"مدينة الحكايا"... المعمارية

د. خالد السلطاني
عندما تذكر بغداد، تحضر "الحكايا"؛ الحكايا الواقعية .. والخيالية. والأخيرة متنوعة، وكثيرة، مثلما هي طويلة ..ومعروفة!. فبغداد، وكما هو معلوم، اثرت ذاكرة العالم القصصية (وليس الذاكرة المحلية والاقليمية فحسب)، بخيال خصب من حكايا وروايات، ما انفك صداهما يتردد في لغات عالمية عديدة، منتجة في الأخير "اميجاً" اسطوريا لتلك المدينة الخالدة، ومؤسسة "ايقونة" رمزية لحاضرة النوادر المختلقة. لكن ماذا عن بغداد "الواقعية" نفسها؟؛ هي التى "ولدّت" وانتجت هذا السفر الجميل من الحكايا العابرة للحدود والقارات .. والبحار. ماذا عنها كمدينة حقيقية، مبنية؟، ماذا عن شواهدها المادية؟ و"فورماتها" المعمارية؟. ان إلاجابة عن مثل هذه الاسئلة، يمكن ان يقدمه مضمون كتاب صديقتي وزميلتي د. غادة موسى رزوقي السلق "مدينة الحكايا"، الصادر عن الجمعية العراقية لدعم الثقافة (صدر في 2011، وبعدد صفحات 238 من القطع المتوسط، راجعه مفيد الجزائري، وقام بتحريره محمد علي، وصممته مريم الصائغ ونادين نضال امين).
ينبني مضمون الكتاب في الاعتماد، أساساً، على صور لمشاهد المدينة، يجاورها نص مكتوب، يهتم في توضيح اهمية تلك المشاهد، ويظهر قيمتها المعمارية. انه، بمعنى من المعاني، "دليل" معماري/ ثقافي لمدينة مميزة في تاريخ التمدن العالمي؛ هي التى يشير اليها "مفيد الجزائري" في مستهل تقديمه للكتاب، بانها عرفت على الدوام "..بتاريخها الحافل وبتراثها الفريد المستمد من موقعها كملتقى لطرق العمران والثقافة في العالم. فعلى مدار القرون، ومع تدفق نهر دجلة الذي ولدت على ضفافه مدينة مدورة وعاصمة حضارة وبؤرة انوار، ارتفعت المباني الجميلة ذات الحضور الطاغي على إمتداد الضفتين لتغدو معالم مميزة ومنشآت تعليمية ودينية وتجارية ومؤسسات حكم." (ص.6). توضح المؤلفة خطتها للكتاب، وتحدد اهدافه، بكلمات مختصرة ومقنعة، اذ تكتب ".. سعينا ان نقدم هنا الابنية الرائعة ضمن سياق زمني. ورغم بقاء الامكنة وتوالي الاحداث فيها، فلم نضمّن هنا، ما حمله تاريخها من عمارة اندثرت. رغم انها تستوجب الدراسة والبحث. وأثرنا ان نقدم الابنية الماثلة للعيان موضحين حكاياها ومعالمها ومشيرين لامكانات حفاظها وإعادة تأهليها، بادئين بعمارة العصور العباسية المتأخرة، مرورا بالقرون والعقود المتعاقبة حتى مطلع القرن العشرين ونمو بغداد اليوم" (ص. 37).
ثمة، اذاً، محطات من سجل الذاكرة المعمارية، سنشاهدها معاً في كتاب غادة السلق. وهذه المحطات، اصطفتها المؤلفة، لتعبر بها عن احترامها بتراث مدينتها وولعها بها، مثلما تُظهّر نوعية خياراتها. فهي "تقرأ" لنا تاريخ المدينة العمراني والمعماري، وفق ذائقة مشوبة بحس فنى عال. تحرص غادة السلق الى تذكيرنا، بمقدمة كتابها، عن نشأة بغداد وتوسعها الحضري، وقيمة الشواهد التى ستتكلم عنها معمارياً. كما توضح في المقدمة ايضاً، حيثيات كتابها المميز ومبرراته. تكتب د.غادة " في عام 2012 يكون قد مضى 1250 سنة على البدء بانشاء المدينة المدورة، التى اسست لمركز المدينة الكبرى. وقد يكون من بوادر عودة الالق، ان نحتفي عام 2013 بكونها عاصمة للثقافة العربية. نستعيد فيها ايام كان الباحثون وطالبوا العلم يؤمونها من المشارق والمغارب" وتنهي تلك المقدمة بنداء مفعم بالحرص على عمارة المدينة ماضياً ومستقبلاً: " ان بغداد بحاجة الى رؤية ثاقبة وعميقة لما ستكون عليه وكيفية تحقيقه رؤية تحمل طباق تاريخها وتعني باظهاره واغنائه حفاظا وتجديدا. هذا يشمل التوجه بكل عناية لصيانة وادامة الابنية التى روت اخبار عصورها المتلاحقة والتى يمكن اعادة تأهيلها وإحيائها." (ص. 35).
تذكر د. غادة السلق من ضمن معالم بغداد العباسية المنشورة في كتابها، مئذنتي جامع قمرية، وجامع الخفافين. والاخيرة، تُعد، وفق كثر من المصادر، بأنها المأذنة الاصلية لجامع الحظائر، الذي ينسب بناءه الى السيدة زمرد خاتون، المتوفية سنة 1202. وهي تقول عنها بأن " المئذنة ربما تكون اقدم ما وصل لنا من عمارة بغداد العباسية. وهي تحتاج الى اعمال صيانة، ما يجعل من الحفاظ عليها (يكتسي) أهمية كبيرة. كما يحتاج الجامع الى إعادة تأهيل لحالة تجعله يتناسب وقيمة المئذنة التاريخية المتميزة".(ص. 68) واذ تشير الى مأذنة جامع قمرية في الكرخ، التى تعود الى جامع "بنى في نهاية الحقبة العباسية في زمن المستنصر بالله العباسي عام 1228...والمتكونة من اسطوانتين متباينتي الاقطار، تنتهي العليا منهما بقبة صغيرة، تعود للبناء الاصلي, وفي داخلها سلم حلزوني يصل الى اعلاها، وهي من النماذج الاولى لوجود السلم الداخلي فيها...وهذة المئذنة التاريخية تستوجب الانتباه لها والحفاظ عليها، لما تحمله من قيم معمارية وثقافية". (ص. 70- 72). ونرى، نحن ايضاً، بان الحفاظ على هذين المعلمين، يكتسب اهمية قصوى راهناً، ذلك لاننا لا نمتلك، في الوقت الحاضر كثراً من الشواهد المبنية العباسية في بغداد، هي التى كانت يوماً ما، حاضنة للكثير من المباني المميزة، الفريدة في اسلوب عمارتها، والتى تعرفنا عنها، من خلال الوثائق المكتوبة وما تناقلته مؤلفات الكتاب والدارسيين. ويتعين القول هنا، بان مهام الحفاظ والتأهيل (ليس، فقط، فيما يخص هذين الشاخصين المهمين، وإنما كل ما من شأنه أن يكون مؤهلاً لاشتراطات الحفاظ المعروفة)، ليست وقفاً، ولا حكراً على الجهات الحكومية، وأنما يشترك في ادائها ويؤدى التزاماتها المجتمع نفسه، ممثلاً في التجمعات المدنية والمهنية المتنوعة المعنية هي الآخرى في تحقيق تلك المهام. هذا لايعني، بالطبع، في اي حال من الاحوال، التغطية على عجز المؤسسات الحكومية في اداء مهماتها في هذا الشأن، او ايجاد مبررات تنصلها المفجع بذرائع مختلفة؛ وانما يراد منه التأكيد على دور المجتمع نفسه وحرصه في الحفاظ على تراثه وذاكرته المعمارية.
من بين كنائس بغداد المتنوعة تاريخياً ومعمارياً، نجد ضمن اختيارات د.غادة السلق " كنيسة مريم العذراء <مسكنتة>، والتى تقول عنها بانها " تقع في منطقة الميدان، وهي من أقدم كنائس بغداد التى لا تزال قائمة حالياً. بنيت عام 1639م حيث كانت قد نقلت الى بغداد ذخائر القديسة مسكنتة التى توفيت في كركوك في القرن الثالث الميلادي(؟!).. وتعد من المزارات المسيحية في بغداد ويقصدها الكثير من الناس من المسيحيين والمسلميين وخاصة في عيد السيدة العذراء في الخامس عشر من آب. خضعت لاعمال صيانة وترميم عبر الزمن.. وأهم صيانة جرت لها كانت في ثمانينات القرن العشرين حيث تم تطوير الابنية التابعة لها ضمن مجمع واحد." (ص. 134). وطالما اتت د. غادة، على ذكر ترميممات الثمانينات، فاننا توقعنا ان تذكر مصمم الكنيسة الاخيرة، وهو المعمار العراقي: "هنري زفبودا"، الذي توفي مؤخرا. واعتبر، شخصياً، كنيسته تلك، من المباني المميزة في منتج عمارة الحداثة بالعراق، هي التى لم تأخذ حقها من الدرس، كما لم يأخذ مصممها حقه ايضاً من الدرس والمتابعة. ومثل هذا الامر يثير الآسى، لجهة نزعة التغاضي والتجاهل، التى بدأت تتكرس، مع الاسف، في ادبياتنا ..وذاكرتنا. وأنا هنا، طبعاً، لا اقصد د. غادة؛ اذ ادرك حرصها على الاختزال، ونزوعها نحو تكثيف المعلومة المنتقاة، لكني استثمر ظاهرة حضور الغياب (والتغييب،ايضاً!)، اللتان اتى ذكرهما، هنا، عرضاً، واللتان نلحظ شيوعهما الآن في الوسط المهني عامة، لاشجب انتشارهما غير المقبول، وغير المبرر بكل تأكيد. لكن ذلك بالطبع .."حكاية" آخرى!.
في كتاب "مدينة الحكايا"، هناك اشارات الى مواقع حضرية ذات خصوصية معينة؛ وليس الامر مقصوراً، فقط، على تناول معالم معمارية محددة بعينها. فالمؤلفة تشير، على سبيل المثال، الى "شارع المتنبي"، وتبرر ذلك من كون قَدَر الشارع، وأهميته المعنوية "..لا تنبع من قيمة ابنيته المعمارية، ولا من تكوين طرازه كسوق السراي، مثلا؛ لكن من الوظيفة الثقافية التى حفل بها واصبحت رمزاً وتعبيراً للحياة الثقافية البغدادية." (ص. 185). بمعنى آخر، ان "الحكايا"، ليست متعلقة او مرتبطة بالشواهد المعمارية على وجه الحصر، وانما تتوق المؤلفة الى تذكيرنا بخصوصية المكان، او بالاحرى "روح المكان"، وهو ذاته "جنيّ المكان" Genius Loci، بحسب مقولة الناقد المعماري النرويجي "كريستيان نوربرغ شولتز"، وهو تعبير لاتيني مقتبس من الاساطير الرومانية، التى تزعم بان كل انسان، وحيوان ومنشأ وحتى الأمكنة، تمتلك "روحاً" تحرسها ، وتكون من مهمتها ايضا تكريس وتحديد فرادتها، التى لا نظير لها. وفي سياق التنظير الحداثي فان "جينيوس لوسي" له تأثيرات عميقة في تشـّكل المكان معمارياً وتخطيطياً ومنحه استثنائيته، وهذه الظاهرة عبرت عنها خير تعبير المقاربة "الفينومينولوجية" <الظاهرتية>!. لكننا سوف لن نسترسل كثيرا هنا، في الحديث عن أهمية "المكان" تصميمياً، وسنكتفي بدلالات اهمية الفضاء المديني الذي تتمظهر فيه خصوصية و"روحية" المكان، التى اشارت د. غادة السلق اليهما، في معرض ذكرها لشارع المتنبي..
ثمة غياب (يمكن بسهولة ملاحظته في كتاب "مدينة الحكايا")، لشواهد العمارة البغدادية الحديثة. رغم ان المؤلفة وعدتنا في كلمتها التمهيدية، بانها ستتناول معالم بغداد "مطلع القرن العشرين ونمو بغداد اليوم". وبما انه <غياب تام>، ويبدو انه متقصد ايضاً، فاننا نحدس بان شواهد عمارة الحداثة، سيكرس لها كتاباً خاصا آخراً؛ كتاباً متمماً "لمدينة الحكايا"، تقص به غادة السلق حكاياته لنا، بمثل تلك المتعة والحنّية، التى غمرتنا بها وهي تسرد لنا "حكاياها"!. فالحكايا البغدادية معروف عنها، بان كل حكاية فيها "تلد" آخرى؛ تماماً مثل "توالد" حكايات <الف ليلة وليلة> البغدادية المشهورة. جدير بالذكر، أن نصوص الكتاب العربية رافقتها ترجمة بالانكليزية؛ ما يجعل من مادة الكتاب، نصاً مقروءا من قبل اوساط ثقافية متنوعة، إن كان ذلك محلياً او عالمياً.
واذ أود، في الختام، ان اطري مؤلفة الكتاب على صنيعها المميز، وأهتمامها العميق بشواهد بغداد المبنية، ودعوتها النبيلة لصيانتها والحفاظ عليها، فقد كنت آمل، بأن المؤلفة ستعير أهمية خاصة واستثنائية في اختياراتها لمفردات الجزء التصويري من الكتاب، والذي، في رأيي، لا يقل أهمية عن النص المكتوب. فبعض الصور المنشورة لا تستجيب نوعيتها الى اشتراطات الطباعة الجيدة. وكان الافضل إختيار صور آخرى بديلة عنها، أو عدم نشرها بالمرة، اذا تعذر البديل. ذلك لان المنشور منها، قد "شوشر" علينا لذة الاستمتاع بكتاب قيم، ومفيد وممتع؛ والمهم جدير بالقراءة والتأمل. □□
د. خالد السلطاني
مدرسة العمارة/ الأكاديمية الملكية الدانمركية للفنون
الصور:
1- غلاف الكتاب.
2- مئذنتا جامعي قمرية والخفافين.
3- شارع المتنبي.
4- ضفة دجلة مع ساعة القشلة.
اظغط على الصورة للتكبير



 
الاسم البريد الاكتروني