النقد الفني الموضوعي

سعد الجادر

لامجال للحديث عن النقد الموضوعي إلا إذا كان الفن موضوعيا . وهو مالاعلاقة له بفنون الحداثة العبثية التي أنتجت الناقد المنافق ؛ لأنهما خارج المنطق والموضوع والتعبير والفن والجمال .

يتعايش في المجتمع مُنْتَجان للفن من مستويات واتجاهات مختلفة ومتباينة . وشتاّن بين فن نوراني وبين لافن . فن جدير ومتألق يتوقف عنده المشاهد للتأمل والإستمتاع ويرغب في تجديد متعته . ولا فن طائش وتائه في عتمة دامسة لايدخل أحدا الى قاعاته، وإن حصل فيمشي الزائر بخطوات سريعة نحو الخروج .

وعلى الناقد النزيه ان تكون علاقته بكل ذلك موضوعية . فهناك نقدا فنياً تدبّ فيه الحياة ، وآخر يسوده النفاق وتصول فيه الحرباء وتجول . فالناقد مطالَب بالصدق واضعا أمامه فيما يكتب الفنان وعمله والناس والتاريخ . لأن الناقد سيكون جزء من العمل الفني . لذلك عليه تقصي الكفاءة والحياد والمفردات اللغوية المضبوطة . فلا يكتب جزافا .

كما ان النقد الفني الموضوعي ليس وصفا سرديا لما تراه العين . بل مشاركة الفنان في خياله بحساسية جمالية موازية، والدخول الى روح رؤيته الابداعية وصورته الفنية، وكشف معاناته في إنجاز عمله، وإظهار مواقع الاجادة والاخفاق في المنتوج الفني . مما يُغني مسار الفن والفنان، ويطوِّر وعي وادراك المتلقي والمجتمع، والتمتع بالصورة الفنية من خلال جعل الفنون جزء من اهتمامات الناس اليومية، فيرفع قيمة الانسان وحقه في المعرفة والجمال .

ان أعمال الفنانين التعبيريين هي خير مثال على الانتماء الى الوطن والالتزام بقضايا الشعب وتقديم الفن والجمال . فن يتواصل مع الانسان بالمشاركة والحوار والإكتشاف والمتعة . وعند دراسة ونقد أعمالهم لابدّ من تحليل وتقريب الفائدة والجمال الذي يبدعوه : من صَيْرورته وعُنْفه ... وحتى المتلقي والتاريخ : موهبة الفنان وتكوينه، فضاءات المجتمع والبيئة والأشياء في الزمان والمكان، وفيما يراعي روح العصر الذي يقتحم مشهده الفنان الأصيل ليقدم المنتوج المفيد والجميل وأصداؤه التي تصدح بين واضح ومرموز وما يتطلب التفكّر والتأمّل للاستمتاع به .

وأتذكّر، خلال دراستي للتخطيط المعماري في معهد موسكو للهندسة المعمارية، مؤرخ الفن ذو الشهرة الواسعة البروفيسور الراحل " نيكولاي برونوف " ، الذي وكان مثال العالِم والناقد والأديب، وذو معرفة موسوعية دسمة بتاريخ الفن العالمي، ويجيد عدّة لغات، ويتمتع بثقافة بصرية ثريّة وعميقة، وبذوق جمالي سامي، وبلغة أدبية - فنية رفيعة . حتى أنّ بعض مستمعيه كانوا يحضرون من الخارج ؛ ومنهم أستاذا من المانيا يٌدَرّس موضوع تاريخ الفن، كان يحمل مسجِّلا في عنقه كالقلادة ويقول : آتي للاستماع إلى الذهب الذي ينطق به البروفيسور " برونوف " . وعندما أشرف على بحث جانبي كنتُ أقومُ به عن الفن في ثقافات الرافدين مستندا بالأساس الى مصادر باللغة العربية، كان يحضر الى المعهد خصيصا وخارج أيام عمله وهو في نهاية الستينات من عمره وفي أيام الثلج الباردة، ويقول بتواضع جم : آتي لأتعلم معك ما لا أعرفه عن ثقافة العراق القديم .

ويبقى خير النقّاد وأفضلهم، هم الفنانون أنفسهم الذين يحتلون مواقع الفنان والناقد والمتلقي . فالفنان الأصيل هو أحسن وأفضل من يقوم بنقد المنتوج الفني مضيفا قيمة جديدة هي : الفنان - الناقد، المسبوك عضويا في شخصية واحدة . مما يُرسي و يُصَعِّد ويُغني ويُرسِّخ حركة النقد في عالم الفنون الذي أساسه الفنان العارف جيدا بمخابر عالمه : موهبة وحساسية وتجربة ومنهجية ورؤية ووضوحا وفكرا ومعرفة وفنا وذوقا وجمالا وحركية وحيوية ... إضافة الى تفاعل الفنان مع البيئة المحيطة ومعايشته للمجتمع الذي يعبِّر عن جمالياته ومسرّاته، وعن مشاكله ومعاناته وهمومه .

وبذلك يضاعف الفنان - الناقد من أهمية المنتوج الفني من خلال التقريب بين العمل الفني والمتلقي . مما ينير، وبامتياز الطريق القويم نحو نقد فني موضوعي ؛ ويعلِّم فنان الحداثة العبثية وظهيره الناقد المنافق دروسا في الصدق والحقيقة والذوق والجمال ؛ ويسهم في إثراء مواهب الفنانين الشباب، ويوجز لهم بأن جوهر الفن وتجسيده يدور حول البيئة والانسان وحضارته على الكوكب الذي نعيشه .

ومثال على ذلك مانشره ( سمير فؤاد ، أخبار الأدب ، العدد 943 ، 21/08/2011 ) قراءة راقية من النقد الفني لأعمال الرسام المصري الكبير حسن سليمان ( 1928 - 2008 )، متعرضا وبمنهجية أكاديمية تحليلية مقارنة، بسيطة وممتعة الى :

- الخط في الفن ، والخط عند حسن سليمان ؛
- والفراغ في الفن ، والفراغ عند حسن سليمان ،
- والفورم في الفن ، والفورم عند حسن سليمان ؛
- والضوء في الفن ، والضوء عند حسن سليمان ؛
- والإيقاع في الفن ، والإيقاع عند حسن سليمان .

والناقد سمير فؤاد لايكتب عموميات ولا مغامرات لغوية تائهة، ولا يقدِّم إشارات هائمة لاعلاقة لها بالعمل الفني؛ بل يحلل على أسس وقواعد ومعايير واضحة وبسيطة ورصينة تمنعه من الانحياز والذاتية . إذ يضع اللوحة ويُشَرِّحها فنيا مُغْنِيا العارِف وفاتحا لعيون المتلقي المشاهِد العام . وقد نجح أيّما نجاح لعدة اسباب من بينها : انه هو نفسه فنان ، ويعرف الرسام، واستطاع تفسير العمل الفني ببساطة شديدة رابطا بين الفكرة والصورة، وعارضا الموضوع بشكل يتكامل فيه المنتوج الفني مع دراسته النقدية .

وبذلك يوسِّع الناقد ويعمِّق ويكثِّف مجالات الفائدة والجمال التي تركها الفنان حسن سليمان في أعماله التي تدل على التزامه بصقل الموهبة، وتوسيع المعرفة، وتعميق الحِرَفِيَّة، وتنويع أحاسيس الإيقاعات، والإصرار على الجودة . ومن خلال المقارنات التي يقدمها سمير فؤاد يتبيَّن كم من المهارات يحتاج الفنان الحقيقي والأصيل لكي ينتج فنا مفيدا وجميلا ومُبْهِرا . كل ذلك في جو من المعرفة، والإنفعال والمعاناة الإبداعية، والهدفية الواعية .

ولو أخذنا عنصر الخط فقط في إبداع الفنان حسن سليمان، إذ " يعتبر الخط بلا نزاع العنصر الأول في لغة التشكيل البصري بل يمكن بلا مغالاة أن نعتبره أهم عناصر هذه اللغة ..... ففي كتابه سيكولوجية الخطوط يصف حسن سليمان الخط قائلا :
الخط لايعبر مطلقا عن فراغ ، الخط يعبر عن النهايات .
الخط كقاعدة، الخط كبداية .
الخط كحد يفصل بين المتناقضات " الموت والميلاد " ، " الليل والنهار " .
الخط يعبر عن حافة " عن هاوية " .
الخط كتوازن سيكولوجي أي :
كرمز للتغيير اللوني " فاصل بين لونين "
كرمز يفصل بين الارادة واللاارادة، بين المعلوم والمجهول، بين الوجود والعدم، بين النهائية واللانهائية " خط الأفق "
الخط مرشد للبصر .
الخط كنسبة هندسية .
الخط كتعريف أبسط للأشياء . الخط يؤكد نهاية فورم .
الخط يحصر فراغا أي يكون إطارا لفراغ ، " حافة النافذة " .
الخط نتيجة لضغط وإندفاع ، أي نتيجة لشيء في حركة أو حركة شيء .
الخط استمرار حركة من ناحية المعنى التجريدي للحركة .
الخط كمساو لطريق حركة .
الخط كانطلاق نقطة .
الخط كاندفاع طاقة نشاطية . "

ويضيف الفنان حسن سليمان عن الخط في كتابه ( سيكولوجية الخطوط ) :
" التدرج من الإرتفاع الى الإنخفاض ( الدرجة ) .
التدرج من القوي الى الضعيف .
التدرج من الثقيل الى الخفيف .
التدرج من الصلب الى الهش .
أما الأسلوب الثاني فهو تمثيل البعد الثالث .... " .

كل هذا... فقط عن مواصفات وقيمة وأهمية وتردُّد الخط في فكر وفن حسن سليمان ، الذي يعكس منظومة معرفية وفنية واسعة ورصينة وراسخة في أعماله الإبداعية .

ومن مقدمة مقال ( الفنان حسن سليمان، إرسم صح لوِّن بتراب، مجلة مصر المحروسة ، القاهرة ، 12 سبتمبر 2011 ) نقتبس تثمينا لفن حسن سليمان :

" فن حسن سليمان فيه سمات الفن المصري القديم حيث آلهة الشمس والضياء، الأرض والفضاء ، حب الحياة والمتعة الحسية، والخوف من الموت والفناء والرغبة في الخلود . فن وجد في الانسان المعني المتجسد للوجود، ووجد في الأنثى قيمة العطاء وهبة استمرار الحياة، هي المثير للحواس والمحرك للوجود .... أبدع في تصوير نساء القاهرة، بنات البلد والفلاحات الوافدات الى العاصمة، وأحيانا بنات الذوات أو أنصاف الخواجات . صورهن في شتى الأوضاع والأماكن ، مضطجعات أو جالسات، أو مسترخيات، وضوء الشمس يحرق ظلال انحناءات وإستدارات أجسادهن مصرية السمة والمذاق في غالب الأحوال . "

" مواكب لهذا التمجيد للإنسان لم يغفل هذا الفن الأشياء الأخرى التي يحبها ويعيش معها من ورود وفاكهة وفخاريات وقوارير، ومساكن ومقابر، فهي المكمل لحياته، والمستثير لأحاسيسه، والمرقد الأخير الى حين . "

" كان كل من الحياة والموت حاضرين في فنه . "

" ... ظل حسن سليمان يدافع عن القيم التي آمن بها في فنه وفي حياته، وعاش ومات مؤمنا بأنه نتاج لهذه الحضارة الفرعونية، الهيلينية، القبطية، الإسلامية، ولكنه في ذات الوقت مؤمن بأنه إبن القرن العشرين، وأن انجازات الحضارة الأوربية في لغة الشكل هي لغة التخاطب الفني الآن . "

ومع ذلك لم يُقلِّد حسن سليمان أي من مشاهير رسامي الغرب لينسج على منوالهم، بل ظلّ مشدودا الى حقيقته الثريّة وتعبيره الذاتي عن كونه فنانا وكاتبا وناقدا وطنيا أصيلا تحسّس مواقع بلده، وهموم وأفراح شعبه، اللذان كانا مجالات استلهاماته وينابيع خصوبته وزاده الجمالي : روح الدرابين والفضاءات الساحرة للقاهرة القديمة، والروح الشعبية الأصيلة لقاطنيها، وخاصة النساء، وانطباعاته عن حياة الناس ومشاعرهم وتقاليدهم المتوارثة .

وعن ( هويدا صالح ، في مديح " نساء حسن سليمان " 15/01/2011 ) في قراءتها لكتاب ( عبلة الرويني ، نساء حسن سليمان ) الذي كتبته عن معرضه الذي حمل إسم " نساء القاهرة " وضمَّ : " أكثر من خمسين لوحة في فن البورتريه لنساء في حالات من الحركة والسكون، نساء قد تواجهك بطلتها المغوية أو رفعة ذراعها لتتشابكا فوق رأسها، فيظهر الصدر النافر، أو تمد يديها لتضم خصلات شعرها، فتبين تقاسيم الظهر من وراء ظلال الرمادي . مشاهد لنساء عرف كيف يُظهر أرواحهن من خلال الثنيات والتعاريج وانعكاس الضوء وظلال الألوان .... لكنه ورغم اشتغاله على جسد المرأة إلا انه أفلت من غواية الجسدانية والإثارة ..."

" تبرر الرويني موقفه من المرأة بما يتفق بذلك الشعور الوجداني الذي ينتقل للقاريء وهو يتأمل اللوحات .... فتقول : " عند حسن سليمان الموديل وجهة نظر، إنه يرسم رأيه في المرأة، في المجتمع، في الحضارة، ومثلما تمنحه الروح والإحساس، يمنحها الكمال والإكتمال، إنه يصحح الطبيعة بالطبيعة ذاتها، ويصحح النقص في حالتها بحالتها الأقرب الى الكمال، إنه البحث مرة أخرى عن " الجمال المثالي " القادر على تمييز النقائص والشوائب والتشوهات في الأشياء من صورها العامة، واستخلاص فكرة مجردة من أشكالها، تكون أكثر جمالا من الفن الأصلي، وهي صفة غالبة في التقاليد الكلاسيكية حيث للجمال قانون أو نموذج نمطي يُرضي العقل في تطلّبه للكمال ... " .

وكتبت ( صافي ناز كاظم ، حسن سليمان : على ظهر جواده إلى النهاية ، جريدة الشرق الأوسط ، 18/09/2008 ) : " حسن سليمان ابتكار في ذاته، عرفت كتابته وأحببتها قبل أن أعرف من هو . كان هناك في الستينات مجلة اسمها " الكاتب " وكان حسن سليمان يكتب فيها مقاله الشهري تحت عنوان ثابت هو " فنون تشكيلية " . فُتنت بأسلوب الكتابة والمزاج الغاضب الحزين من ورائها، ربما لأنني لاحظت انها تشبهني، كأنني أنا صاحبتها، أو كأنني كما أتمنى . كان ذلك عام 1968، حسن سليمان يكتب بشوق وتوق وعنفوان وتمرد وشجن وصخب أنيق لاذع، وتتلاحق تحت قلمه الصور الشعرية الغريبة والنادرة المازحة بين الخشونة والرقة في إيقاع باهر يغسل القلب من الحزن، وما يلبث حتى يملأه بحزن جديد تفرح به بدلا من الركون الى الصدأ . "

" نهاية 1968 سعيت لمقابلته وقلت له : أنت من أهم كتاب مصر وأفضل كاتب أقرأ له . مط شفتيه وهز كتفيه وقال : بلغت الأربعين من عمري . قال ضيف عنده : حسن فنان تشكيلي قبل أن يكون كاتبا . تنقلت بين اللوحات وكانت على الحامل لوحة لفتاة، اللون الأزرق غالب ومنجرف نحو الرمادي الذي أمقته . تأملت حسن سليمان وهو يتحرك يستخرج كنوزه . على قصر قامته كان يرفع رأسه ويشد ظهره ويتنقل بخطوات عملاق يخشى أن يصطدم رأسه بالسقف . عدت أحدثه عن الكتابة متغاضية عن اللوحات، فقد كانت هي الجانب الفذ الذي أراه لديه : يكتب نقدا، يكتب شرحا، يكتب تحليلا أو بوحا عن أوجاع الذات، الوطن/الذات، الذات/الذات، الإنسانية/الذات، هو كاتب في مدرسة فن كتابة كان أحد روادها الدكاترة زكي مبارك وحسن سليمان المستميت في الإخلاص لها . "

أترك الحديث عن هذا الفنان المتمكن الفذ الصادق الأصيل بخصوصيته الابداعية ورنين وأصداء جمالياته، وعطائه الثري للوطن والمجتمع وتاريخ الفن، وثقافته الغزيرة التي تعكس منابع المعرفة الواسعة والكتابة الهادفة وقوّة تبصّر الأشياء ... ومهارته النادرة في انصهار وتوزيع الأضواء والظلال لاستحداث وإظهار الأشكال : المليء والفراغ، واختزال الألوان، والإبداع الفني الزاخر بالتعبير والحيوية والجمال ... أترك ذلك للقاريء الكريم لكي يقارنه بانحطاط فنان العبث والناقد المنافق . و لن أكرر ماتحدثتُ عنه في مقالات سابقة عن فنان العدم الذي لايرسم صح ولا يلوِّن حتى بتراب . بل لايرسم ولا يلوِّن عندما يعرض لوحة فارغة ، أو يلتقط العفن من الأزبال، والجثث من المقابر، ومواد جاهزة من المحلات !

ضوء نوراني في تراث حسن سليمان، الملتزم بقضايا الانسان والجمال . مقابل ظلام مطبق وعدمية ولا شيء من فن، ناجم عن ضئالة وضحالة وخنوع وانبطاح فنان العبث، ونباح الناقد المنافق، وخُبث وعواء منظومة الشر والتخريب والإبادة للنخب الغربية الاستعمارية وأدواتها المحلية التافهة .


www.al-jadir-collect.org.uk
jadir959@yahoo.co.uk

اعمال الفنان حسن سليمان




 
الاسم البريد الاكتروني