فنون الحداثة العبثية ( الحلقة الرابعة )

د. سعد محمود الجادر

مافيا منظومة فنون الحداثة العبثية

 

"

ان وظيفة الكاتب هي أن يسمي الفأس فأسا، فإذا كانت الألفاظ مريضة فإن دورنا هو علاجها، لكن العديد من الكتاب يعززون هذا المرض. "

 

جوناثان كلر، كاتب أمريكي.




ونظرا لما تدرّه فنون الحداثة العبثية من أموال طائلة، فقد تشكّلت شبكة مافيا متداخلة وفعّالة و خطيرة من الباطل تعمل ضد الحق وأهل الحق. وهذه المافيات الفاسدة  ذات مصالح مشتركة ومتشابكة ومتلاحمة عضويا: بعلاقات زبونية و محسوبية اجتماعية وربما سياسية كذلك. مما جعل المشهد الفني يفيض بمتواطئين من  " فنانين "، و " نقاد "، ودور مزاد، وصالات عرض، وتجّار في دكاكين وأسواق الفن، وأفراد يعملون كموظفين وخبراء في متاحف عالمية ومحلية، ووسطاء ومستشارين، بعضهم في عشرينات العمر، ومثلهم من الشابّات الجميلات اللاتي يتحدثن عربية ركيكة وقد ظهرن فجأة وبدون تراكم معرفي وفني فَنُصِّبْنَ خبيرات في الفنون الاسلامية، هنَّ بدورهنَّ جزء من ثروات المتاحف ودور المزاد وصالونات الفن. وكلهم يلعبون ببضاعة واحدة هو " فنان " العبث وانتاجه الذي يزينونه بكل السبل الممكنة التي تفضي الى بيعه والاتجار به وتحقيق الأموال الخيالية والأرباح السريعة من ورائه.


كما نجم عن ذلك انتشار نوع خاص من " غاليريهات " الفن في العالم وفي الغرب وفي الخليج. وهذه الصالونات مكدّسة و مليئة بمنتجات فنون الحداثة العبثية التي  " تُخْرَجُ " بسرعة كبيرة واستعجال شديد من مصانع مافياتها و فنانيها. حتى أصبحت إمارات الخليج الأكثر إقبالا على اقتناء وتبنِّي فنون الحداثة العبثية من الغرب نفسه. وذلك بوجود جامعين أثرياء لايفقهون مايقتنون، ومُجبرين، طوعا وخوفا، على تنفيذ الأوامر السياسية – الثقافية – الفنية لسادتهم في الغرب. ومن ذلك، وعلى صدر الصفحة الأولى  كتب  ( Georgina Adam and Charlotte Burns, Qatar revealed as the world’s biggest contemporary art buyer, The Art Newspaper, No. 226, July / August 2011 )  


وتمول دولة قطر معرضا ل " داميان هيرست "، أحد أشهر رموز فنون الحداثة العبثية في بريطانيا، وذلك في متحف " تيت مودرن " في لندن، والذي سيستمر من 04 أبريل – 09 سبتمبر من عام 2012

Georgina Adam, Market forecast: the outlook is mixed, The Art Newspaper, No. 231, January 2012, p. 53  

 

وعلى الصفحة 11 من نفس المصدر السابق فان دولة قطر ستمول كذلك معرضا ضخما لداميان هيرست في عام 2013 يقام في قاعة " الرواق " في متحف الفن الاسلامي في الدوحة. حيث ستعرض منتجات فنون الحداثة العبثية جنبا الى جنب مع جواهر وكنوز التحف الاسلامية.


و يغري هذا المسلك التشجيعي والإتجاه والمنهجية التغريبية  الفنانين المزيفين على إغراق سوق الفن بانتاجهم الهابط، وتحويله الى مادة مربحة في تسليع الفن على خلفية من المصالح المالية والوصاية السياسية والثقافية الغربية. حتى ان الارتفاع المصطنع لأسعار منتجات فنون الحداثة العبثية خلّف وراءه إهمالا متعمدا أحيانا، وأسعارا متواضعة لكثير من الاعمال الفنية التشخيصية والتعبيرية الجادّة لفنانيها الاصلاء الذين يقدمون مواضيع سامية في الفكر والتطور، و صورا راقية من الفن والجمال.


و مافيات فنون الحداثة العبثية مفلسة و غير قادرة على سبر الطريق الصعب للفن؛ مفضلين السهولة واللذة العابرة المصحوبة بالمال والاعلام والتكريم والشهرة والنجومية وحصد الجوائز المحلية والاقليمية والعالمية، وما يصاحب ذلك من مزايا وعطايا و تَرَف واستهلاك خيالي. فالمافيا تُسَهِّل كل شيء، وتبيّض الاسود، كما تسوّد الابيض وترمي به الى زوايا العزلة والاهمال والنسيان، خوفا من نظافته وجدارته وجاذبيته، ومن إشعاع نقاوته وصفائه، ومن  فضح أنوار جماله لعتمة الحداثة العبثية.  لكن الفن الجيد لم ولن يتوقف رغم المعاناة  في مستنقع الحداثة العبثية. وللشعوب حس فطري قادر على استخراج الماس من براميل القمامة.


وبذلك فان " فنان " الحداثة العبثية هو صناعة استفزازية  تشمل الفنان المزيف، والناقد المنافق، وطباعة الكتب، وإقامة المعارض، وتضليل الجماهير وتشويش إدراكها، وإرهاب المجتمعات بما لاتفهمه.  و يضفي هذا  " الفنان " هالة من الغموض على شخصيته المهزوزة بعدم التواضع والتكبُّر في تعامله والشذوذ في مظهره... كجزء عضوي من مكونات العبث الذي يشغل به الناس.


وأقوى حجة لدى مروِّجي بضاعة فنون الحداثة العبثية أن المثقفين يعانون من " رطانة فنية " وان الناس متخلفين ويجهلون التعاطي بالفنون وهم بحاجة الى ثقافة عالية لفهم الفن الحديث، الذي مَثَله كَمَثل الكمبيوتر يحتاج الى تعلم لغته لكي يتم التعامل معه. مما يعكس افتقاد  فنان  الحداثة العبثية  ليس للفهم فقط  بل  للشعور بالمسؤولية الثقافية – الفنية – الإجتماعية، وازدرائه لقامات المثقفين والفنانين الأصلاء و لمشاعر الناس، واستسهال الإنزلاق في ممارسة الفن  لاتخاذه مهنة للإرتزاق.


وكوَّنت هذه  الحركات المافيوية حول العالم جزء من شبكة  ثقافة وفنون الحداثة ومابعد الحداثة . كما يلاحظ  نفس الوجوه لممثليها في الدوائر والمؤسسات، و في المتاحف ودور المزاد، وفي المؤتمرات والندوات، وفي الدوائر السياسية والثقافية والفنية. ولا تزال هذه الفئات المافيوية تواصل تخريبها للثقافة والفنون بهمّة الانانية والدولار لاستمرار تكريس تخلف المسلمين وتبعيتهم واستغلالهم عبر الانحدار الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والفني والجمالي لشعوب المستعمرات.


ولمواصلة هذا النوع من الشرور تُسربل مافيا و منتجي فنون الحداثة العبثية صُنّاع عبث جديد بالانخراط في فنون الحداثة العبثية. وذلك باستهداف واستدراج المواهب الناشئة بالترغيب والإغداق، وكل التشجيعات: من توفير قاعات العرض في الداخل والخارج، وبطاقات السفر والاقامة، وإطارات اللوحات، وتكاليف الاعلام و" البوسترات " وأدلّة المعارض، ودعوات الزفَّة في  حفلات الافتتاح. وبذلك تنحرف البوصلة الابداعية الفطرية لمواهب الشباب ويفقدون فرص صقلها وتطويرها، فيقدِّمون إنتاجا ليس سطحيا في أشكاله فحسب، بل مسطح ثقافيا وفنيا.


وهكذا فقد أفرزت مافيات ومنتجات فنون الحداثة العبثية عدّدا من  النتائج السيئة، منها: أولا ، كونها أنشطة مبهمة لايفهمها أحد. وثانيا ، عدم شعبيتها لانقطاعها عن المجتمع والإنسان وقطع التواصل الطبيعي لتطور الناس. وثالثا ، منع الاجيال الشابة من بناء مستقبلها على أساس قِيَم الاسلام في العِلْم والعمل المنتج والجهاد ضد الاستعمار والاستغلال والظلم  لنيل الاستقلال الحقيقي وإنهاض الامّة  بإحياء تراثها الاصيل على أسس معاصرة. ورابعا ، تغريب ثقافة المسلمين وتسطيحها و تخريب ذاكرة المشهد الفني العربي والاسلامي المُبْهِر، بعد أن حُجِبَ الفن الحقيقي لعطاء أجيال من الفنانين الأصلاء؛ وعزل و تفريغ مجتمعات المستعمرات من العلماء والمثقفين والادباء والشعراء الوطنيين المخلصين؛ والمساهمة بالمهام القذرة والاجرامية لاستهدافهم، وب " اللجج القميء " لاستفزازهم وابتزازهم ( التعبير للكاتب المصري الأستاذ طارق المهدوي حفظه الله وأمثاله من كل مكروه: طارق المهدوي، حكاياتي مع السيد عمر سليمان، مجلة أدب ونقد، القاهرة، يناير 2012 – العدد 315، ص. 90 - 107 ).  وخامسا ، لاتاريخيتها، إذ لم يخلِّف تراكم منتجات فنون الحداثة العبثية على مدى العقود الستة الماضية أي مدرسة فنية معاصرة ذات تجربة معرفية – فنية – جمالية تصطف الى جانب مدارس الفنون في العالم. ولن يكون هناك شيئا نافعا وجميلا يشار اليه في المستقبل ويسجله التاريخ، كما سجَّل نتاج المدارس الفنية الراقية التي تعكسها تراثات مختلف شعوب وأمم العالم، والتي يفهم المتلقي من أي بلد ومكان، مواضيعها ويُسعد بجمالياتها.  لذلك سوف لن تخلف منتجات فنون الحداثة العبثية  شيئا للتاريخ الا كونها ظاهرة عابرة مرَّت وانقضت كوثيقة سوداء لسقوط الفن في هذه المرحلة من تاريخ الانسان. إذ سيفرز الزمن وتاريخ الفن، الفنان المبدع الاصيل من المزوَّر والمزيَّف الدخيل، فيذهب الزبد جفاء ويخيب من افترى.



   www.al-jadir-collect.org.uk  

                   jadir959@yahoo.co.uk  




 
الاسم البريد الاكتروني