صيدلانية

  16-2-2002

أتيتك لما ضاق في الأرض مسلكي

وأنكرتُ مما قد أصيب به عقلي

ففرّج كلاك الله عني، فإنني

لقيت الذي لم يلقه أحد قبلي

(شاعر مجهول)

اسمي (...) دكتورة صيدلانية، أحمل شهادة الماجستير من جامعة البصرة. جئت الى (....) بعد ان سُدّت الطرق أمامي، وعملت مدرسة في (....). مدير المدرسة يضع في غرفته شهادة بالكاراتيه، لا يستطيع ان يكمل جملة مفيدة بالعربي الفصيح. لذلك لهجته عامية، وكأنه من جماعة (...).

بعد مدة "فصل كامل" من العناء، مع طلاب بلا مؤهلات، استغنى المدير عن خدماتي، لكونه لا يستطيع ان يؤنب طالباً واحداً، لسوء ألفاظه، بل لسوءمنبته .

الآن، أنا بلا عمل. لا أدري ماذا أفعل. المدارس لا تأخذ طلبات المتقدمين. فلوسي نفدت، وأريد ان أرجع الى بلدي، وليس لديّ ثمن التذكرة.

(هل تستطيعون مساعدتي، بنشر مشكلتي في عمودكم؟ مع شكري وتقديري)

د. (...)

هاتف: "...."

***

***

خطر لي ان تكون نهاية "ذاكرة المستقبل" هذا اليوم، هي نهاية رسالة هذه الصيدلانية العراقية التي تحمل شهادة جامعية عالية، فمهما كتبتُ، او يكتب غيري، تبقى طريقة صياغة رسالتها، معبرة وجارحة وموجعة. وفي الوقت ذاته، أقدر من أي صياغة تنوب عنها في وصف حالتها.

لكني رأيتُ "غريب المتروك"يقف قبالتي، وقد لفّ رأسه ب"يشماغه" المرقط، فعرفت ان في الأمر نذيراً بشيء ما، ربما يودي بنا الى مشاحنة، او فلنقل.. الى معركة حاسمة.

ـ :"خيراً.. ان شاء الله".

قال: "نعم، هو خير يا صديقي، والأجدر بك ان تهاتف الدكتورة الصيدلانية، فلربما تستمع الى شيء يريحك، ويزيح عني هذا الكابوس".

ـ : "أي كابوس؟"

أجاب:" وهل ثمة كابوس، أفظع، وأثقل، من سيدة ذات اختصاص علمي لا تجد عملاً، وإن وجدته ففي غير اختصاصها، وان قبلت بهذا الوضع المقلوب، تُفصل من عملها بعد فترة، لأنها لا تستطيع احتمال تصرفات بعض "التلامذة" الذين يتعلمون في مدارس تلقنهم الشغب، بينما آباؤهم وأمهاتهم في شغل شاغل عنهم.

سألته مرة أخرى: "ماذا تقترح عليّ، بالله عليك؟"

ـ : "كلِّم الدكتورة الصيدلانية "...".

بعد لحظات كنت أكلم تلك السيدة، فظهر لي انها أم، تخرجت في جامعة البصرة سنة 1982. وفي سنة 1990 حصلت على "الماجستير"، وهي تجد في عملها مدعاة لاحترام النفس، والانسجام مع النواميس الطبيعية والطبائع البشرية التي ترى في العمل الشريف نشداناً لرضا الله تعالى، وخدمة للناس أيضاً.

بقيتُ أتحدث الى هذه السيدة ذات المؤهل الجامعي العالي ردحاً من الزمن، لم تنطق بكلمة واحدة خلالها عن حاجتها الى عمل، اللهم إلا قولها في نهاية المحادثة:

ـ "هل تستطيع ان تساعدني؟!"

ومع نهاية المحادثة، رأيت "غريب المتروك" يرمي بغترته المرقطة الى الأرض، فتوجست خيفةً، إذ اني أعرف تماماً عادته عندما يغضب لأمر يخص انساناً، لا يريد ان يحس بالمذلة والمهانة.

ـ : "غريب.. كأنك تريد ان تعارك؟"

أجاب:" ايه والله. أريد ان أقاتل من كان السبب في تشريد هذه السيدة، ومن ألقى بها الى الشارع. ومن جعل خبرتها بعيداً عن متناول المحتاجين إليها ".

ـ :" لا تغضب، ولا تستجرني الى حالة غضب، فهناك "هو" الذي يسمعنا جميعاً، ولسوف يأمر أحد عباده، كي يرد غربة هذه الغريبة، ويزيل عنها كربتها".

قال:" ونعم بالله. إليه أنبتُ، وإليه اتجهت في السر والعلن، ولا حول ولا قوة إلا به "هو".

جمعة اللامي

Juma_allami@yahoo.com

www.juma-allami.com





 
الاسم البريد الاكتروني