محمود ... كوميديا المآلات !!

"الرجالُ نوعان عندما ينظرون

من نافذةٍ واحدة:

رجلٌ يُبْصرُ النُجوم،

ورجلٌ يُبْصرُ الأوحال"

(مأثور أوروبي)

البصرة

.. / .. / ....

ـــــــــ

عزيزي محمود ...

 

قلت لحسين : إبق معي .

ذهب محمد الى منزله .

في الغرف الأخرى من الفندق ثمة صخب . اعرف اصوات الأصدقاء . لم اصطخب منذ ثلاثين سنة . استغرق حسين ، الآن، في اغفاءة . نعم ، اعرف انه الان نائم . تذكرت دراساتي الأخيرة عن النوم . مرة ابكرت نحو البحر ( لم يعد النهر يرد في كتاباتي اليومية )، البحر الذي خلت انه استقبلني في بيته، فاذا به يطردني ذات ظهيرة نحو الأطلسي . نمت كثيرا تحت مطر سماء اطلسية . مياه خضر . ورعد مخيف . ومقامرون ومتشردون بين الجزائر وطنجة . هناك عند نهاية سنسول صخري، اخترت مهجعي : رجعت الى افكاري حول النوم، والنوم الطويل، حيث شعرت بان ثمة من يسحبني من ظفر ابهام قدمي اليمنى، ثم دخلت في غرفة النور .

انتبهت الى انني كنت احلم . انا يقظ الان .

كان حسين قد ادار وجهه نحوالجدار .

قال صوته : " شاهدتك الان بين الصخور ".

ـ كنت اراك تتقدم نحوي وانا استند بظهري الى السنسول .

ـ كان " اصلان" قد وصل اليك الان ( واصل حسين كلماته ) .

ـ اصلان ..! ، يا لجروي الصغير المتشرد . حدثت "ابا مناف" في شانه .

قال حسين :" انا اغبطك".

توقفت قطتي المتشردة ، القطة الأم التي سميتها : "رشيدة خاتون" ، على جهة اليمين ، جاورت السنسول . ثم رايتها تكشر عن انيابها البيض ، وتطلق مواءاً حادا ، كأنها تحذرني من خطر قادم نحوي .

حدقت في النقطة البعيدة في عمق الافق الأسود، وهناك شاهدت الكف التي اراها في احلامي الليلية . كف كأنها اغصان شجرة سدر، تتحرك اصابعها الى الامام والخلف .

قال حسين :

ـ لا تذهب . لا يزال امامك وقت طويل .

فتحت جفنيَّ . رأيت حسين عبداللطيف جالسا على طرف السرير الذي يقابل سريري، بينما على الجدار، خلفه، ثمة بوابة من ضوء مبهر، تنفتح فلقتاها، ثم رايتك تمرق هادئا خفيفا عبرها، حيث تلقفتك غابة من اكف تشبه ثراء شجرة سدر .

 

***

***

 

 

الشارقة .

28 ـ 5 ـ 2006

ــــــــــــــــ

هذا الرجل البَصْري، الذي يجاور الإمام "البَصْري" منذ سبعين سنة، وأطلَّ ـ متأملاً ـ على أجيال متعاقبة من الأدباء والسياسيين والمناضلين والإعلاميين وأنصاف الرجال، لا يزال مستغرقاً في وحدته، منغمراً في عزلته، بعدما أصبح لا يرى إلا نفسه عبر جدران المنزل، ولا يشوف سوى بعض أصدقائه خلل عدد قليل من مقاهي البصرة وخاناتها.

 

كلنا نعرفه، نحن الجيل المتعب، والمحزون، والشجاع، والمنهار، المغامر والمشاكس والمهاجر، بعدما قلنا لجيل "الخمسينات": "نحن هنا".

نعرفه وريثاً لتقاليد الرسُل الأوائل من كتّاب القصة القصيرة العراقية، ثم منتجاً لتلك التقاليد بإنجازه الخاص الذي تزدحم به كتبه التي لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة.

 

ونعرفه، أيضاً، واحداً منا.

لقد وضعنا كثيرين خلفنا، من بعض الذين تسلقوا القصة والشعر الى القيادات السياسية، مروراً بهؤلاء الذين لم يتوقفوا طويلاً أمام فعل: "كُنْ"، وليس انتهاء بأولئك الذين لا إنجاز لهم إلا أغلفة كتب ليس إلا.

هو، محمود عبدالوهاب، "ثُريّا العزلة" بحق.

 

لا أتصوره بعيداً عن البصرة أبداً. ولا أخاله إلا بَصْرياً، يجاور الإمام الحسن البصري، وأنطون تشيخوف، حتى وإن استدعته بولندا ذات يوم، أو لعبت به "شمول" في وارسو.

 

آخر لقاء بيننا كان قبل سنتين هنا، في الشارقة مع الأخ الصديق القاص محمد خضير. وفي حينها كنت أريد أن أحدثه عن "اقتصاده" في كتابته قصصه، وأن أستمع اليه وهو يحدثني عن "السّياب" و"البريكان" و"محمد خضير" و"حسين عبداللطيف" وعن ذاك المسرحي البصري الذي لن يبقى إلا مشهداً في ذاكرة البصرة والعراق: "جبار صبري العطية".

 

لكننا، ونحن نتنزه عند كورنيش الشارقة، أو نطل على ليل دبي، أو نصمت داخل مصعد في بناية معلقة بين الغمام والأرض، أو حين أنصت اليه يحدثني عن سحر "تشيخوف" وتأثيراته في رموز جيلنا، كنا نتحاور منذ عقود خلت: هو في "ثريا" عزلته، وأنا انطق ب: "كنّ"، للمرة الأولى.

 

وفي سرابيل هذه العزلة، وكأنه على طريق "البَصْري" وهو يستند الى عمود في مسجده، تعيد العزلة إنتاج وحدته بشكل مضاعف، بعدما خلت الدار من شقيقته، وبقيت الدار لا تجده إلا هو، محمود عبدالوهاب، المعتزل.. والمريض.

 

أي قلب هذا الذي يعاند الوحدة وافتقاد الأهل؟

لماذا يزحف المرض الوبيل الى جسده الواهن؟

لماذا يبقى محمود عبدالوهاب وحيدا؟

 

الشارقة :

7ـ12 ـ 2011

ـــــــــــــــــــ

 

عزيزي محمود

هذا اليوم ، مساء ، تركت غرفتي بمنزلي بالشارقة ، وتوجهت نحو دبي : كان صديقان قد قدما من بغداد الآن لحضور لقاء ادبي ينظمه اتحاد كتاب وأدباء الأمارات، حول " الإبداع السردي الخليجي .

انا لا احضر مثل هذه اللقاءات، ربما لأن منزلي بعيد عن مكان انعقادها، وربما ثمة اسباب اخرى ليس هذا وقت اعلانها .

 

ولكنْ، لأن العراقيين القادمين هما فاضل ثامر، وحميد المختار ( ومن محاسن الضرورات ان لي ذكريات شخصية مع هذين الزميلين والصديقين )، حملت جسدي على راحة كفي اليمنى، وتوجهت الى دبي .

انت تتذكر دبي : مدينة مزدحمة ، لا سماء تراه فيها، الا نادرا . ومع ذلك ذهبت الى المكان الذي ازوره للمرة الثانية الان . انه مكان فخم جدا، لكن البشر فيه قليلون .

 

وصلت الى هناك . وجدت حميد المختار . حضَّرت ذاكرتي لأقول فيه كلمتين . لكن الحضور القليل استقبله بكلام كثير . وجدت كلماتي ستكون نافلة . بقيت على كرسيي انتظر فاضل ثامر الذي لم يظهر حتى اقتربت الحفلة من نهايتها .

في نهاية المطاف، وانا لا احب النهايات . نهايات اي شيء، ظهر فاضل بحيويته المعتادة، واخذني الى حضنه . ثم قال لي فجأة :

ـ ابا عمار، هل علمت . محمود مات .

ثم رفع كاسه من الشاي بالحليب .

 

مادت الأرض بي ( كنت مثل راسكولينكوف في طريقه الى المرابية العجوز) . شعرت ان كسرا قويا قد حدث في ظهري . خيِّل اليَّ للحظات انني ثمل جدا، واهيم على وجهي على شاطيء دجلة، في بغداد، على الجانب الشرقي من شارع ابي نؤاس، حيث اعتدت ان ازور صديقا ميتا هناك .

 

في تلك الأيام ، كان صديقي الذي مات حديثا هو حصان عربة لجر برميل النفط المعروفة في احيائنا الشعبية .

حصان عجوز هرم، مثل حصان عجوز تشيخوف . إْيْ، انت تتذكره . اعرف هذا جيدا . ولقد تحدثنا حوله انت وانا كثيرا، اي بكلام قليل، لكن بافتكارات طويلة . وهكذا وجدته ذات يوم، وقد زلقت قدماه الأماميتان عندما كان يجر العربة، في يوم طيني ماطر، عند الساحة /55 في مدينة الثورة . كان ذلك في احدى سنوات عقد سبعينات القرن الماضي . كانت الدنيا موحلة على الارض، وفي السماء، وفي النفوس : وحْلٌ في كل شيء .

 

كنت عائدا ـ كعادتي ـ في اخر الليل، اي مع بداية الصباح، او عند الفجر . انا دائخ يا محمود . تعب ومضطرب . كنت اسمع الكلاب تنبح خلفي، وقطط الأحزاب الثورية المتآلفة، تهرّ من حولي . انا محاصر الآن . وفجاة شاهدت الحصان ملقى على الوحل . حصان عربة النفط . هو ممدد على جنبه الأيمن، وثمة قبيلة من كلاب متشردة، وعشيرة اخرى من قطط مسمنة ( قبيلتان متصالحتان، متضامنتان الآن)، تراقبه من مبعدة، هناك، قرب مخفر الشرطة، حيث يوجد وكر الفرقة الحزبية، التي يعلوها شعار مكتوب بلون احمر على قماش ابيض : " لا جبهة من دون جبهويين " .

تذكرت قصيدة : الإثني عشر . الكسندر بلوك !

 

ثم نسيت كل شيء، لأني شاهدت الكلاب تقبل نحونا، انا والحصان . وبعدها قبيلة القطط المسمنة .

الكلاب، يامحمود !

كلاب اعرف جيدا تاريخها الشخصي والوطني . فتقرفصت عند رقبة صديقي الحصان . اخرجت بطل العرق من الجيب السري في معطفي . واخذت اتشمم رائحة بولها .

انا خبير بطبائع الكلاب يا محمود . تلك حكاية طويلة، انت تعرف بعض فصولها . ولكني الآن في حال آخر . عليَّ ان ادافع عن صديقي الحصان، مكسور الظهر والقدم اليمنى .

لا سلاح عندي سوى بطل عرق اسود . انا ثمل يامحمود، والكلاب والقطط، والحراس الليليون، وسيارات شرطة النجدة، والخفارات الحزبية . كل هؤلاء كانوا يشكلون الخط الخلفي لكتيبة الكلاب، وسرية القطط، اللتين كانتا تتقدمان نحونا، وليس معي الا حصان يحتضر، وبطل عرق اسود .

 

في هذا المساء، لا عرق معي . لقد وضعت الكحول في زاوية غير مهملة من جراب ذاكرتي . معي الان باب مفتوح يقود الى غرفة اخرى، اراه حيثما اكون، ربما هو الباب الذي رآه صديقنا محمد خضير، في احد احلامه ذات فجر، وسجله في واحدة من ابدع قصصه ، ... وربما .

 

.. ورما، كان فاضل ثامر ـ الذي هو الان امامي ـ لم يدرك ماذا حملت اليّ كلماته تلك. كانت الأرض تميد بي . رايت حصان الساحة رقم /55 بمدينة الثورة، ينتقل الى صالة باذخة في مدينة دبي : بشر قليل، وكلام كثير، وانا تميد بي الأ رض، ثم حانت مني التفاتة نحو يسار الصالة . هناك رايت الذي اراه دائما : كان محمد خضير يقف في مطلع بوابة النور، من جهة اليمين . وعلى شمال البوابة وقف حسين عبداللطيف . وكنت اقودك من كفك اليمنى، كما كنت تفعل معي ونحن، انا وانت، ندخل الى صالة الحفل في جامعة البصرة . لم نتحدث الى صديقينا . قلت لي :

ـ انا سأدخل الآن الى الغرفة الأخرى، اريد ان ارتاح قليلا بعد هذه السفرة المتعبة .

قلت لك :

ـ يا صديقي العزيز .. الى اللقاء .

 

كنت اشد على كفيك بكل ما بقي عندي من حيل ، حتى خيل اليّ ان الارض تهتز تحت قدميَّ . ولم اعد الى توازني الا على صوت فاضل يقول لي :

ـ البقاء في حياتك .

في تلك اللحظة التي لن تتكرر الا عندما اجتاز بوابة النور تلك، حيث انت الان تنتظر قدومي اليك، تذكرت سكارى دستويفسكي، وعياط الملك لير : هبي، ايتها الرياح !!

 

يا عزيزي محمود، اي كوميديا هذه !!

 

 

جمعة اللامي

الشارقة ـ ميسان





 
الاسم البريد الاكتروني