محاكمة فنون الحداثة العبثية " الفن والجريمة "

د. سعد الجادر

في مؤلَّف ( الدكتورة زينب عبد العزيز، لعبة الفن الحديث بين الصهيونية - الماسونية وأمريكا، القاهرة 1990، ص. 110 - 120 ) قصة تاريخية مهمة أثارها " جورج جازافا "، أستاذ القانون، والفنان، والأديب وأول من أقام دعوى قانونية ضد احتيال واحتكار وفساد فناني الحداثة العبثية وما يقدِّمونه من " عملة مزيفة "، و فن " مصنَّع "، و " داعر "... كما أدان " أعمال الغش والنصب والتواطؤ والإحتيال في مجال لعبة الفن الحديث "... وهاجم " عمل العصابات " و " مؤسسة المخربين " الذين يحولون ( " الروث " الى ذهب! لكن - وياللأسى - على حساب تخريب الحضارة )...

كل هذا وغيره الكثير قيل قبل عقود من الزمن، وقبل أن يرى المثقف الوطني الأصيل جورج جزافا مسالخ ومزابل ومهازل فنون الحداثة العبثية التي تباع بعض منتجاتها بملايين الدولارات وتُعرض الآن في كبريات المتاحف العالمية.

ولمغازي هذه القصة، وللاستمرار العدمي الشنيع لفحواها ومجالاتها منذ ستينات وسبعينات القرن الماضي وحتى الوقت الحاضر، بما يصفه الكاتب البيروفي " ماريو فارغاس " في كتابه الأخير " حضارة الفرجة "، قائلا عن الفنون التشكيلية أن " اللاأبالية فيها قد بلغت حدا لايطاق "؛
فقد رأينا اقتباس القصة للأستشهاد بها وتجديد روحها كمرجع تاريخي - سياسي - قانوني - ثقافي - فني - جمالي مهم وخطير، خاصة وانه يتكامل مع البيئة المعاصرة لفنون الحداثة العبثية ومنتجاتها الهابطة المنتشرة في المعارض ودور المزاد والمتاحف وقصور الحكام والأثرياء والمطارات العالمية ودور السفارات والمؤسسات الدبلوماسية حول العالم...


" دعوى جازافا:

نحن لانشك في ان كل هذه الخلفية من الألاعيب غير القانونية، والمؤامرات والاختلاسات التي تسيطر على مجال الفن الحديث هي التي دفعت جورج جازافا، والعديدين غيره، الى إدانة هذه المسخرة farce المفتعلة والمفروضة على المجتمع، وأدت بهم الى استخدام لفظ " الاحتيال " لوصف كيان هذا الفن وخباياه التي يصعب الوصول اليها.

فإذا ماتضافرت معظم النقاط في جوقة للتغني ومدح مزايا الفن الحديث، فإن عددا أقل - مع الأسف - هو الذي واتته الشجاعة وإمكان الكشف عما يدور حقيقة في كواليس هذه اللعبة غير النظيفة.

ولقد استشهدنا بجازافا بإسهاب لأنه كان من أوائل الذين تجرأوا على مواجهة مخاطر الكشف، وفضح خبايا وظلمات كواليس الفن الحديث بالوثائق الرسمية. ولم يكن موقفه هذا بالصخب الأجوف وإنما بإقامة دعوى قانونية أمام القضاء العالي ضد عمليات النصب هذه ومن يقومون بها. وهي دعوى ضد مايقوم به تجار اللوحات من عمليات استثمار لايعتمدون فيها على سذاجة جمهور لايعرف شيئا عن خفايا اللعبة فحسب بل باستغلالهم واستعبادهم للفنانين أنفسهم عن طريق عملية احتيال رهيبة تلعب بالمليارات ( أنظر ان هذا الرقم يعود الى نصف قرن مضى: س.ج. )، وتقوم على ارتفاعات وهمية للأسعار، تؤدي في نهاية المطاف إلى تسرب الأموال الفرنسية إلى البنوك السويسرية.

ولقد قام جازافا بحملته التي لاتلين بحميّة يستحق عليها كل تقدير. وإن كان أستاذ القانون والفنان والأديب المعروف، لم ير حقيقة الأمر وخطره وخفاياه إلا بعد أن أقام معرضين كبيرين للوحاته، وأدرك أنه لايمكن لأي فنان أن يبيع لوحاته - ولو بسعر معقول - أو أن يشق طريقه وسط غياهب قصر التيه الذي يحيطه، دون أن يكون اسمه مدرجا في قائمة المصورين الذين يفرضهم ماسكو خيوط هذا المجال ومحركوه. أي أن أي فنان موهوب وملتزم يقيم الفن الأصيل لايمكنه أن يشق طريقه دون امتهان نفسه أو دون الانتماء " للشلة " المسيطرة ومزايداتها المفتعلة.

وفي عام 1962، بدأ جازافا بنشر كتيب من حوالي مائة صفحة تحت عنوان: " الفن والجريمة ". وهو كتيب يحدد فيه موقف الفن الحديث، ويتناول الجانب القانوني للموضوع، والأضرار الواقعة على المشتري والفنان، والمساس بالرأي العام، وانعكاسات هذا الفساد على المجتمع، ثم يتناول الجانب الفلسفي للفن " الداعر " - كما يسميه - والفرق بينه وبين الفن الحقيقي الملهم. أي أنه - اختصارا - يدين " عمل العصابات "، وعمليات النصب، ووقائع الاستغلال والمخالفات القانونية التي تتحكم في عالم الفن الحديث.

ولقد لاقى هذا الكتيب استقبالا حافلا من الصحافة الباريسية والفرنسية عامة، والأوربية بما فيها إنجلترا. إذ حظي بأكثر من مائتي مقال وتعليق. أي أنه عرف أصداء حقيقية وكان له أثره الواضح الذي كتب عنه في مؤلفه الثاني المعروف باسم " احتيال الفن الحديث المصنّع " قائلا: " ومنذ ربيع عام 1962 بدأت عودة لوحات الاتجاه الآخر الذي لايعرف السهولة والاستسهال إلى " فتارين " قاعات العرض " !

إلا أنه رغم رد الفعل الواضح هذا فلقد ظل المسؤولون يتخذون موقف " أذن من طين وأخرى من عجين " على حد قول ج. ر. كوفمان J.R.Kouffman .

وفي عام 1976، وبعد أن رفض المسؤولون دعوة جازافا ست مرات، قام هو بجمع كل الوثائق المتعلقة بهذا الموضوع لينشرها في كتاب يقع في مائة وسبع وثلاثين صفحة، أطلق عليه ذلك العنوان الذي له مغزاه والشديد الواقعية في آن واحد، ألا وهو: " احتيال الفن الحديث المصنّع. "!!

وقبل أن نتناول هذين المؤلفين بشيء من التفصيل، أظن ان من المفيد أن نرى ما وصل اليه الفن الحديث في تلك الحقبة، مكتفين بمثال واحد يعكس مدى التدهور الإنساني والانحطاط والتردي الذي عرفه هذا المجال الذي يُفترض أنه " مجال جمالي "، وإلى أي درجة تمت مساندة هذا العته التشكيلي عن طريق احتيال سياسي - اجتماعي منظم.

في الصفحة الثانية مباشرة يورد جازافا في مؤلفه الثاني هذه الواقعة: " لقد حضرت يوم الأربعاء الموافق أول ديسمبر عام 1964 في قصر جالييرا Galliera مزادا لبيع مجموعة ليفيفر Lefevre : وكان التاجر إيمييه مايت Aime Maeght يقوم بشراء مجموعة " صبية " ميرو Miro، ليحافظ بشكل مفتعل على " التسعيرة " المحددة له. وكان قد عرض في المزاد لوحة بسعر سبعة آلاف وخمسمائة فرنك فرنسي وأعاد شراءها بمبلغ عشرة آلاف فرنك فرنسي ( وهو مايكفي لشراء سيارة جديدة آنذاك ). وكانت اللوحة تمثل رجلا يجلس القرفصاء، ممسكا بيده قطعة من " ورق تواليت " ( فعلية ) حديثة الاستخدام، والرسم وورقة التواليت بما فيها مضغوطان تحت الزجاج بعنوان: " الرجل ذو ورقة الحرير "! هذا هو مستوى الفن الحديث المصنّع لأولئك " الكيميائيين " الذين استطاعوا، كما في الأسطورة، تحويل " الروث " إلى ذهب ! لكن - وياللأسى - على حساب تخريب الحضارة " .

ولم يكن المصور ميرو هو الوحيد الذي أفرط في الإسفاف للحط من القيم الجمالية الإنسانية بهذا الشكل. فلقد سبقه دي شان Duchamp بتقديم " مبولة " على أنها قطعة فنية، وكان فرانسيس بيكون Francis Bacon قد قام بتصوير موضوع خال من أي قيمة جمالية ألا وهو " الرجل والبيديه " L'Homme et le bidet ، وقام غيرهم بتقديم " البراز المجفف " تحت عنوان " نحت حديث " !! ويالها من مأساة مبكية فظة رخيصة معا.

لقد كان فن التصوير الواقعي - في ذلك الوقت وكما سبق أن رأينا - مستبعدا تماما من المعارض، ومنزوعا من جدران المتاحف لإفساح المكان للوحات العبث والرخص الممجوج هذا .

وها هو كوفمان يقول في مقدمته للكتاب الثاني لجازافا:

" لقد حاول صديقي جازافا أن يعطي لكل فنان حقه في المجالات التجارية عن طريق المنافسة الحرة، وهو الوحيد في العالم الذي لجأ الى القضاء وبحث عن السلاح القانوني ليحارب به هذا النصب ".

" ولقد أدرك ذلك حينما رأى أن هذا الفن الحديث يباع بالسنتيمتر المربع أو كما يسمونه بالنقطة ( تعني النقطة في لغة سوق الفن قيمة سعر السنتيمتر المربع المحددة لكل فنان والتي يحاسب بناء عليها ). ومن هنا فهو خاضع لقانون الضرائب التجارية " .

" إلا أن وزارة المالية عملت " أذنا من طين وأخرى من عجين " ولم تُعِر الموضوع اهتماما، ولم يجد القضاء مايقوله حيال الشكوى المقدمة ضد مايجري من عمليات غش وتدليس إلا الدفع بعدم الإختصاص، حيث انها قضية ذات طابع عام ولا يحق لغير الوزراء أو النقابات أن يتصدوا لها ".

" مما دفع جازافا الى تقديم هذا العمل وكل ردور فعل الصحافة وملخص الجهود التي قام بها، لكي يسمح للفنانين بأن يدافعوا عن مهنتهم بشكل أفضل " .

إن ردود الفعل والتعليقات التي واكبت كتيب " الفن والجريمة " تمثل جزء كبيرا من الكتاب الثاني. وها نحن نستشهد ببعضها، لا على سبيل المثال فحسب، وإنما لاتصالها المباشر بهذا البحث:

كتب الدكتور ج. ريفيير J.Riviere وهو طبيب، ومثقف، وعالم متخصص في علم الخط، وصاحب كتاب ضخم عن " عالم الكتابة "، كتب يقول في خطاب الى جازافا، في التاسع من يوليو عام 1969: " لقد انطلقت بشجاعة فائقة في حرب ضد مافيا - هي مع كل الأسف - مترّسة شديدة القوة. إنك تحاول تنوير جمهور مسكين مضلل، وهذا جهد تهنأ عليه. فنحن بحاجة الى الكثيرين من أمثالك لنوقظ الحقائق البسيطة المنسية في ضمائر البعض. ومن الواضح الجليّ أن فن واحد مثل موندريان Mondrian لاعلاقة له بفن التصوير، فهو - مع التحفظ - أقرب الى مجرد محاولة تقنية، بل هو أقرب مايكون إلى علامة من علامات السكة الحديد ".

وكتب لوي هيمو Louis Hemo في " كراسة الفنون " العدد رقم 78 يقول: " وها هم الغوغائيون وقد وقعوا في الفخ بدورهم. فلا أحد يجهل اليوم بأنهم يتلقون الأوامر من موظفيهم الذين يضطرون الى الانصياع لهم. فبدلا من رجال السياسة الذين تقع على عاتقهم ضرورة حماية مصالح وثقافة وطننا، نرى إدارة عشوائية، عمياء ومجهولة، تمسك باللجام في يدها لتتحكم في كل المبادرات، من هنا كان الهرج، والانحلال ".

أما جريدة " شاريفاري " Charivari فقد نشرت مقالا في أكتوبر عام 1961 للكاتب بيمين Pimene ورد فيه: " لاشك في أن حملته الصليبية ضد الفن الحديث ستبوء بالفشل مثلها مثل الفشل الذي تعرض له دون كيشوت. وهي لاتقل عنها احتراما، والأرض التي يقف عليها صاحب كتيّب " الفن والجريمة " أرض ثابتة متينة: فهو يوضح أن هناك مساسا بالمُشتري وبالفنانين. وألاعيب التجار تقع تحت طائلة القانون الذي يحد من ارتفاع الأسعار بشكل مزيف، كما يكشف مؤسسة المخربين والأضرار التي تقع على حرية العمل. كل ذلك صحيح ومعه كل الحق، لكن بما ان الدولة تحمي تواطؤ هذه اللعبة، وبما ان متاحفنا تمتليء بنفايات عديدة اشتراها أمناء متواطئون بشكل ما، فإن الحالمين الذين يتجرأون بالكشف أو بإقامة الدعوى سيدفعون ثمن موقفهم، ولن يكون الثمن بسيطا. إذ ان مافيا تجار اللوحات لموضوع ضخم بالنسبة لرجل بمفرده.... إن ضربة السيف هذه التي صوبها على مياه مستنقع آسن سيذكرها له التاريخ، وستدرج اسمه في قائمة المثاليين المتحمسين الذين تتخلص منهم كل الأنظمة وترسلهم بكل بساطة إلى السجون".

وفي التاسع والعشرين من شهر مايو عام 1962 نشرت مجلة " لانديباندان بربينيان " L'independent Perpignan مقالا جاء فيه: " ان الفنانين قد بدأوا يهاجمون عملية اسثمار فن التصوير. فلقد تقدم كل من جورج ديفال George Deval وجان كيرش Jean Kirsch بدورهما بشكوى لرئيس القضاة ضد عمليات الاستثمار غير القانونية للوحات.

" إنهم يسيرون على منوال الفنان جازافا الذي تقدم منذ بضعة أسابيع بشكوى مماثلة لكنها رفضت أخيرا، إلا أن جازافا، رغم ذلك، قام بالاستئناف أمام غرفة الاتهام بمذكرة ورد فيها: " سيدي الرئيس، اسمح لي بتوضيح الخطأ الذي وقعتم فيه وبناء حكمكم على مسائل فنية. إن الأمر لايتعلق بذلك. إنني لاأكافح ضد الفن التجريدي من أجل الفن التقليدي. إنني أكافح ضد الاستثمار غير القانوني الذي يقوم به تجار اللوحات، الذين يقومون بألاعيب يعاقب عليها القانون ويرفعون أسعار المصورين الخاضعين لهم بشكل مزيف. إن عملية رفع الأسعار المزيفة بأساليب غش وتدليس والتي تمارس في قاعات البيع إنما هي عملية غير قانونية أيا كانت البضاعة المتداولة ".

وفي العشرين من شهر فبراير عام 1962، كتب روبير جيو Robert guillou ، رئيس جمعية نقاد الفن إلى جازافا قائلا: " منذ ثلاثين عاما تقريبا، ( في فبراير 1930 ) اعترضنا بشكل عنيف في كل الصحف ضد عمليات البيع الصورية، واعترضنا محتجين علنا ضد الواقعة في حد ذاتها وضد إفلاتها من القانون وعدم خضوعها لأي عقاب.

" فلا يسعني إلا أن أهنئك على الحملة التي قمت بها، باسم الفن، والعدالة، ومعنوية الجمهور ".

أما جريدة " لي جنيول " Le guignol الصادرة في مدينة ليون فقد أصدرت في الخامس والعشرين من شهر أبريل عام 1962 مقالا تحت عنوان: " تحية صادقة "، جاء في طرف منه: " إلا أن الأغرب من ذلك أن السيد رايمس، وهو واحد من أفضل القوميساريات المثمنين الفرنسيين قد أيد الوقائع. ولقد ذكر حديثا " أن مدير إحدى الجاليريهات قد رفع سعر إحدى اللوحات إلى أربعة ملايين، وإذا ماثمنتها فلن أعطيها حتى ربع هذا المبلغ ! " كما ذكر أيضا لوحات بعض الرسامين الشبان الذين يرفع أصدقاؤهم أسعار لوحاتهم إلى ثلاثة ملايين في حين أنها لايمكن أن تقدر بأكثر من عشرة آلاف في حي مونمارتر " ! .

" إن كل الناس يعرفون هذا الكلام، أو على الأقل يعرفه كل أولائك الذين لايريدون الوقوع في اللعبة وخدعها، ولكن أول مرة نرى فيها جريدة فرنسية كبرى " تدب قدميها " بهذا الشكل وتدخل في هذا الموضوع صراحة ولنا أن نهنئها. بل لقد وصلت الجرأة بهذه الجريدة إلى أن نشرت صورة لرسمين، واحد للمصور ميرو، والثاني لبيكاسو. والاثنان لايصلحان لاستخدامهما كورق " تواليت " في دورة مياه " !!.

وفي التاسع من ديسمبر عام 1963 كتب رئيس نقابة " الفنانين المصورين المحترفين الأحرار " إلى صاحب كتيب " الفن والجريمة " قائلا: " إن نقابتنا تؤيد ماقمت به بغية إصلاح سوق فن التصوير. فلا شك أن الدعوى أمام القضاء في حالة الفوضى والغوغاء التي توجد فيها السوق حاليا ستسمح بتوضيح الطريق السليم وتحديد الوسائل الدعائية القانونية للمبيعات والأساليب المتبعة القائمة على الغش ".

وبالفعل، ما أن قام جازافا بنشر كتيبه عن " الفن والجريمة " عام 1961، حتى تقدم بدعوى رسمية أودعها في الخامس من شهر مارس عام 1961، لرئيس قضاة التحقيق أوضح فيها وجهة نظره بشكل لامواربة فيه.

وتزايدت الأصداء في الصحف . ومع ذلك، وعلى الرغم من وضوح القضية المدعمة بكل المستندات اللازمة، فإن السيد رينو Reymaut قاضي التحقيقات، أمر في الرابع عشر من شهر مايو عام 1962 بأن تحفظ الدعوى المقدمة لهيئة المحكمة العليا بحي السين !

ورغم كل شيء فإن جازافا لم يفقد الأمل، لإيمانه الشديد بنزاهة العدالة والقضاء ولم لا ؟ أليس هو رجل قانون بقدر ماهو فنان ؟ فتقدم الى غرفة الإتهام في جلسة السادس والعشرين من شهر أكتوبر عام 1962، مناشدا " إعادة النظر في ذلك القرار الذي يدل على عدم الدقة سواء من الناحية القانونية أو من الناحية الموضوعية ".

وفي الثالث والعشرين من شهر أكتوبر عام 1963 رُفضت دعوى جازافا للمرة الثانية، لكنه عاد واستأنفها.

وفي السادس من شهر نوفمبر عام 1963، تم رفض الطعن الذي تقدم به للمرة الثالثة الى محكمة النقض. وبعدها بشهر تقريبا، تلقى موافقة " النقابة الحرة للفنانين المصورين المحترفين " ليواصل حملته.

وفي الثالث والعشرين من شهر مارس عام 1964، تلقى إنذارا برفض دعواه للمرة الرابعة !

وفي السادس من شهر نوفمبر عام 1964 تلقى خامس رفض من غرفة الإتهام وأخطروه فيه بأن دعواه لم تبنَ على أسس سليمة !!

ولم ييأس جازافا، بل قام بإبلاغ شكواه إلى لجنة الجماعة الأوربية. وفي الثامن من شهر أبريل عام 1968 قام السيد ألبرخت Albercht ، المدير العام للجنة، بإخطار جازافا برفض دعواه مع حفظها والأمر بعدم المتابعة !!

وهكذا جاءت آخر محاولة من جازافا لتنهي ذلك االجانب الرسمي للمسؤولين: فها هو جازافا يلجأ الى تصعيد محاولته بأن قدمها الى كل من الرئيس والقضاة المكونين لمحكمة العدل الخاصة بالجماعة الأوربية، وقد أرسل نسخة منها في الوقت نفسه إلى السيد ميشليه Michelet وزير الثقافة آنذاك.

ومن المؤسف والمتوقع معا أن نرى أنه على المستوى الرسمي فإن " المسؤولين " لم يحركوا ساكنا. بل والأدهى من ذلك وما يستدعي السخرية أن نلحظ من المؤلف وصاحب الدعوى : " أن شخصيتين سياسيتين تشغلان وظائفهما قد تدخّلا لإحباط محاولته القائمة على حماية الفنون الجميلة وفن التصوير الذي ساهم - بعامة - أكثر من الموسيقى في إحياء اسم فرنسا الثقافي في العالم بأسره ".

لقد قام جازافا فور أن تجمعت لديه كل الوثائق بتلخيص كل بنود الغش ليثبت كيف أن عمليات النصب في مجال الفن الحديث إنما هي نتيجة لاتحاد العديد من وسائل النصب والاحتيال المتضافرة في مخطط واحد وأهداف متشابكة من ضمنها إضفاء قيمة مصطنعة لبضاعة لاقيمة لها. وذلك مايلخصه جازافا قائلا:

" اختصارا، فإن عمليات النصب والاحتيال في الفن التجريدي إنما هي نتيجة تضافر العديد من وسائل الغش المجتمعة عبر صلة الترابط والغرض الإجرامي بغية تقييم بضاعة هي - بحكم وفرتها - خالية بشكل جلي ومؤكد من أي قيمة حقيقية. وإذا مانظرنا لكل بند من بنودها على حدة فإنه قد يبدو طبيعيا أو غير ضار:

1 - إن التاجر يخضع الفنان لنفوذه بواسطة عقد مبرم بينهما. وإن كان ذلك يلغي الطابع الحر، بالإضافة الى إلغائه للمسؤولية والجانب الأخلاقي للمهنة.

2 - إنه يفرض الوفرة والكمية عن طريق الإستسهال الناجم عن التفاهة أو القبح بدلا من الإنتاج الكيفي القائم على فن له أصوله.

3 - إنه يعرض ويعيد شراء لوحات " صبيانية " في المزادات العلنية مع رفع سعرها بشكل مفتعل وغير حقيقي.

4 - وهكذا يقوم باختلاق التسعيرة " بالنقطة " للمسطح مع طبع مقاسات اللوحات والأسعار المفتعلة التي توصل إليها.

5 - يجذب الى جانبه بعض كبار رجال الدولة لضمان تنفيذ مخططه بإشراكهم في العملة الزائفة للفن الحديث المصنّع.

6 - يوهم " صبيانه " بأن هناك رقابة رسمية عليا بوضع أعمالهم في المتاحف الكبرى.

7 - يقوم بإخفاء ألاعيبه الشخصية بالإحتماء خلف أسماء لفنانين لاتعد أعمالهم سوى مجرد تجارب تشكيلية.

8 - يمنع عرض أعمال الفنانين الأحياء الذين ينتمون الى الواقعية أو يضعهم في منافسة مع أعمال لفنانين من أمثال رينوار Renoir أو ديجا Degas ممن يتم تقييم لوحاتهم " كفن حديث عمره أقل من مائة عام ! ".

9 - يقوم بخفض السعر الرسمي للفن الواقعي للفنانين الأحياء بنسبة 7500% لاستبعادهم من السوق.

10 - يقوم بمعاونة بعض شركائه باحتكار مجمل السوق العالمي ويفرض انحرافاته على قيمة مايقدمونه ".

وبالإضافة لذلك، لاننسى كل المهمة التي تقع على عاتق وسائل الإعلام بغية تحقيق كل بنود هذا المخطط. وبتضافر كل هذه العناصر مجتمعة فإن الأموال العامة أو الخاصة تستثمر في بضائع مزيفة ولا قيمة لها.

وها هو جازافا يوضح - في مرجعه نفسه صفحة 115- كيف أدت الأسعار الفلكية الناجمة عن عمليات " مضغ " أسعارها " إلى أن تذهب نسبة 1% إلى المصورين المستعبدين، بينما الباقي وهو 99% خالصة حتى من المصاريف النثرية التي تتكلفها، تذهب كلها الى التجار منظمي عملية الغش هذه ".

ومع ذلك، فإن محتكري هذا المجال ليسوا وحدهم في هذه اللعبة؛ فآلاف الأشخاص الذين يشاركون في هذه " العملة المزيفة " يصبحون شركاء فيها سواء بإرادتهم أو رغما عنهم. إنهم شركاء ومدافعون عن هذه الأعمال التي تفتقد روح الفن الحقيقية قدر ماتفتقد الجمال، سواء أكان ذلك بناء على مصلحتهم، أم حماية لكبريائهم، أو من باب التحذلق.

وقبل الانتهاء من هذا الجزء الخاص بالنصب والاحتيال في مجال لعبة الفن الحديث، قد يكون هاما بصفة خاصة أن نتناول ما أدلى به كامي موكلير Camille Mauclair الناقد الفني لجريدة الفيجارو " Le Figaro ، إذ كتب يقول عام 1930 ( أي في فترة مابين الحربين بينما كانت اللعبة في أوجها ) هذه الكلمات الواضحة البصيرة حول الفن الحديث:

" أن يقال إن الفن عندنا يمر بحالة اضطراب، أو أننا نتشاجر فيما بيننا حول الأساليب والمذاهب، فلا غضاضة في ذلك. لكن الخطر الحقيقي يكمن في ذلك المفهوم القائم على فصل الفن عن الطبيعة وفصل الفنان عن أصله، مجتثين بذلك كل جذوره، وهادفين الى فرض طغيان صيغ وتعبيرات متداخلة، لاأثر فيها لذوقنا، وحساسيتنا وتراثنا. إن كل الذين ينتمون الى التطرف السياسي يقومون بتشجيع هذا المفهوم ويفرضونه عنوة على المتاحف، مع تهيئة مكان الصدارة له لدى لجان التحكيم. ولا يتم هذا لأن البعض يحقق مصلحته الذاتية في هذه العمليات، وإنما الأدهى من ذلك أن كل هذا التلاعب يتم تحت شعار " الفن الحديث " الذي يمثل جزء هاما من عملية التخريب الثقافي والمعنوي الكبرى. وبعد قليل، لن يبقى لدينا أي فن قومي، وإنما نوع من السلع الدنيئة السائدة باتساع رقعة أوربا كلها Paneuropeenne ، أو نوع من الأكاديمية الدولية للقبح ".

إن الخلفية المتضافرة والمترّسة من القوى الخفية وغير المرئية التي تقود اللعبة على الصعيد الدولي إنما هي مؤسسات أحكمت حلقاتها بكل تأكيد، ذلك أن الأمر لا يتعلق فحسب بالتداخلات المالية غير الشرعية التي تدار على المستوى الدولي، سواء أكان ذلك من قبيل تجارة الرقيق الأبيض أو الأسود، أو المخدرات، وحرب البترول وتجارة العملة المزيفة المسماة الفن الحديث، وكلها تمثل خطرا ما. وإنما المفزع حقا والمثير للقلق هو كل هذه المؤسسات الكبرى متعددة الجنسيات، التي يحميها المجهول، والتي تعمل بدأب ضد المصلحة العامة للشعوب وضد الإنسانية.

وبما أنه لايوجد أي عرف دولي يضع حدا للثراء الذي لاحدود له للشركات الكبرى، فإن الإثراء غير المحدود، لايهدف إلى الحفاظ على اقتصاد المكاسب التجارية بأي وسيلة فحسب، بل إن المجازفة هنا لم تكن مجرد انهيار للمؤسسات الحرة تحت وطأة الأهداف التجارية، وإنما كانت تعني التخريب المتعمد لحب الوطن وبتر الإنتماء للأرض الأم، وللتراث الإنساني وقيمه المعلاة بعامة. ويذهب جازافا إلى أبعد مما نقوله بتوقعه وقوع حرب ذرية أخرى بما أن جنون الكسب الذي لا حدود له وسيادة الرأسمالية الإحتكارية سبق لهما أن كلفا الإنسانية من قبل حربين عالميتين. "

www.al-jadir-collect.org.uk
jadir959@yahoo.co.uk




 
الاسم البريد الاكتروني