نقابة الصحفيين العراقيين... والجواهري

" الأشخاص الذين يمارسون مهنة الصحافة ،

يبدون لي مثل جحرة الخلود

التي تستقبل ارواح الشهداء " ،

( إدغار الان بو)

كان محمد مهدي الجواهري ، ذات سنة بعد 14 تموز 1958 ، رئيسا لنقابة الصحفيين العراقيين، ورئيسا لإِتحاد الأُدباء العراقيين، في مشهد سياسي موثق ومعروف للأجيال العراقية التي لم تنقرض بعد، لا سيما من بينها الذين عركوا الحياة، وخبرتهم المحن والتَجاريب، وصقلت تَجاربَهم، وبرى ذاكراتهم ، تطوافهم بين الأُمم والبلدان والشعوب .

اقول : في مساء يوم من ايام سنة 1959، دخل الجواهري الى احدى الغرف الخمس في مقر اتحاد الأُدباء العراقيين ببغداد، فشاهد عددا من اعضاء "الهيئة الادارية" للإتحاد، ومعهم عدد من "اعضاء" الاتحاد المعروفين بإنتمائهم للحزب الشيوعي العراقي، يعقدون اجتماعا حزبيا في مقر الاتحاد .

كنا في سجن نقرة السلمان في سنة 1964 ، حين روى لي الصديق العزيز جاسم الجُّوِي، عضو "اللجنة الثقافية" للحزب الشيوعي في حينه، تلك الواقعة التي كان احد شهودها ووقائعها القاص جاسم الجوي نفسه، كاتب القصة القصيرة الشهيرة :" الطَّامورة ".

اخبرني جاسم الجوي : قال لنا الجواهري منفعلا " الأتحاد منظمة ثقافية ـ مهنية . والحزب مكانه في الشارع". وعند ذلك فقط لملمنا اوراقنا وأنهينا اجتماعنا الحزبي، ولم نعد الى اجتماع مثله ابدا في مقر اتحاد الادباء العراقيين .

كان الجواهري محقا في موقفه ذاك، احتراما لتقاليد العمل الوطني في العراق . تلك التقاليد التي كانت تضع معايير صارمة، وحدودا اخلاقية مشهودا لها، بين العمل السياسي والعمل المهني، التي ارساها شهداء الحركة الوطنية العراقية منذ سنة 1948 .

اسوق هذه الواقعة، لكي نفرز "الدخن" من "القمح" في مشهدنا الصحفي، الذي يستشهد بعضنا بإسم الجواهري بمناسبة او بدونها، او لغايات ومطامع اصبحت مكشوفة لنا جميعا .

وبعد ان عاد الجواهري الى الوطن، في بداية العقد السابع من القرن الماضي، رافقته سنين عددا، لا سيما عندما كنت مديرتحرير مجلة " وعي العمال" العراقية، وكانت تدور بينه وبيني حوارات، وإستعادات لحوادث، وتذكر وذكريات في بغداد او في دمشق، منها على سبيل المثال، ما رواه لي جاسم الجوي في سنة 1964 .

ويتذكر الشاعر الصديق الفريد سمعان الأمين العام للإتحاد العام للادباء العراقيين حاليا، وكذلك رئيس الإتحاد الحالي الصديق الناقد فاضل ثامر، ذلك الحديث الطويل الذي كان يدور بين المثقفين الشيوعيين العراقيين، في سجني "النقرة" و"الحلة"، حول العمل في " النقابات الصفراء" . حيث تمكن المثقفون الشيوعيون ـ واليساريون عموما ـ من ايصال اصواتهم الى اوسع نطاق بين الشرائح الثقافية والفنية العراقية من خلال صحف ونقابات كانت تسمى " منظمات صفراء ".

اتذكر ان هناك صحيفة اسبوعية" صفراء" لعل اسمها " العمل والعمال" ، كان يديرها السيد "هاشم علي محسن" ، رئيس "اتحاد نقابات العمال" في زمن "الاخوين عارف" ، او في زمن "عارف الثاني" ، وكان يدير الصفحة الثقافية فيها السيد "فلك الدين كاكه ئي" ، المسؤول البارز في الحزب الديموقراطي الكردستاني حاليا . وفي هذه الصفحة ظهر الى العلن كثير من انتاج الأدباء الشيوعين واليساريين العراقيين في تلك الايام .

... وفي تلك الايام، كان بعض الاعلاميين العراقيين، الذين يصولون ويجولون الان في اروقة الدولة والحكم والاحزاب والميليشيات الثقافية والإعلامية العراقية ، "أفراخاً صغاراً"، من دون ريش، بل وحتى بلا زغب، ولا يفرقون بين "الهوش والبوش"، ولا يعرفون انه لا فرق بين كلمة "ثمة"، وكلمة " هناك" (!!)

طيب .

"الحُرّ"ُ تكفيه الإشارة .

و"الَّلبيب" من الإشارة يفهم ..!

اعود الى المقصود من بداية الكلام .

لا يحتاج المشهد الإعلامي العراقي الحالي، الى شتائم وسباب وتهم .

الموجود يكفي، في الاقل الظاهر منه .

اما في المخفي، او المسكوت عنه، او الذي في صدور الأقارب والزوجات والخليلات المهجورات والزملاء والأصحاب والمعارف، فهو كثير جدا ولا تكفيه مجلدات وأساتيذ . والحديث عن شجونه يعني تحويل كثير من اصحاب" الاصوات العالية " الى سوح القضاء، وفقا للدستور العراقي النافذ المفعول، لا سيما منهم الذين تعاونوا مع سلطات " المحتلين " للعراق على اختلاف " إخصاصاتها" ، قبل الإحتلال وبعده، الذين كان لهم دور ماكر وخبيث ومشبوه في تصنيع آلام مضاعفة ومضافة، الى آلام العراقيين من جراء الحصار الظالم الذي كان النظام الدكتاتوري يفرضه على العراقيين .

المشهد الإعلامي العراقي، يحتاج عملا متصلا متواصلا من اجل توفير الخيرات المادية والمعنوية للعاملين فيه جميعا . وهذا يتكافأ مع بناء علاقات مهنية على اسس اخلاقية متينة متزنة ورصينة راسخة، لا مكان فيها للمكائد والكمائن والضغائن .

الإعلاميون العراقيون، ولا سيما الصحفيون منهم، بحاجة الى كثير من العمل الجاد والمبرمج، لكشف قاتلي زميلاتهم وزملائهم، بكاتم الصوت، اوذبحا، على سبيل المثال .

عوائل هؤلاء الزملاء والزميلات، لن تسامح اصحاب تلك "الاصوات"، وغيرهم، الذين يريدون ان تبقى سكاكين أنانياتهم لاعبةً، في جروح الاطفال اليتامى، والأُمهات المثكولات، والزوجات المحرومات، على حساب اطماع شخصية، وثأرات فردية، وأجندات خارجية .

من عنده الكفاءة او يجد في نفسه الطموح، لتسلم اي موقع في نقابة الصحفيين العراقيين، عليه اولا ان يبني نظاماً ادارياً ـ مالياً متطوراً وفقاً لأحدث معايير الحقوق والواجبات المعروفة على الصعيد العالمي في مؤسسته الإعلامية، وينظم دورات تأهيل، وإعادة تأهيل لكادره الفني والاداري والمالي، ويعلن عن موارده المالية امام انظار الرأي العام، او يخضعها الى كشوفات قانونية وفقا لأحدث قوانين التدقيق العالمية التي تتبعها المؤسسات المثيلة، ثم يذهب الى "الصندوق الإنتخابي"، ليعرف موقعه ومكانته بين صفوف الهيئة الصحفية والإعلامية العراقية .

الشتايم والسباب والإتهامات، لا تبني بيتا للصحفي ، ولا تشيد اكاديمية صحفية، ولا توفر راتبا تقاعديا للصحفي . وبالتالي لا ترسي قواعد عملية اعلامية مهنية امينة وصادقة .

ارجعوا الى تلك العقود التي شهدت "ثقافة الصوت العالي والسباب والشتم " في الوسط الصحفي والإعلامي في تاريخ العراق، وخذوا العبرة والمثل .

بل عودوا الى " ثقافة " الجواهري، وحركته في نقابة الصحفيين العراقيين، في تلك السنوات، فترحموا على الرجل عندما تسيرون قولا وفعلا على دربه . او اتركوه بهدوء وسلام وسكينة في عالم الأبدية، عندما تتقولون عليه بما كان يشجبه ولا يريده للمشهد الصحفي العراقي .

اما اذا نسيتم الجواهري، او عمدتم الى تناسيه، فلكم دينكم، ولغيركم دينه .

وليكن لكل فريق عنوانه النقابي، الذي يريده البعض واجهة حزبية او دكانا خاصا " لصاحبه فلان الفلاني" (!!)، ذلك " البعض" الذي لم يتعظ من تجارب العقود المريرة الماضية، وليتحمل مسؤوليته كاملة امام شهداء الصحافة العراقية وشهيداتها، وأمام ضمائر العراقيين اجمعين، والراي العام الاعلامي العربي والعالمي .

بدأت بالجواهري، وأرغب في ان انهي هذه السانحة به ايضا.

قبيل ان يتوفى الله الجواهري، اجرت محطة ( أم / بي / سي ) السعودية، مقابلة مع محمد مهدي الجواهري، قال فيها ان بعض الأحزاب السياسية العراقية التي كانت في صفوف المعارضة الخارجية في حينه، لا تمتلك " ثباتاً" صغيرا واحدا في الخيمة العراقية (!!) .

فكيف هو وضع بعض " افراد" من بقية ما بقي من كسور ومهازيل تلك البقايا ؟!!

ذلك علمه عند المواطن العراقي .

والله اولا، ثم العراق والشهداء، وشهداء الصحافة ، والشهداء ـ الأحياء منهم الان، من بعده تعالى، من وراء القصد .

الا هل بلغت ّ

ايها الجواهري ...إشهد !!

جمعة اللامي

www.juma-allami.com

juma_allami@yahoo.com

جمعة اللامي ـ ذاكرة المستقبل

الأثنين ـ 12/3/2012
 

نقابة الصحفيين




 
الاسم البريد الاكتروني