لُغْز نيقولاي فاسيليفيتش

"العواطف النبيلة تملأ نفسي دائماً،

وإنني لمْ أحط مِنْ قدر نفسي.

وإنني طوال حياتي كنت إلى جانب الخير"

(غوغول)

 

التقط نُقاد الأدب الروسي هذه الكلمات من رسالة غير قصيرة كتبها الأديب الشهير غوغول إلى أمه، ليبنوا على أساساتها، شخصية هذا الكاتب الذي خرجت من "معطفه" اعمال دستوفسكي وتورجنيف.

إن أي دارس لتاريخ ما نعرفه اليوم باسم "القصة القصيرة"، لابد أن يتوقف طويلاً عند قصة "المعطف" التي كتبها غوغول، فيما كان هائماً على وجهه بين روسيا وأوروبا، متأملاً وضع مجتمع يقوم على الرق: أو القنانة، حسب التعبير الروسي.

 

مجتمع من العبيد والسادة يتضمن أحقر أنواع العلاقات الاجتماعية، بيد أن بعض الكتاب والمسرحيين والصحافيين ورجال الاعمال والكهنة، كانوا يخلعون عليه ألبسة أخرى، من لباس الشرف والعفة والأصالة التراثية.

ولقد أراد غوغول أن يداعب هذا المجتمع الشائخ، ببعض الكتابات الساخرة، فجمع ما بين المتبطرين والسكيرين والحواة والأنذال والتافهين ونهازي الفرص وصائدي السحت الحرام وتجار العبيد وكتبة السلاطين، وجعل منهم أمثولة المجتمع الروسي في زمانه. أي في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي.

 

وكانت المقادير اللطيفة تقدم له العون على هيئة أشخاص، كما هو صديقه الشاعر بوشكين، ليستعين بهم على مجابهة نمط من منظومات اجتماعية وثقافية ودينية، أخذ يشرّحها كما يُعمل النطاسي البارع مشرطه في جسد دكتاتور مات تواً.

 

إن قصة من طراز "الأنف"، لهي واحدة من تلك الدعابات المرة المريرة التي تجعل الرقابة غير الذكية لا تبصر القوة الخفية للكلمات. فهاهو ضابط برتبة كبيرة، كان يحظى بامتيازات عديدة، يستيقظ من نومه فلا يجد أنفه،

ومع فقدانه لأنفه، لا يوجد ما يثبت أنه الضابط فلان الفلاني، وبالتالي لا هوية له، ولا أي امتيازات.

 

أما في "الأنفس الميتة"، فإن غوغول يبلغ ذروة مجده الذي سيُعْرف بعد موته بعدما اخترع مجموعة من "الشخصيات الواقعية". أي أنه أعاد تصنيع الواقع في قالب أدبي، ليهز ضمير روسيا، وليجعلها تصرخ من أجل الحرية والكرامة الإنسانية.

 

من بين شخصياته تلك: الملاك مانيلوف، الذي مهنته الاتجار بالبشر، بينما هو يرتاد الكنيسة يوم الأحد، ويشارك في المهرجانات التراثية ويقيم الولائم لغير الفقراء.

ولتقريب الصورة نقول ان الفلاح الروسي في ظل قانون القنانة الشهير، كان يباع ويشترى، كأي شيء آخر، بينما كان عدد الفلاحين، حتى الموتى منهم، يقدم بقوائم سنوية، فيتم بيع الموتى مع الأحياء، وينتقلون من مالك إلى آخر. وكل ذلك من أجل الحصول على مساعدات، أو عدم الخضوع لضرائب. والى يومنا هذا لاتزال "الأنفس الميتة" حيّة في بعض البازارات العربية.

 

ومن هنا تبرز فرادة أدب الكاتب الروسي نيقولاي فاسيليفيتش غوغول.

جمعة اللامي

www.juma-allami.com

juma_allami@yahoo.com




 
الاسم البريد الاكتروني