فنون الحداثة العبثية ( الحلقة الخامسة )

د. سعد محمود الجادر

أهداف فرض فنون الحداثة العبثية على مجتمعات العرب و المسلمين

( القسم الثاني )


وبذلك فان شر فنون الحداثة العبثية هو جزء عضوي من شرور التغريب، وفرع حيوي من الارهاب الاستعماري العنصري السافر بنسختيه الكلاسيكية القديمة والعولمية الجديدة . إذ تمارس منظومة مافيا فنون الحداثة العبثية الاستبداد الفني، الذي لم يذكره، طيّب الذكر عبد الرحمن الكواكبي ( 1848 - 1902 )، أحد أبرز مفكري النهضة العربية الحديثة، والذي شخّص علّة التخلف، في كتابه الراقي ( طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد )، حيث تطرّق الى مختلف مجالات الاستبداد: في الدين والعلم والمجد والمال والاخلاق والتربية والترقّي. وبَيَّنَ طرق التخلص من الاستبداد. ولكن لم يكن الاستبداد الفني من بينها، لان الفن في زمنه كان لايزال يواصل صورته الفنية الإسلامية - العثمانية، و لم يكن بعد قد تعرّض للاختراق الاستعماري والتغريب الذي أثار الفوضى والمتاهة القائمة في الوقت الحاضر.

ومن أهداف تشجيع ونشر فنون الحداثة العبثية في العالم الاسلامي، هو تكريس هجرة مجتمعات المسلمين للهوية الثقافية التاريخية وصورتها الفنية الاسلامية التراثية؛ وإحداث فراغ جمالي ينفذ من خلاله زيف فنون الحداثة العبثية لملئه وجعله حقيقة واقعة يتشكّل على ضوئها الواقع الثقافي والفني المعاصر كأساس لتطور مستقبلي مشوَّه في بيئة المسلمين. ويقوِّي ذلك، للأسف الشديد، الموقف الأمِّي والجاهل والمتخلف والمتحجر لمعظم رجال الدين المسلمين بمعاداة التصوير والنحت، ومساندة أفكار ومفاهيم تحريمها؛ عوضا عن العمل لاستخدام الفن للتعريف بالاسلام وثقافة المسلمين ومحاورة الآخرين من خلاله. مما يشجع فنان الحداثة العبثية لنفث سمومه في مجتمعات المسلمين.

وقد فَصَمَ فنان الحداثة العبثية العلاقة التاريخية بين الفن والمعرفة والحِرَفِيَّة والجمال. إذ ان احترام الموهبة ورعايتها وتطويرها بدعمها بالمعرفة والثقافة الفنية وبالمهارات التقنية والذوق الرفيع ليس أقل شأنا من العطاء الفطري للموهبة ذاتها بل مكمل عضوي لها . كما لايعتمد فنان الحداثة على المضمون والاسلوب والصورة الفنية.

لذلك يفتقد فنان الحداثة العبثية القدرة على التواصل مع المتلقي و شدِّه لمعروضاته لخلوها من الشعور بالابهار، والإدهاش، والإثارة، والنشوة، والبهجة، والمسرّة، والمتعة الحسية والعقلية؛ ومن الإلغاز الرامز، الذي تتراقص صورته بين المرئي والمخفي، وبين الشعور واللاشعور وبالتأثير والتعبير بين الواقعية والخيال، عبر توازن الاختزال والتكثيف والتعميم والتخصيص والإيحاء والإشارة والرمز، بالخط والظل والضوء والتجاور اللوني... وتقدير الجمال حق قدره. إذ لايعبِّر فن الحداثة العبثي عن موضوع ودلالة وشيء: لا الروحي كالفن الاسلامي؛ ولا الواقعي كالفن السوفيتي / الروسي، و الفن الغربي والامريكي اللاتيني السابق للحداثة العبثية، ولا الرمزي كالفن الافريقي... كما انه لايمتلك إيقاع الشعر وغنائيته. ولا موسيقى الزخارف الكتابية ومغازيها. ولا التجريد العائم الهائم للموسيقى و تنوع مؤثراتها الحسية ونشوة إثارتها وغموضها و " لا دلاليتها " ( التعبير للكاتب العراقي الأستاذ علي الشوك أطال الله في عمره. )

كما يسلخ فنان الحداثة العبثية دور الفن في المجتمع : في ترقية الوعي، وتهذيب الانسان، وتربية الأجيال، وتحصين الشباب من الانحراف التغريبي وتحفيزهم على التشبث بهويتهم وذاكرة تاريخهم خاصة أمام جبروت الاعلام الغربي الكاسح، وإيقاظ وتطوير الأحاسيس الجمالية الفطرية والخيال الابداعي، وافادة الناس بالمعرفة، وامتاعهم بالأجواء الجمالية، ورفع المستوى الحضاري للامة، وتثبيت حقها ليس في الحياة فقط بل في تحقيق حرية أوطانها وسعادة شعوبها.

بالإضافة الى حرص رعاة العولمة الشريرة على تدويل وإشاعة اتجاهات ومفاهيم ثقافية خطيرة، منها نفي الهوية، من قبيل: " ان الثقافة لاتعرف القومية ". وذلك لتسييد الحداثة الغربية وفرضها على ثقافات الآخرين، واعادة بناء أنظمة التفكير، خاصة في المستعمرات، بواسطة اصطياد وإفساد المثقفين والادباء والفنانين والشعراء، تماما كما يستهدفون الاذكياء في كل حقل معرفي، لاجبارهم بكل الطرق والوسائل، ترغيبا وترهيبا وخبثا ومكرا واستفزازا وكيدا واحتيالا، للعمل كواجهات في محارق السياسة لارتكاب كل أنواع الجرائم لضمان مصالح النخب الاستعمارية وموظفيهم من الطغم الحاكمة في مستعمرات العاملين بإمرة سماسرة السياسة والثقافة والفن المنتشرين في ماسونيات وأجهزة المخابرات الغربية وخاصة الأمريكية.

لكن، ومن الطبيعي فإن فنان الحداثة العبثية الذي لايمثل الا ذاته، ولايُعَبِّر عن هوية ثقافته، ولا عن دافع الحياة ومعاناة الانسان وقضايا المجتمع وتراثه وملامح البيئة.... لن يعيره المجتمع أدنى قدر من الأهمية والاهتمام، ولن يتفاعل معه المتلقي : لا الجاهل ولا الأمِّي، ولا المتعلم، ولا المثقف، ولا الفنان الاصيل: لا العامة ولا الخاصة. فما هو مُنْجَزَه وجدْواه اذن ؟ وما هي رسالته الفنية وطاقته التأثيرية ؟ ولمن يوجهها ؟ وما هي قيمة هذا "َ الفنان " الذي ينتج عَبَثا يباع بعضه بالملايين ؟ ومَنْ يدفع هذه الاموال الطائلة ؟ ومِنْ أين ومن أي ميزانية ومخصَّصات ؟ ولماذا تدفع ؟ هل لقيمة الفن العبثي المعروض والمرفوض ؟ أم لشيء آخر ؟.
ثمّ ما ومَنْ الذي يجعل توجُّه بعض الفنانين الموهوبين والمقتدرين على تقديم صور فنية مفيدة و جميلة لهجرة موهبتهم وتوظيفها في فنون الحداثة العبثية ؟

إنها سريالية بائسة سوداء تلك التي يقدِّمها فن الحداثة العبثي المتهافت، الذي هبط بالفن الى قاع الإنحطاط، حتى أصبح الفنان والناقد وعامة الناس وخاصتهم، من العرب والمسلمين وفي العالم أجمع، كلهم على السواء لايفهمون ولا ينجذبون الى منتجات فنون الحداثة العبثية.

وهكذا فإن فن الحداثة العبثية الذي تنشره النخب الإستعمارية الغربية هو فن غير شرعي، وغير أصيل، وهو فن واهي وقَلِق وعدمي ولا قيمة له : لا بالمفاهيم الانسانية - الفنية ذات العلاقة بالموهبة ؛ ولا الأكاديمية ذات العلاقة بالثقافة والمعرفة والإتقان الذي يُرَقِّي إنتاج الفنان؛ ولا بالمجتمع المتلقي للمنتوج الفني ؛ ولا بتقديم النفع والفائدة من خلال الموضوع الغائب عن فنون الحداثة العبثية؛ ولا بتوفير المتعة والمسرّة ذات العلاقة بالجمالية والعواطف والمشاعر والأحاسيس الإنسانية.

وتساهم العوامل المتقدمة وغيرها في تكريس التخلف وإفساد الذوق العام، وعرقلة ومنع ظهور حركة إجماعية لاحياء الصورة الفنية الاسلامية لتكون رمزا مُعَبِّرا عن جوهر وحقيقة الاسلام وتراكما معاصرا لثقافة المسلمين، وأفضل وأقوى وسيلة جمالية لتوحيد مشاعرهم في جميع أنحاء العالم.


www.al-jadir-collect.org.uk
jadir959@yahoo.co.uk




 
الاسم البريد الاكتروني