تهمِّش باقي مكونات شبكة الاستيطان وسكانها وتخِلُّ أيَّما إخلال بتراتبيتها الوظيفية. وانصبَّ الاهتمام على تنمية العواصم مما جعلها مراكز لاستقطاب الهجرة. وأصبحت شبكة الاستيطان في بلاد العرب تعاني من أمراض ليست مزمنة فحسب، بل في تدهور مستمر. وفُقِدَت العلاقة بين عدد السكان وفرص العمل المتاحة، وبين المليء والفارغ داخل نسيج المدينة، وزيادة المسافات بين موقع وآخر، وضعف التواصل الاجتماعي؛ وبين مقياس الانسان وعلو المباني، وبين صحة المجتمع وتلوث البيئة، الخ... كما أدى التوسع الفوضوي والمُنْفَلت عن الضوابط التخطيطية للعواصم والحواضر الرئيسة الى زحف البناء والصحاري على الاراضي الزراعية، مما يُفاقم حدّة الإختلال الخطير بين واقِعَيْ المدن والقرى.

ويجري كل هذا في ظروف عدم وجود استراتيجية علمية للموازنة بين التنمية والعمران، وعدم وجود / أو فاعلية المخططات العمرانية العامة. وهذا على الضد من شبكة الاستيطان في الغرب، التي وإن تعاني من بعض مثالب ومشاكل مثيلاتها العربية، كما هو الحال بالنسبة للمواصلات والتلوث مثلا، الا انها تخضع لانظمة تخطيطية وإدارية رائدة تقود عملية تطوير شبكة الاستيطان بموازاة التحسين المستمر لمخططاتها العمرانية العامة.

وهكذا يتعمق انهيار السياق التاريخي لتواصل تطوّر شبكة الاستيطان في العالمين العربي والاسلامي: تخطيطا ووظيفة وفائدة وصورة بصرية، فينتقل التشويه المعاصر من وظيفية وجمالية المدينة العربية التقليدية الى ثقافة الفوضى وانفلات وقبح البناء الحديث .

لقد توصلت التجربة الانسانية في تنظيم وادارة المدن الى ذُرى راقية تحترم المخططات العمرانية العامة، وتسترشد بها كدستور للتخطيط والتنفيذ والمتابعة والتطوير المستدام في انشاء وتعمير المدن وشبكة الاستيطان، إذ يحدِّد المخطَّط العمراني العام الوظائف التي تنشأ وتقوم على اساسها المدينة، ويضبط معايير وعلاقات مناطقها: الصناعية والزراعية والادارية والخدمية والسياحية، وما ينجم عن هذه الوظائف من إسكان ومرافق ومواصلات ومناطق عامة واخرى خضراء وغيرها مما يحتاجه السكان، كما يحدِّد المخطط العمراني العام استراتيجية المدينة واتجاهات ومراحل تطورها المستقبلي .

وقد عني المسلمون بتشييد شبكات استيطانية ومدن متميزة في وظائفها وجمالياتها نُثِرَتْ كالجواهر على أراضي العالم الإسلامي وقامت على أساس مراعاة الظروف البيئية - المناخية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمجتمعات المسلمين الذين خلفوا منظومة الاستيطان الاسلامية الممتدة من إشبيلية في أوربا الي كاشغر في الصين. وهي شبكة عضوية في وظائفها وتنظيمها وهرمية تراتبيتها، وكذلك باحترام المقياس الإنساني، وبلمِّ البيت والمؤسسة حول فناءات مكشوفة، كما في الشرق الاوسط، أو مكشوفة / مغلقة كما في الاندلس. وقد أفرزت وظيفية المدينة الاسلامية الصورة الفنية البصرية الافقية الفريدة لمنظر المدن الاسلامية التقليدية: سطوح مستوية / متدرجة تهيمن عليها قباب ومنائر المساجد والجوامع غالبا، مع الاديرة والكنائس والمعابد أحيانا.

كما ترك المسلمون تراثا فكريا منهجيا ومجرَّبا على مدى مئات السنين في التخطيط المعماري، اهتدى ببوصلته بناة شبكة الاستيطان في العالم الاسلامي، يقوم على أسس واضحة وراسخة في أحكام العمران والبنيان والتنظيم والتنفيذ والمتابعة والتطوير؛ وفي مقدمتها قاعدة حديث: " لاضرر ولا ضرار ": العبارة القصيرة والمختصرة والبليغة والحكيمة والسهلة الممتنعة والواسعة الشاملة في معناها الموجز وخيرها العميم، الذي يضمن مصالح الناس ويصون حقوقهم، ومن ذلك حقوق وواجبات الجيرة في أحكام البناء: إذ لايجوز لأحد أن يضر نفسه أو يلحق الضرر بغيره .

وجاءت أحكام البنيان نتيجة لمتطلبات مجتمعاتها وظروف زمانها، ومن ذلك انها كانت تهدف الى تحقيق نوع من المساواة كالخصوصية داخل المسكن: فبينما تتجاور وتتشابه الواجهات الخارجية للمنازل وتمتعها بمشربيات تصون خصوصية العائلة وتسمح لإناثها بالإستمتاع بما يجري في الزنقة والشارع دون افتضاح سترهنّ؛ فان للغني فناء / أفنية خضراء وأشجار مثمرة ومتسلقات الورود والأزهار ونوافير جميلة وزوايا مظلَّلة للجلوس .

وإلى جانب أحكام البنيان المنثورة في مؤلفات كثيرة، فقد سلم عن التراث الفكري التخطيطي الاسلامي عدد من المخطوطات المتخصصة التي تستعرض المباديء الفقهية التي يقوم عليها العمران الإسلامي؛ منها: ( محمد ابن الرامي " ت 734 / 1334 "، الاعلان باحكام البنيان ).

وعندما شاركتُ في أواسط سبعينات القرن الماضي بتعمير المخطَّط العمراني العام لمدن وادي ميزاب الخمس: غرداية، مليكة، العطف، بني إزغن وبنورة ( التي يمتد تاريخها لأكثر من ألف عام، وهي من أروع المدن الاسلامية التقليدية، وتقع على بعد حوالي 600 كيلومترا الى الجنوب من مدينة الجزائر العاصمة )، فقد شرَّفني أحد شيوخ مجلس العزابة ( الذي يتكون من حوالي12 عضوا يساعدون تطوُّعا في الادارة الذاتية للمدن الاباضية، وضمان الالتزام بالتقاليد الاسلامية كآداب الجوار والتكافل الاجتماعي ) بالإطلاع على مكتبة بني إزْغِنْ العامرة بالمخطوطات . ومنها مصحف شريف مكتوب على الرق؛ ومخطوطة في تخطيط المدن تحكم وترشد عملية البنيان وتطويره في المدن الاباضية الخمس داخل وادي ميزاب، وتلك التي تقع خارجه، وهما مدينتَيْ: القَرارَة وبْرَيّانْ .

ومن الكتب الحديثة المهمة التي تستعرض منهجية المدينة الاسلامية مؤلَّف ( الدكتور محمد عبد الستار عثمان، المدينة الاسلامية، عالم المعرفة، الكويت 1988 )؛ الذي يستند الى عدد كبير من المصادر: مخطوطات، ومؤلفات حديثة ومعاصرة في التخطيط المعماري الاسلامي .

وهناك كتاب ( الدكتور مصطفى أحمد بن حموش، فقه العمران الاسلامي من خلال الارشيف العثماني الجزائري، 956 / 1549 - 1246 / 1830 )؛ الذي قام بجهد كبير في بحثه الاكاديمي، وغني بمصادره ومراجعه؛ و" يميط اللثام عن المباديء التي تقوم عليها المدينة الاسلامية من خلال الأحكام الشرعية مما يميزها عن أي مدينة أخرى عرفتها البشرية، وأوجه ارتباط مختلف أوجه العمران في المدن الاسلامية بالأحكام الشرعية، وهذا الإرتباط هو الذي يعطي العمران الإسلامي خصوصياته، ويبين أنه لايمكن فصله عن العقيدة والشريعة مما يضفي عليه بعداً روحياً لانجده في عصرنا، ويتجلى بوضوح من خلال هذا التداخل بين مسائل العمران والأحكام الشرعية ".

 

www.al-jadir-collect.org.uk
jadir959@yahoo.co.uk

 





 
الاسم البريد الاكتروني