التغريب التخطيطي و المعماري والفني والإستهلاكي في إمارات الخليج الإسلامي (القسم الثاني)

د. سعد محمود الجادر

 إحياء منهجية التخطيط المعماري الإسلامي:

خلال عملي في تخطيط المدن في الفترة بين 1969 - 1981، وضعتُ وشاركتُ في تهيئة مشاريع التخطيط الإقليمي والمخططات العمرانية العامة لمدن أقيمت على أرض فضاء، وأخرى لتعمير مدن ومستوطنات قائمة. كما نشرتُ العشرات من البحوث والمقالات في تخطيط المدن والإسكان في البلدان العربية . وبما ان نظرتي الى مستقبل التخطيط المعماري في العالمين العربي والإسلامي تتوافق مع الإقتراح المتكامل والوظيفي والعضوي والعملي الذي قدّمه الدكتور عبد الباقي ابراهيم، رئيس مركز الدراسات التخطيطية والمعمارية في مصر، ورئيس مجلة عالم البناء، ورئيس قسم العمارة في جامعة عين شمس سابقا، وكبير الخبراء بالأمم المتحدة سابقا؛ في : " ورقة عمل " مما "... يخرج عن مفهوم البحث العلمي أو الفني ليدخل في صلب المواجهة الواقعية للموضوع..... للحفاظ على الخصائص الحضارية للمدينة العربية بين النظرية والتطبيق ". فقد وجدتُ من الأفضل اقتباس فقرات من اقتراحه الذي يدور حول ستة محاور:

1 - المقدمة : "... فالنظرية التخطيطية قد ثبتت أركانها والأسس المعمارية قد تحددت أبعادها، وامتد نطاق الدعوة الجادة الى ضرورة الحفاظ على خصائص المدينة العربية، وشارك غير العرب في هذه الدعوة عندما أيقنوا أن يد التغريب قد أصابت المدينة العربية في الصميم العمراني كما أصابتها في الصميم الاجتماعي والثقافي حتى أصبح الحفاظ على خصائص المدينة العربية أمرا يصعب تحقيقه إلا في أضيق الحدود . والمشكلة هنا لم تصبح ضمورا في الفكر أو قصورا في النظرية أو عجزا في الإمكانيات ولكنها أصبحت مشكلة ثقافية أو حضارية في المقام الأول . فالمدينة على مر العصور كانت إفرازا للقيم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع، وعندما تتغير هذه القيم تتغير صورة المدينة وتشهد على ذلك كل مدينة عربية تحاول أن تحافظ على تراثها القديم بعد عجزها عن الاستمرارية به في تراثها المعاصر. فالدعوة الى تأكيد الطابع المعماري للمدينة العربية المعاصرة لم يتعد نطاقها في كثير من المدن العربية حدود الكلمات ولم يتم حتى الان نقل هذه الكلمات الى لوائح أو قرارات تنفيذية سواء في نطاق العملية التعليمية للمعماريين والمخططين أو في إطار لوائح وتراخيص البناء والتشييد أو في محتوى التأليف والنشر المعماري والتخطيطي أو في الهياكل التنظيمية لإدارات المدن، الأمر الذي يحتاج إلى دفعات فعّالة من أصحاب القرار في التعليم المعماري ومن أصحاب القرار في إصدار اللوائح والقرارات ومن أصحاب القرار في مجال التأليف والنشر ومن أصحاب القرار في إدارة المدن، وذلك لتنفيذ القرارات والتوصيات التي صدرت أو تصدر عن الندوات والمؤتمرات والتي تسعى جميعها إلى الحفاظ على الخصائص الحضارية للمدينة العربية بكل الأساليب العلمية والفنية.

2 "- الحفاظ على الخصائص الحضارية للمدينة العربية من خلال التعليم المعماري والتخطيطي : " لقد أجمع المفكرون على أن التعليم المعماري في الدول العربية قد تأثر كثيرا بالفكر المعماري الغربي سواء بطريق مباشر أو غير مباشر من خلال الأساتذة الذين يكملون دراساتهم بالخارج للحصول على درجات أعلى كالماجستير أو الدكتوراه أو من خلال الكتاب والمجلة التي تنقل الفكر المعماري الغربي مباشرة للمتلقي العربي، هذا مع العلم بأن الفكر المعماري الغربي لاينتقل من الغرب إلى الشرق منفصلا عن القيم الحضارية الأخرى بل ينتقل معها متغلغلا بذلك في وجدان إنسان المدينة العربية... في عاداته وتقاليده وسلوكياته، في مأكله ومشربه، في زيه وأسلوب حياته حتى أصبحت اللغة الأجنبية هي لغة التعبير المعماري والتخطيطي عند الأساتذة والدارسين. "" ... وبقى المعماريون العرب متلقون لكل مايقدمه لهم الغرب من فكر، ففقدوا بذلك ثرائهم وتراثهم. فالدعوة هنا للأصالة هي دعوة للتقدم وليست دعوة للتخلف، هكذا يراها الغربيون أيضا . إن إدخال موضوع الحفاظ على الخصائص الحضارية للمدينة العربية في المناهج المعمارية والتخطيطية لا يقتصر على مادة تاريخ النظرية المعمارية للمدينة العربية بل يتعداه الى مادة النظرية المعمارية نفسها بعيدا عن النظريات الغربية التي لاتزال تتغلغل في المناهج المعمارية بالرغم من عدم جدواها التطبيقي في المشروعات المعمارية، كما تغطي المناهج أيضا مواد إنشاء المباني المرتبطة بالبيئة المحلية من ناحية وبالمشاركة الشعبية من ناحية أخرى، فالتركيزهنا على مادة عمارة العامة أكثر منه على عمارة الخاصة .""... وتمتد المناهج التعليمية لتغطي أيضا مادة التنمية العمرانية في المجتمعات العربية ومادة تكنولوجيا البناء المتوافقة مع المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية ومادة البحث في العمارة المحلية مع مادة نظم ولوائح البناء ومادة إدارة المدينة ومادة الثقافة المعمارية التي تعالج العمارة في الإطار الثقافي المتكامل للمجتمع من فنون وآداب واجتماع، ضف إلى ذلك مادة التشكيل المرئي المرتبطة بالموروث من التشكيلات الفنية والعمارة ثم مادة اقتصاديات البناء ومادة الإرتقاء بالبيئة العمرانية في الريف والحضر، ومادة الحفاظ على المباني التراثية وثائقيا ومعماريا..

3 - الحفاظ على الخصائص الحضارية للمدينة العربية من خلال حركة التأليف والنشر المعماري والتخطيطي : "...تعتبر حركة التأليف والنشر المعماري والتخطيطي هي الحركة لعملية التطوير العلمي لمناهج التعليم المعماري والتخطيطي وحتى يكون للفكر العربي والاسلامي في هذا المجال مراجعه العلمية الموثقة وحتى يزيد المخزون التشكيلي عند المعماريين العرب ويقل تدريجيا الاعتماد على المراجع الأجنبية إلا بما يرتبط بالجوانب التقنية . هذا هو الوقت الذي تعاني فيه المكتبة العربية ضمورا كبيرا في مجال التأليف والنشر سواء في الإتجاه النظري أو الإتجاه التطبيقي . وإذا كان هناك عدد من مراكز البحوث في الإسكان والبناء والتخطيط إلا أن نتاج هذه المراكز لايزال حبيس الأدراج لم يجد طريقه إلى قاعات الدرس والتصميم والتخطيط، كما لم يجد طريقه إلى ماينفذ من مشروعات عمرانية على المستويين الرسمي أو الخاص، وأصبح البحث عن الطريق إلى الدكتوراه أهم من البحث عن الطريق للارتقاء بالبيئة العمرانية للمدينة العربية بالفكر واللوائح ودلائل الأعمال والتدريب والتجارب . فهبط بذلك المستوى العلمي للمعماريين العرب الذين يلجأون غالبا إلى المراجع الأجنبية ليستقوا منها مافيها من علم لاينفع البيئات الإسلامية والعربية بل يزيد من مساحة الغزو الثقافي لها . "" ... إن تحقيق الحفاظ على الشخصية الحضارية للمدينة العربية يتطلب قيام أحد المؤسسات العلمية العربية باحتضان هذا المجال من مجالات التأليف والنشر المعماري والتخطيطي وتدعو إليها من لديه القدرة على العطاء وتوفر له كل الإمكانيات المادية والأدبية لإخراج أمهات الكتب للمعماريين والمخططين العرب. وبدون ذلك تبقى الحالة كما هي عليه وتفقد المدينة العربية شخصيتها الحضارية. "

4 - الحفاظ على الخصائص الحضارية للمدينة العربية من خلال دلائل الأعمال: "... ويمكن إعداد دلائل الأعمال من المفردات المعمارية التي تظهر من واقع التجارب المعمارية المتميزة التي يسعى أصحابها لإضفاء طابع معماري خاص في مكان خاص ولمجتمع خاص . وهنا يمكن الإستفادة من البحوث والدراسات التي تقدم في هذا المجال . فليس المهم أن يقدم الباحث بحثا علميا أكاديميا، ولكن الأهم أن يتوخى البحث الواقعية في تنفيذ أفكاره ومرئياته . وليس المهم أن يقدم المعماري تجاربه وخبراته في هذا المجال، ولكن الأهم أن يوضح مدى إمكانية تطبيق هذه التجارب في المستويات المختلفة للإسكان أو المباني العامة بصورة واقعية بعيدا عن العاطفة أو الرومانسية . فجدية البحث هنا لاتقتصر على إظهار الإمكانيات الشخصية للباحث في العمل ولكن أيضا على إمكانية تحقيق المجتمع للنتائج التي يتوصل اليها . فالبحث هنا ليس عملا فرديا بقدر ماهو هدف إجتماعي. "" ... لقد لجأت بعض المدن في الدول الغربية التي تتميز بطابع معماري خاص إلى إصدار دلائل عمل خاصة بالطابع المعماري فيها يلتزم به المعماريون المصممون ومهندسي التراخيص . وتوضح هذه الدلائل المفردات المعمارية ومواد البناء وأساليب المعالجات الخارجية مع توفير الحرية الكاملة للإبداع في التصميم - وهذه صيغة من صيغ التوسطية التي يدعو إليها الإسلام - فلا حرية مطلقة ولا قيود مطلقة.. ولكن حرية في إطار القيود التي يحددها القرآن والسنة المحمدية أو ترضى عنها جماعة المسلمين . والعمارة كغيرها من جوانب الحياة الأخرى تخضع إلى القاعدة التوسطية كما تخضع إلى قاعدة لاضرر ولا ضرار. وهنا قد تظهر صيغة جديدة لعمارة المسلمين تجمع بين الفردية والجماعية: وهي أن العمارة من الداخل ملك للفرد ومن الخارج ملك للمجتمع . من هذا المنطلق يتوجه الفكر المعماري في التصميم الأمر الذي يمكن إيضاحه في دلائل الأعمال المعمارية والتخطيطية وإلا يصعب تحقيق الهدف من الحفاظ على الشخصية الحضارية للمدينة العربية. والحفاظ هنا ليس بمفهوم المحافظة أو التقيد بنصوص العمارة التاريخية ولكنه بمعنى الحفاظ على القيم الحضارية المستخلصة منها في ضوء المتغيرات الإقتصادية والإجتماعية والتكنولوجية.. ويعني ذلك الإستمرارية والتقدمية. وتوضح دلائل الأعمال المعمارية والتخطيطية الكيفية العملية للتعبير عن هذه القيم .

" 5 - الحفاظ على الخصائص الحضارية للمدينة العربية من خلال تبادل الخبرات والمعارض الدورية : " ...كثيرا مايتحدث المعماريون العرب عن الأصالة والمعاصرة.. وعن الطابع والشخصية في كلمات نظرية فضفاضة دون أن يكون لها مضمون عملي يبرز من واقع التجربة والإنتاج المعماري والتخطيطي . واذا كان هناك قلة قليلة من المعماريين العرب ممن التزموا بالمنهج الإسلامي أو المحلي في العمارة، ولهم في ذلك تجاربهم ومشروعاتهم فلا أقل من إجتماعهم لتقدير أعمالهم بالكلمة والصورة .. في ندوة مصحوبة بمعرض معماري يتنقل بين المدن العربية يزوره المعماريون والمواطنون معا .. حتى يلتقي الفكر المعماري بالفكر الإجتماعي . فالتوعية هنا لاتوجه للمعماريين والمخططين بقدر ماتوجه الى المجتمع إذا اعتبرنا أن العمارة هي إفراز إجتماعي في المقام الأول .

" 6 - الحفاظ على الخصائص الحضارية للمدينة العربية من خلال اللوائح والتشريعات: " ... مع كل ماينتج عن تطور العملية التعليمية في العمارة والتخطيط العمراني ومع كل مايقدم من فكر في التأليف والنشر ومع كل مايظهر من دلائل للأعمال المعمارية والتخطيطية ومع كل مايعرض من إنتاج معماري أو تخطيطي . يبقى التنفيذ معلقا باللوائح والتشريعات التي توضع لوضع كل ذلك في حيز التنفيذ، وهنا يكمن الدور السياسي والثقافي لمتخذي القرار ليس من المعماريين أو المخططين ولكن في الأجهزة والمجالس المحلية، فقد اتخذت بعض المجالس المحلية في مدينتين ( الإسماعيلية وأسوان ) في جمهورية مصر العربية قرارا بعدم منح تراخيص للبناء إلا إذا التزم التصميم بالطابع المعماري المحدد لكل مدينة . وكانت البداية لوضع الأسس الفنية لتحديد هذا الطابع . وذلك بعد قناعة أعضاء المجالس المحلية بأن الطابع ليس مجرد إتجاه ثقافي أو جمالي ولكن له مردوره الاقتصادي في الجذب السياحي كما له مردود إجتماعي في التزام المجتمع بالقيم العامة التي تجمعه وتؤكد شخصيته واعتزازه وانتمائه بالبيئة التي يقيم فيها . إن التشريعات العمرانية لاتصدر إلا إذا صحبتها اللوائح التنفيذية سواء في قوانين التخطيط العمراني أو قوانين المباني - الأمر الذي يتطلب مراجعة من أصحاب البحوث والدراسات عن مدى ملاءمة التشريعات العمرانية والمعمارية القائمة في تأكيد الشخصية الحضارية للمدينة العربية خاصة وأن معظم هذه التشريعات وضعت مستقاة من التشريعات التي وضعت للمدن الغربية والتي تختلف عن المدن العربية بيئيا واقتصاديا واجتماعيا . وأول هذه التشريعات مايرتبط بنظرية المجاورة السكنية وطبيعتها الإسلامية في وحدة الجوار. وثاني هذه التشريعات مايرتبط بتقسيم الأراضي ونظم البناء بما يساعد على توجيه المباني إلى الداخل أكثر منه للخارج.. ويسوى بين الإرتفاعات ويفاضل بين المساحات تبعا للإمكانيات الإقتصادية للفرد وذلك بهدف عدم التطاول في البنيان لمن لديه القدرة المالية ومواجهة ذلك بالبناء على مسطح أكبر لقطع الأراضي مع الإلتزام بالتجانس في الإرتفاع . وهذه هي الصبغة التي تميزت بها المدينة الإسلامية . ويمكن أن تتوحد التشريعات العمرانية التي تحافظ على الخصائص الحضارية للمدينة العربية لتطبق على كافة المدن العربية بحيث يكون الاختلاف المرتبط بكل مدينة في اللوائح التنفيذية لهذه التشريعات. فهناك وحدة التشريع مع اختلاف أساليب التنفيذ، الأمر الذي يربط بين الخصائص الحضارية للمدينة العربية ويمد بين بعضها البعض في التفاصيل التخطيطية والتصميمية.

" 7 - الحفاظ على الخصائص الحضارية للمدينة العربية من خلال إنشاء هيئات لتطوير المناطق الأثرية : "... تحتاج اللوائح والتشريعات التي تنظم المدينة العربية بحيث تحافظ على خصائصها الحضارية الى الأجهزة القادرة على تنفيذها ومراقبتها ومتابعتها وتقويمها بين الحين والآخر وهذا ماتفتقر إليه المدن العربية . إن إصدار الكتب والمجلات وإعداد دلائل الأعمال وتطوير العملية التعليمية لابد وأن يكون لها صداها على المستوى التنفيذي في نطاق الهياكل التنظيمية لهذه الأجهزة الأمر الذي يتطلب برامج خاصة بتدريب الكوادر المختلفة والإرتقاء بها لمواجهة هذه المتطلبات الحضارية. فقد تعرضت المدينة العربية إلى العديد من البحوث والدراسات من قبل المكاتب الإستشارية الغربية، ولم تترك فيها الأجهزة القادرة على تحقيق نتائج هذه البحوث وهذه الدراسات والإستمرار بها وتقويمها بين الحين والآخر وذلك حتى يكون للفكر الغربي اليد العليا دائما في تقديم المعونة والإستشارات الفنية للدول النامية . وإذا صح هذا الإتجاه بصفة عامة لتطوير إدارات المدن العربية فإنه من الأجدى أن يطبق على تنمية المناطق الأثرية فيها والمحافظة على آثارها القديمة التي تعد ثروة حضارية كما هي ثروة إقتصادية وثقافية في نفس الوقت. ""... إن النظرية الفكرية تفقد مضمونها إذا لم تتحول إلى اسلوب للعمل التنفيذي الذي يستطيع أن يحقق أهدافها. إن الدراسة تفقد صلاحيتها إذا لم تتطرق إلى البعد العملي أو التنفيذي الذي يحقق نتائجها . "

www.al-jadir-collect.org.uk

 jadir959@yahoo.co.uk




 
الاسم البريد الاكتروني