لندن 2012 : ذَهَبٌ على ذَهَبْ

سعد الجادر

معرض الذهب البريطاني
يقام في المرافق الثقافية اللندنية سنويا عدد كبير ومتنوع من المعارض والتظاهرات الفنية، كما هو الحال في مؤسسات مثل المتحف البريطاني، ومتحف فكتوريا وألبرت ، والأكاديمية الملكية للفنون ، و
National Gallery، Barbican Gallery، Tate Modern، Tate Britain، Somerset House وغيرها .
إلا ان عام 2012 استثنائي ومتميز في أحداثه الثقافية والفنية واحتفالاته رغم تفاقم الأزمة المالية - الاقتصادية وارتباك الحكومة وما ينسحب على ذلك من مشاكل اجتماعية متعددة ؛ في مقدمتها ارتفاع نسبة البطالة وتوسّع مساحة الفقر ومعاناة الشباب من التهميش والإحباط واستمرار الركود والكساد وسط مظاهر ثراء الأغنياء الذين يملكون كل مايريدون .
فهناك اليوبيل الماسي للملكة اليزابيث الثانية، التي أكملت ستون عاما على عرش بريطانيا . وهي المناسبة التي شملت عدة فعاليات، منها : إقامة معرض " الملكة : فن وصورة " في ال Portrait Gallery الذي ضمّ لوحات وصور فوتوغرافية وأخرى كاريكاتورية عن الملكة وعائلتها وأنشطتها لستة عقود .
واحتفال الموكب الملكي في نهر التيمز، الذي تَقدَّمَه مشهد القارب الملكي المُذَهَّب مصحوبا بقافلة تتكون من أكثر من ألف قارب ومَرْكَب متنوعة في أشكالها وأحجامها وسط مشاركة حشود من الناس على ضفاف نهر التيمز، وعلى وقع الموسيقى والغناء .
ومعرض " العالم في لندن " الذي أقيم في " منتزه فكتوريا " ، ويمثل المهاجرون الى لندن من مختلف بقاع العالم؛ وإشارة الى البلدان المشاركة في الدورة الألمبية، التي أقيمت في لندن من 27 يوليو الى 12 أغسطس 2012 ؛ خاصة وقد أصبحت لندن أول مدينة في العالم تستضيف الألعاب الأولمبية لثلاث دورات : 1908 ، 1948 و 2012 .
واحتضن المتحف البريطاني معرضا ثرياً عن رحلة الحج الى مكة الذي كان ممتازا في عرضه لجانب مهم من ثقافة المسلمين، وقد استقطب عددا كبيرا من الزوار .
ويقام حاليا في المتحف البريطاني أيضا معرضا عن تاريخ الخيول العربية .
كما دخل المتحف البريطاني مع متحف فكتوريا وألبرت في تنفيذ مشروع مشترك لاقامة معرض للصور الفوتوغرافية باسم : " ضوء من الشرق الأوسط " ، الذي سيقام في متحف فكتوريا وألبرت، ويفتتح في شهر نوفمبر من هذا العام؛ ويضم مشاهد فوتوغرافية لواقع الحياة تشمل المنطقة الجغراقية الممتدة من بلاد المغرب حتى أواسط آسيا، وللفترة منذ أواسط القرن التاسع عشر وعبر القرن العشرين لأعمال مصورين محترفين وصحافيين وهواة .
وكجزء من فعاليات اليوبيل الماسي للملكة اليزابيث، ولتكريم المحفل الأولمبي الثلاثون ، فقد أقيم في مؤسسة Goldsith Company وبرعاية مجلس الذهب العالمي معرض Gold : Power and Allure واستمر العرض من الأول من حزيران الى الثامن والعشرين من تموز 2012 .
وتُعتبر مؤسسة Goldsmith Company الراعي والمنسق لصياغة المعادن النفيسة في بريطانيا . وقد وُجدت لتنظيم حرفة تجارة الذهب والفضة؛ وكان لها المسؤولية منذ عام 1300 لاختبار نوعيتهما . إضافة الى وسم مصوغاتها منذ القرن الخامس عشر . ولا تزال هذه المؤسسة تحتضن دائرة دمغ المصوغات من المعادن النفيسة . كما تقام في قاعاتها الفخمة معارض دورية عن مباهج وروائع فنون الصياغة المعاصرة .
ومبنى Goldsmith Company مليء بتاريخ وقصص واحتفالات ومعارض من الذهب والفضة التي تمتد جذورها بعيدا في التاريخ البريطاني . وهو من الكنوز الخفيّة في لندن، إذ يضم متحفا لفنون صياغة الفضة البريطانية غير مفتوح للجمهور . وقد تفضَّلت مديرة المتحف بدعوتي الى قاعته الضخمة والفخمة التي تضم بضعة الاف من التحف الفضيّة التي يغلب عليها أدوات خدمة المائدة .

الذهب معدن نفيس يرمز الى الشمس ، وتعادل ندرة وجوده بمقدار 0.005 غراما في كل طن من الصخور الحاوية على الذهب . وللذهب كَمّ كبير من الإستخدامات، أبرزها كحلي ونقود وفي الصناعة، مما يتواصل منذ آلاف السنين ليشغل مكانة مركزية في جميع الثقافات بفضل خواصه الفريدة : فالذهب لايتأثر بالماء ولا بالهواء، وهو موصل عالي للكهرباء والحرارة، ومقاوم للأكسدة والتآكل والتفتُّت، كما لايفقد بريقه، لذا يستخدم في طلاء المعادن الأخرى . والذهب ليِّن أثناء الصياغة، إذ يسهل صبّه في قوالب وليّه وثنيه ولفّه ؛ كما يسهل سحبه وطرقه : حتى ان أونصة واحدة ( 31.103 غراما ) منه يمكن تحويلها الى سلك يمتد طوله لأكثر من مائة كيلومتر . و يمكن طَرْق نفس الأونصة الى صفيحة رقيقة تغطي مساحتها تسعة أمتار مربعة .
وقد شجَّعت هذه المواصفات الفريدة الصاغة وفتحت أمامهم مجالات واسعة لاستخدام الذهب كوسيط مفضَّل للابداع الصياغي غير المحدود . اذ يحوِّل الصاغة سبائك الذهب الى تحف و رموز وقوى ثقافية متوارثة تعكس سلطة الملوك والحكام وقوة الدولة، ومكانة الأثرياء، وبطولة المقاتلين، وتنافس الرياضيين، وعبقرية المكتشفين والمخترعين؛ مثلما تشير الى زينة النساء والرجال، وإلى الحب والفرح والصداقة والهدية ... وبهجة الأعراس ... والارث .
وبذلك فقد احتل الذهب ولا يزال مكانة مركزية في مختلف ثقافات العالم نظرا لرفعة قيمته الاقتصادية والاجتماعية . وتُظهر أسعار الذهب المرتفعة حاليا حفاظه على أهميته التي تفوق العقار : إذ يمكن تحويل الذهب الى مال سائل في الحال ؛ بينما قد يتضوَّر صاحب العقار إن أراد بيعه الذي يستغرق وقتا طويلا وقد يجبره على تقديم تنازلات كبيرة .
ورغم ذلك فان الذهب لاَيُقَدَّر بسعره الاستثماري ولا بسعر إذابته فقط، بل بالفن والجمال الذي يعكس مواهب وحذق الفنانين و الصاغة ومهرة الحِرَفيين الذين يحوِّلون سبائكه الى تحف وكنوز . غير ان المفارقة المؤسفة تكمن بين إدهاش المصاغ من جهة ، وبين فقدانه لكل مايمثله من تاريخ وزخارف ورموز وقصص عندما تُذَوَّب المصوغة و تتحول الى سبيكة صمّاء .
وبذلك يُعتبر هذا المعرض الذي سلمت تحفه من الاذابة حدثاً نادراً وفرصة ثمينة لمشاهدة الكثير من المصاغ الفريد والنادر . فهو يستعرض بشمولية غير مسبوقة تاريخ فنون صياغة الذهب في بريطانيا الذي يمتد الى 4000 عام .
وقد ضم المعرض تحفا اكتشفت من خلال الحفريات الأثرية، التي يرجع أقدمها الى حدود 2000 - 1500 ق . م . وهي عبارة عن مُعَلَّقَة هلالية الشكل . الى جانب مصوغات تُعرض لأول مرة ؛ وتحف تم جمعها من متاحف بريطانية وعالمية ومن مجموعات خاصة .
وفي المعرض مايزيد على 400 مصوغة فيها الحلي والصحاف، وأدوات خدمة المائدة والأكواب والأباريق ، والعلب ، والمنسوجات باسلاك ذهبية ، وتحف موشحة بالمينا الملونة والمينا السوداء ، وميداليات مسابقات رياضية ، وأختام ونياشين ، ومسكوكات ، وتيجان... وسيوف ...وطُقم أسنان ... وإطار نظارات ... ومعروضات متنوعة تأسر المشاهد وتأخذ بلبِّه : فأينما يدور برأسه يرى ذهباً : بريقاً وتحفاً وعرضاً جميلاً وأخّاذاً ؛ فيتذكَّر حفلات تتويج الملوك والملكات ، والكنوز التاريخية العظيمة والمُذْهلة ، مثل ذهب توت عنخ آمون الفرعوني ، و ذهب النمرود الآشوري ، وخزائن الذهب التاريخية في شتى الثقافات ...
كما تعكس التحف المعروضة التطوّر التاريخي لفنون الصياغة وإتقان المهارات الصياغية : شكلا وزخرفة وإخراجا . ورافق المعرض كتاب نفيس يحمل نفس إسم المعرض . بالاضافة الى محاضرات مصوّرة قدّمها اخصائيون وخبراء في فنون الصياغة البريطانية .

الدورة الثلاثون للألعاب الأولمبية في لندن
وباستخدام الذهب رابطاً بين صياغة التحف الذهبية في هذا المعرض ، وبين الميداليات الذهبية التي حصدها المتنافسون إبان الألعاب الأولمبية ؛ فقد ضمّ معرض الذهب نماذج من ميداليات الألعاب الأولمبية التي كانت تُسَكّ من الذهب الخالص ؛ وليس من الفضة المَكسوة بالذهب كما هو حال ميداليات الذهب في الدورات المعاصرة للأولمبياد . ويُذكر ان هناك أربع دورات أولمبية فقط استخدمت ميداليات من الذهب الخالص منذ عام 1896 وهي : دورة باريس عام 1900 ، ودورة سانت لويس في الولايات المتحدة عام 1904 ، ودورة لندن عام 1908 ، ودورة استوكهولم عام 1912 . أما ميداليات الذهب الأولمبي الحالية فتسك من الفضة التي تكوَن 92.5 % من وزن الميدالية الذهبية ، أي مايعادل 370 غراما مكسوَّة ب 1.34 % من معدن الذهب ، أي بحوالي ستة غرامات فقط ، والباقي من النحاس ؛ ويبلغ سمكها سبعة ملليمترات ؛ وقيمتها 644 دولارا أمريكيا ؛ وتمت صناعتها في دار السك الملكية البريطانية .
وقد وزعت في أولمبياد لندن حوالي 900 ميدالية ، منها 302 ذهبية . واحتلت الولايات المتحدة المرتبة الأولى وبحصد 46 ميدالية ذهبية ، ثم الصين التي كان رصيدها 38 ميدالية ذهبية ، وبعدها بريطانيا التي حصل رياضيوها على 29 ميدالية ذهبية ، ثم روسيا ب 24 ميدالية ذهبية ... وكان نصيب كل أمة العرب ذَهَبِيَّتَيْن فقط !
لندن المدينة الكسموبوليتية التي يقطنها ثمانية ملايين نسمة ويؤمها يوميا ملايين إضافية للعمل والتبضّع والسياحة . وكأي عاصمة و حاضرة ضخمة في العالم تستهلك طاقة وزمن المقيم والزائر نظرا للزحمة في شوارعها ، واتساع المسافات بين مكان وآخر ، والنبض السريع لايقاع حياتها اليومية الذي يجعل الوقت يمضي سريعا . إضافة لما يُميَّز لندن من تقلبات حادة في أنوائها الجوية حتى خلال اليوم الواحد . عدا دَوْر مناخها الذي وكأنه أنتج مدينتين : واحدة في الشتاء ، نهارها قصير وضوؤها قليل وضعيف وحرارتها منخفضة ؛ و لندن الصيفية بأيامها المشمسة ، على قلتها ، وحرارتها المناسبة ويومها الطويل والمضيء .
وفي هذه الأجواء الصيفية الجميلة احتضنت لندن المحفل الثلاثين للألعاب الأولمبية . وهو مهرجان عالمي دوري يستعرض ثقافة البلد المضيف ، ويشمل ذلك تهيئة السبل الكفيلة بإنجاح استضافة الوفود ، وإظهار منجزات البلاد ، ومتابعة المنافسات الرياضية العالمية الشريفة كنوع من حوار الثقافات والتعارف والتساكن والتعايش بين الناس ؛ خاصة وقد شارك في هذه الدورة الأولمبية وفود 204 بلد ، وهو رقم غير مسبوق في استعراض التعددية الثقافية لشعوب الأرض .
وحبّذا لو انسحبت فكرة الأولمبياد ، وبنفس هذه الروح الرياضية التي تمارس المساواة والنِدِّيّة والإحترام ، على العلم والفن . خاصة وان مساهمة العلوم والفنون ، في تبادل الخبرات و تطوير المجتمعات والحضارة الانسانية أعظم وأكبر وأهم من دَوْر كرة القدم والركض والقفز والسباحة ورفع الأثقال ... وان مجالات العلوم والتقنية والفنون حَرِيّة أكثر من الرياضة برصد التمويل السخي لتطويرها . أم ان المطلوب من حوار الثقافات ان يتم فقط من خلال الرياضة ، بعيدا عن حقوق الشعوب في الغذاء والسكن والصحة والتعليم والمرافق والخدمات ... والفن والجمال ؟ . وهذه هي المجالات الحقيقية التي تقود الى تعددية ثقافية انسانية ، تعدُّد التجارب والهويّة . وليس تنميط الجميع غصْباً وقسْراً بثقافة عولمية واحدة تحت رحمة أحلام السيطرة الامبريالية المسلحة بترسانة يتفاخر أصحابها بقدرتها على إفناء الكوكب عشر مرّات !
صاحَبَ الأولمبياد شعوراً عاماً بالفرح والمتعة سواء في الأوساط الشعبية أم بين المتسابقين المتنافسين على الذهب والفضة والنحاس . وقد ظهر ذلك بجلاء إبان حفلتي افتتاح واختتام الدورة . إذ عمّت المناسبتين مباهج من الغناء والإستعراضات والمشاهد واللوحات البصرية التاريخية والثقافية والفنية البريطانية ... التي ضمّت أشهر نجوم موسيقى البوب والغناء .
وعبر موجة التصفيات و تحطيم الأرقام القياسية ، تضاعفت الفرحة في الأوساط العامة إثر إحراز الفريق الأولمبي البريطاني على حشد كبير من الميداليات لم يكن متوقعا ، ولو انه جاء الثالث في الترتيب بعد الولايات المتحدة والصين . خاصة وقد حقَّق أفضل نتيجة يحصل عليها الفريق البريطاني منذ الدورة الأولمبية لعام 1908 . وحالما استثمر الساسة هذا النجاح للفخر ولإذكاء الشعور الوطني وبثّ الأمل في النفوس وللتغطية على فساد الساسة وقذارة السياسة وتراجع الأحوال المالية - الإقتصادية في البلاد .
وكان اطلاق احتفالات الأولمبياد بافتتاح معرفي - فني - جمالي بهيج ورائع ومتنوع ومشَوِّق استعرض تاريخ تطور بريطانيا وصعود ثقافتها اقتصادياً واجتماعياً وتثبيت الهوية البريطانية حتى أصبحت الإمبراطورية التي لاتغيب عنها الشمس ؛ والتركيز على منجزات البلاد من خلال مشاهد من الزراعة ، والتأكيد على انطلاق الثورة الصناعية من بريطانيا وأثرها على كافة مجالات الحياة من شبكة استيطان ومواصلات ومناطق صناعية ومرافق وخدمات عامة ... وحتى منجزات الحاضر : زمن الإنترنيت .
لكن لم تتعرَّض برامج افتتاح الدورة الأولمبية الى الدعم الحيوي والأساسي لصعود بريطانيا عالميا من خلال غنائم الحركة الإستعمارية . فقد استعمرت بريطانيا بلدانا وقارات امتدت من نيوزيلندا واستراليا والصين حتى كندا وأمريكا ... ولقرون وعقود . كما جنَّدت مئات الآلاف من شباب المستعمرات في الجيوش البريطانية لمزيد من الغزو والنهب ؛ في الوقت الذي لم يُخَلِّفوا ورائهم تنمية وتطويرا وعمارا في مستعمرات مصّوا دمائها ولا تزال تعاني من كل شرور التخلف والجهل والبطالة ؛ وفي مقدمتها العراق المنكوب .
وفي الوقت الذي كان المحتفلون ومشاهدوا التلفزيون يفرحون ويستمتعون بمشاهد وأنوار ووهج هذا المهرجان الكبير ، يعوم الشرق الأوسط في ظلمة قاسية ودموية وظالمة ؛ تمثّلت خير تمثيل بالمفارقة السوبر سريالية : فبينما كانت أغنية " الحرية " ، بالصوت والصورة ، تصدح في أرجاء الملعب الأولمبي أثناء الحفلة الختامية ، ومنه الى فضاء العالم أجمع ، فان النخب الغربية لاتزال تتمسّك بالفكرة الارهابية التي يقوم عليها الاستعمار : غزو البلدان وإبادة سكانها وتدمير مدنها ونهب مواردها وثرواتها . والتي يُمَثِّل مَحْق العراق وتخريب حياة ونفوس العراقيين باسم تحريرهم خير واقع لحقيقة " الحرية " التي تَغَنَّوا بها في الملعب الأولمبي ، ويتغنون بها كذبا ونفاقا كلما لاح لهم غزو جديد!.




 
الاسم البريد الاكتروني