مرآة المرايا


ابراهيم سعيد الظاهري


منذ ساعة ، منذ أيام ، منذ سنوات ، منذ ثقب اسود ،

او منذ "لا أدري" ،

 تفرست في بركتي ،

 فرأيت رجلاً يقابلني يحثو ترابا على الجهات كلها ،

 بينما كانت نفسي تصور لنفسي ان الرجل ينثر صنوبرا وأرزا على راسي .

سمعت صدى ابتسامته تتردد :ع ـ

 ل ـ

 ــــي ،

ـــــــي ،

ــــــــــــــــــي ......

 

أمسكت بالوفت ، مثل منديل ورقي ، وأدنيته من أنفي : ثمة سعوط ورائحة شواء ،

 وصوت بشري ،

 ربما يكون صوت "الشاعر" في شعب " بوان".

 

هكذا أتيت ، من دون أن ادري ، مخفوراً بعزلتي ،

محروساً بوحدتي ،

 حيث الليل انتهى ، ثم جاء النهار ،

 ومر الصيف ، فالربيع ، فالخريف ، فالشتاء ،

 فاللافصل ،

 مر الوقت ،

 انقضى العماء ،

 حتى الماموثات نفقت ، والأباعر فتحت رجليها وأهرقت ماءها ،

بينما هدهدي لا يزال يبحث عن رأس جبل يؤويه.

 

أيها الوعد ،

 كل الذين أحبهم رحلوا ،

 وفي هذا الصباح ، لا وقت ولا عماء ثمة ،

 بل لا يوجد ما يمكن أن أسميه ملموساً ،

 أو محسوساً .

 

 كل ما يحيط بالأشياء " شيء ما " يجعلها خارج تسميتها.

لم ألتق أحداً ،

 كأنني الشجرة الوحيدة الاولى قبل أن تصير غابة .

 

 ماهو ماضي الشجرة ؟

ساعات .

نعم لا شيء سوى الساعات الأكثر اكتراثاً بزمنها.

ساعات ،

 ساعات .

زمــــن.

 

 آه لو تعرف أيها الزمن ، أنك ـ الآن ـ عجينة فوق خنصر كفي اليمنى ،

 وإنني ألهو بذاك الذي لهوتَ به ، وأتقاذفه أنا وذلك الذي يشبهني ولا يشبهني في عمق المرآة .

 لكنه يظل يعيط  اً أمام وحدته :

ماذا بعد الوحشة ؟!

 

الرجل الذي يواجهني في المرآة ، تجاوز إطار الزجاجة العمياء ، ثم نزل إلى الشارع ، بعد أن مر بطوابق المبنى الشاهق ، طابقاً طابقاً ، لكنه لم يجدني .

هو كان يبحث عني ، ممسكاً بورقة بيضاء صغيرة ويتهجى أوصافي.

 

هو أسمر ، وأنا كذلك .

 نحن متشابهان تماماً .

هو يفكر ، وانا كذلك .

 بيد أنه لا يعرفني ، أو لا يريد ذلك .

هذا من شأنه .

 

 أما شأني انا ، فهو العروج في خطوط كفي اليمنى ،

حتى يترصدني شبيهي ـ مرة أخرى ـ فألتجيء إلى ذلك الكهف الذي وجد نفسه فيه.

 

الكهف ، اكتشاف " السهر وردي الشهيد " .

" ما دمت فيها ، فلن تعرف شيئاً " قال لي .

 وقال لمريده : "يا فتى ... إبْنِ عليَ.".

وهكذا كان عليّ ايضا .

 لقد بنيتُ على نفسي بنفسي .

 

الكهف ، أيضاً ، كان ممر " التستري القتيل " إلى كهف آخر .

 كان يجدف في الأسواق نهاراً .

 وفي جوف الليل حين يخلو إلى مرآته ، يخلع طيلسانه الحرير ،

 ويقول للناس

: "هذا لكم" .

ثم تظهر على جلده قماشة من " ليف " نخيل اليشن .

 

رأيت (عين) الأسم و(لاءه) و(ياءه)" ، فيما كنت أجري خلف شبيهي في مفازات طفولتي ،

 يناجي نفسه :| " يا دنيا غريِ غيري !".

"أفبعد هذه الوحدة ، تسأل عن الوحدة؟". سألته.

" لم يبق أمامي إلا نقلة الوحشة".

" يا علي ؟!".

"لا تلعب ، يا جمعة ، من هو الشبيه ، أنت أم أنا ؟".

 

رأيت إلى المرآة ، فرأيت ، ( نقطة باء البسملة) والتستري ، والسهروردي ، والحسين بن منصور ، والجنيد ، وبوذا ، ونيتشه ، وزيد بن عمر بن نفيل و ... و... و..

والقادم الموعود.

 

ولم يكن ثمة ( في ) المرآة ، الا انا وهو.

 

جمعة اللامي

www.juma-allami.com




 
الاسم البريد الاكتروني