البطولة والنصر

جَوْهرُ البطولة هو الثِّقة بالنفس.

إنَّها حالة النفس المحاربة،

وأهدافها النهائية هي التَّحدي الأخير للزَّيْف والخطأ،

إنَّها تقول الحقيقة"

(رالف والدو أمرسون كاهن أمريكي

23/9/2006

ـــــــــــــــــ

شاهدت على شاشة التلفاز، أمس قبل صلاة العصر، رجلين شائخين هزّا كياني، وأعادا إليَّ الحياة الحافلة بالكلمات النبيلة لهذا الرجل الأمريكي، القسَّ، الخطيب، الأخلاقي، وكاتب المقالات الرائعة: أمرسون، الذي ما أن يعرف أي إنسان سيرته، إلاّ ويتعلّق بالأدب الأمريكي، وينفر من السياسة الأمريكية الرسمية في تجلياتها العنصرية والاستعلائية.

أما الرجلان الشائخان فهما أبوعلي حسن الماجدي، ومواطن لبناني من بلدة "عيتا الشعب". والمكان "ساحة النصر" في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث التفَّتْ الساق بالساق، وتآخت القلوب، وغسلت دموع الكثيرين من أبناء لبنان الطيبين شواهد أضرحة أبطال المقاومة اللبنانية.

علمت أن "الماجدي" نذر صوماً لوجه الله، هذا اليوم، وسيراً على قدميه مسافة طويلة تحت أشعة الشمس، إذا أنعم عليه المولى القدير برؤية التآخي العربي الإسلامي، كما في ضاحية الحرية أمس، وقبله.

وحقق اللَّه للماجدي مُناه.

أما الرجل الشائخ الثاني، فهو من بلدة "عيتا الشعب". وما أدراك ما "عيتا الشعب"؟، في حرب ال 33 يوماً. ولكنني أعتقد أن شيخ هذه البلدة الكريمة، كتب يومه الخاص في هذه الحرب يوم أمس.

حربه تلك كانت في يومها الرابع والثلاثين هي دموعه.

كثيرون منا مروا بحالات انهمرت فيها دموعهم.

وبيننا من يعرف صعوبة انهمار دموعه، لكنه عندما يجلس الى ربه، وليس معه في غرفته سوى نفسه، ويبكي.. دامعاً صامتاً، أو عائطاً مستغيثاً، فإنه يكون هو البطولة.

وعندما أتيح ل "شيخ عيتا الشعب" أن يطلّ على الناس من خلال التلفاز، تكلمت يداه، ونطقت عيناه دموعاً: أحسَسْتُ به، إنه وصل الى منطقة الرضا. لقد وصلت رسالته الى الله، كما يريدها هو. أما كيف يستقبلها الناس، فهذا شأن الناس.

وهكذا كان شأن "الماجدي" أيضاً. فهو صائم. صائم عن الطعام والشراب، وصائم عن الكلام أيضاً، وصائم عن النظر كذلك. هو قلب يمشي مع الناس، تظلِّله راية سوداء ودموعه.

وهنا البطولة التي هي والدة النصر ووليده. لقد انتصر "شيخ عيتا الشعب" على حبّه لوالده الشاب الشهيد، بحبّه لله تعالى. فالله تعالى هو الذي أعطى وهو الذي أخذ. وهو الباقي والمبدئ والكريم، ولذلك وضع هذا الشيخ كل تفاحاته في سلَّة الله.

أما "الماجدي" الذي يعرف ثقافة "المسيرات" بين بغداد والكوفة، وعرف تأثيرها العجيب على الأنبياء والرسل والربَّانيين والقدِّيسين والأحبار، فإنه غسل كل غبار "ضاحية الدنيا" أمس بدمعة صامتة من قلبه.

وحولهما، حول "شيخ عيتا الشعب" و"الماجدي" كانت البطولة خلقاً شخصياً، وكان النصر صناعة لبنانية يعرفها من خبر السلم والحرب.

حمعة اللامي

www.juma-allami.com

juma_allami@yahoo.com




 
الاسم البريد الاكتروني