من قتل حنا مقبل ؟

5/5/1984 ـ جريدة الخليج

ـــــــــــــ

..وحنا مقبل ليس آخر هم!

أيها القلب، يا هذا المسكون بالفراشات وصغار الغزلان، والعصافير والأزهار البرية، كتب عليك أن تشيع أصدقاء الروح بالكلمات، تلتقط أخبار قتلهم من المبرقات أو من أفواه الزملاء وتبقى في "ردهة التحرير". تحاول أن تعيد اللحمة إلى الزمن، ولكن هيهات..!

ما أبشع القتلة!

وما أطول القائمة: من شاكر محمود، إلى شمران الياسري، إلى موسى شعيب، إلى خالد زكي، إلى.. وإلى: والقاتل واحد.. الإرهاب العربي!

هل يكفي ندب الأموات؟

هل تكفي إدانة القتلة؟

هل يكفي لعن الإرهاب؟

لقد كانوا مشاريع تتجه نحو أهدافها بكل جسارة، من قال أن الإنسان مشروع ناقص أو مؤجل؟ ها هم القتلة يجيبون على هذا السؤال: في اللحظة التي سقط فيها حنا مقبل وخالد العراقي فوق رصيف في بيروت أو نيقوسيا، برصاص الغدر، ارتفع علم الحرية فوق مساجد وكنائس وصالات العرض المسرحي، في كافة أنحاء العالم، ان القتلى يقومون الآن، كما يقوم جيش المقهورين الدولي ذات يوم.

يقوم حنا الآن،

أيتها الكاتدرائية الحالمة بالسلام الأبدي، هوذا ابنك يدخل جسدك، بجسده الحربي. أيتها الكاتدرائية المقدسية المستسلمة لملكوت المهادنة، انثري شعرك في الهواء الطلق، أطلقي ذراعيك في هذا السكون المميت، وقولي كلمتين، كلمتين فقط، من أجل سكينة "أبو ثائر".

***

في نهاية العام الماضي أثناء ما كنت قاصداً طرابلس العربية اللبنانية، التقيت حنا مقبل في نيقوسيا، كانت ليلة فقط، في مطعم ليلي، كله فرح، تناولنا سمكاً واشترينا شيئاً من الذكرى، سألته: والآن يا "ابا ثائر"، ماذا يُراد لنا في كل هذا الإقتتال والإختلاف؟.. قال: لا أزال أعيش واعمل تحت رحمة المخابرات الإسرائيلية.

وقبل عدة أسابيع، اتصل بي حنا مقبل هاتفياً وقال: ان بيت "رشاد أبو شاور" محاصر الآن، أرجوك أُكتب شيئاً عن هذه الفظاعة.

كان حنا مقبل دمث الأخلاق، لدرجة لا تطاق، في هذا الزمن غير الأخلاقي.. والرديء!

***

كيف نحافظ على الأحياء؟

لقد سرقوا "أبا ثائر" من بيننا، تماماً كما سرقوا سابقيه من بيننا أيضاً، ونحن لا نفعل، الآونة ؛ سوى إصدار بيانات الشجب والإستنكار، والإعلان الكاذب عن صون الحريات.

أه.. ما أقبحكم "أولاد ال..."!!

يومياً.. يموت واحد منا وتستمر القافلة الرسمية.

يومياً يُسرق من حياته مثقف عربي والكل يهجع إلى السرر المدفأة أو المبردة بضرائب الشعب.

يومياً يكتب الإرهابيون والقتلة اسماً جديداً على لائحة الأنتظار العربية، وهذا الركب العربي يشد الرحال إلى عواصم الإصطياف العالمية. ولكن فاقد الشيء لا يعطيه!

كيف ينفر عرق في جباهنا ونحن نرى شعوبناً تُذبح ونقدم سكيناً للجزار؟ كيف ندافع عن مخادعنا الزوجية ، ونحن نوظف ذكورتنا وفحولتنا في شتم بعضنا ، والترحيب بالأعداء فوق أراضينا؟

كيف نؤكد حرارة دمائنا ونحن نبيع الأرض والشرف لأعدائنا؟

كيف يتيسر لنا احترام تاريخنا وعروبتنا وإسلامنا ونحن نخطو نحو التصادق مع الأعداء ونكرس مخاصمة الأصدقاء؟

كيف نحافظ على أنفسنا، ونحن نقدم لسارق حقوقنا، ولاءاً يومياً، بل لحظياً، ونهدي لقتلة الأنبياء أعز ما لدينا: كرامتنا وحقنا السماوي بخلافة الله في الأرض؟!

فقدنا الجسارة،

نحيي بطولات أجدادنا في قصائد المدح العمودية، وفي مسلسلات التلفزة، وفي المناسبات الوطنية الخالية من الروح الوطنية، ونلتزم بالشهداء بعد قتلهم بدقيقة، بينما كنا، قبل ذلك بلحظات نبصق في وجوههم، أو نحرض التافهين على إهانتهم؟!

على الأحياء أن يتكاتفوا مع الأحياء، بعد كل هذا الذي جرى لحنّا مقبل وكوكبة شهداء الكلمة والحرف والعقيدة والموقف في وطننا العربي الكبير.

***

الذين جعلوا من استشهاد حنا مقبل مادة لتسعير الخلافات الفئوية..

الذين استغلوا استشهاد حنا مقبل للقول أنهم على حق..

الذين قبلوا صداقة حنا مقبل بعد موته فقط..

هل تعرفون معنى الخجل؟!

***

منذ أواخر عام 1978، طلّق حنا مقبل الإنتماءات الفئوية، كنت شاهداً على تلك الفترة بكل تفاصيلها، وبكامل أسماء لاعبيها قال: سأجعل من "القدس برس" مؤسسة حقيقية، سأحاول أن أضخ إلى الناس، من خلالها، ما يمكن أن يساهم في إجلاء الحقيقة. وكبرت المؤسسة فعلاً وانتشر حنا وزملاؤه، وآخر ما كان يفكر فيه الفقيد هو مشروع مجلة عربية قومية اسمها: دفاتر عربية.

***

لو كانت أوضاعنا سوية..

لو كان مسموحاً لحنا مقبل وغيره أن يكون مقر "القدس برس" في مدينة عربية.

لو كنا نستطيع تنفس الهواء في ديارنا العربية..

لو نستطيع رفع أصابعنا احتجاجاً فوق أرضنا العربية.

لو كان في وطننا ظل للديمقراطية.

لما استطاع الذين قتلوه في نيقوسيا قتلة!

حنا..

يا "ابا ثائر"

من اغتالك؟

ومن قتلك؟

ومن هجّرك من القدس؟

ومن نفاك إلى قبرص؟!

القتلة نحن.

والمغتالون نحن.

والمطالبون بثأرك نحن.

يا للفضيحة!!

جمعة اللامي

WWW.JUMA-ALLAMI.COM

كتاب " الحرية والثقافة / ذاكرة المستقبل "





 
الاسم البريد الاكتروني