مجنون معاني

الى : مقداد عبدالرضا

مرادي منك نسيانُ المـــــرادِ

إذا رُمْتُ السبيلَ الــــــى الرشادِ

(ابن عطاء السكندري)

هذه حكاية لا يصدقها العقل العادي، ولا يركن الى صحتها إلا أولئك الذين خبروا في أفئدتهم جمرات الحب، بل.. الحب لمجرد الوصف. ألم يقل الشاعر إن الأذن تعشق قبل العين أحياناً؟

"معاني" فتاة عراقية من أسرة بغدادية مسيحية، تُعرف باسم عائلة: "جويريدة". أما "المجنون"، فهو الرحالة الايطالي بيترو ديللا فاليه، الروماني النبيل المحتد.

وزمان حكايتنا هو مطلع القرن السابع عشر الميلادي، وتحديداً سنوات 1616 ـ 1621.

بعد تجربة عاطفية فاشلة، غادر الروماني النبيل ايطاليا متجهاً الى الشرق، من اسطنبول، الى مصر، الى سوريا، الى العراق، الى ايران، الى عمان، الى الهند،، ثم العودة الى بلاده مرة أخرى، كسير الخاطر، يحمل معه جثمان حبيبته في تابوت.

في مدينة حلب سمع بأخبار "معاني" من أحد الحلبيين الذين كانوا على معرفة بأسرته، فكتب في يومياته: "وصف لي شابة رآها في بغداد وتعرّف الى أهلها، لأنه كان خبيراً بأمور بغداد ،ومطلعاً على أحوال هذه العائلة. وكم من مرة مدحها أمامي، ووصف جمالها الجسدي وخصالها الروحية، فلقد كان الرجل معجباً بها للغاية، وإلى حد الجنون".

ويكتب في يومياته أيضاً: "وهكذا ولد في داخلي شوق كبير للتعرف الى الفتاة التي استحقت كل هذا المديح، وأخذت أفكر بأنه لو لم يكن ثمة غاية لأسفاري، فهذه الفتاة كافية لأرحل الى بغداد حالاً".

وعندما وصل ديللافاليه الى بغداد في 6 كانون الأول/ ديسمبر سنة 1616 ، وبعد جهد ولأي ومعارضة من أهلها، شاءت الأقدار أن يقترن العاشق بمعشوقته، بعدما رآها عياناً، فكتب فيها الكلمات التاليات: "ليس من مصلحة الأزواج الإكثار من وصف زوجاتهم، ولولا ذلك لأطنبت في وصفها. فجمالها يقارن بجمال هذه البلاد. ولونها حار، فهي سمراء أكثر منها بيضاء، شعرها أسود، أهدابها مقوسة بلطف، أجفانها طويلة كأهل الشرق عامة، ومكحّلة بالإثمد، عيناها المكحلتان تشعان نوراً وبهجة وتتحركان بحشمة وجلال، إنها بكلمة واحدة تتصف بكل ما كنت أتمناه في المرأة. اسمها معاني".

الى هنا والحكاية تبدو عادية، فهي تشبه تولّه أي رجل غربي، لا سيماً إذا كان مثل ديللا فاليه، الشاعر والرحالة، سمع بأخبار وجمال البابليات، ولو عن طريق "نشيد الأنشاد" الذي ورد في "لعهد القديم".

لكن الحكاية يصير لها شأن آخر، بعدما لعبت الأقدار دوراً تراجيدياً في حياة العاشقين بعد زواجهما الذي استمر خمس سنوات، لم يرزقا خلالها بطفل. وفي غضون تلك السنوات يكتشف الزوج الايطالي أسرار الشخصية العراقية، فيتطابق عنده الواقع والمثال.

كانت معاني تبادله حباً بحب، وتحافظ على شرفه، وتدعو الله صباح مساء أن يمنّ عليها بنعمة الأمومة، لترضي زوجها، ولتظهر أمام عشيرته امرأة صالحة مثل هاتيك النسوة اللاتي ورد ذكرهن في الكتب المقدسة.

وكان بيترو الروماني، ينتقل في محبة معاني سلّماً لم يرقه قبله أحد من قومه، فيقرر العودة الى وطنه، ايطاليا، ومعه هدية الشرق الى الغرب :معاني.

لكنها تفارق الحياة مريضة بالجدري، أثناء توقفهما قليلاً في أصفهان الايرانية.

هنا ينكشف الغطاء عن سر معاني الذي قلب حياة ذلك الشاب الايطالي رأساً على عقب. إذ يقرر أن يصحب معه جثمان زوجته المتوفاة، في تابوت من خشب الصندل، محنّطا بطريقة بدائية، ليطوف معه أمصاراً وبلداناً، على امتداد 5 سنوات كاملات.

لقد كانت معاني مع بيللا فاليه، حيّة وميتة. إلا أن العشاق العظام وحدهم يعرفون كم هي المكابدة شديدة وعسيرة على قلب ذلك الإنسان في تلك السنوات الخمس. ولكن الحب الذي من أجله يتفوق الانسان على نفسه، بل ويجلو هذه النفس، وينتقل معها وبها الى بداية التخوم غير المنتهية للشخصية الإنسانية.

عندما يصل بيللا فاليه الى روما بعد تلك السنوات الخمس من الترحال، يقيم حفلاً فخماً لدفن معاني العراقية، في أعلى أحد التلال المحيطة بروما، وينزل (معها) في قبرها، بعدما وضع جثمانها في تابوت من الرصاص.

كتب في نهاية يومياته ما يلي:

"وبعد أن حصلت على موافقة الجهات الرسمية، أخبرت كاهن الكنيسة المسؤول، وسار الموكب الحزين بعد منتصف الليل، بينما ذهبت أنا الى باب الكنيسة أنتظره. فدخلنا الى المصلى، ونزلت الى القبر، لأقدم آخر خدمة الى سيدتي العزيزة، وأضع بيدي الصندوق قرب أبي وأمي وأعمامي. ثم أغلق الضريح جيداً وأعيد بناء الغطاء. وهكذا أديت آخر خدمة لزوجتي الحلوة، الست معاني، وأقمت الصلاة على روحها الطاهرة«.

المجد، للعشاق الأحرار

جمعة اللامي

Juma_allami@yahoo.com

www.juma-allami.com




 
الاسم البريد الاكتروني