أكتب لأنجو من خراب الروح

* حُكم عليّ بالسجن لمدة 12عاماً أمضيت منهم ست سنوات متواصلة في أغلب سجون العراق ومعتقلاته

* إن من يكتب بعيداً عن الحقيقة الثقافية لشعبه وعن تطوره التاريخي يقع في خطأ تاريخي

* تطوعت بالجيش العراقي من أجل نشر برنامج الحزب الشيوعي بين صفوف القوات المسلحة العراقية

* أكتب عن مفهومي للحرية والإنسان المضطهد من الجلاد "الرسمي" والجلاد "المناضل"

* قرروا إحالتي إلى "محكمة الثورة" بقرار من البكر .. ووشاية من طلفاح .. وصمت صدام

 

في حوار اجراه له خليل الجيزاوى عند حضوره معرض القاهرة الدولي للكتاب 

الروائي العراقي جمعة اللامي مواليد 1/7/1947 في مدينة العمارة بمحافظة ميسان، بعد خروجه من السجن اختار الإمارات كمنفى اختياري؛ ليعيش فيها منذ ثلاثين عاماً، وهو صاحب تجربة خاصة جداً؛ لأنها تجربة ثمرة عقود طويلة، منذ الستينيات، ولا يزال العطاء موصولاً إلى الآن، وقد بدأ في مرحلة تاريخية حساسة شهدت فيها القصة القصيرة العربية مخاضات حداثية وتجريبية مهمة، وفتحت آفاقاً جديدة ومشرعة للكتابة القصصية. وجاءت مساهمته لافتة للأنظار، منها تجديد شكل القصة القصيرة العربية التي نأي بها عن القواعد المألوفة، وهو يعد في طليعة القصاصين العرب الذين رصدوا كوابيس وشجون المرحلة كالقمع والمنع والملاحقة والسجن برهافة إبداعية وسخرية سوداء تحضر الذاكرة التراثية حضوراً قوياً ودالاً، وقد بدأ ينشر قصصه في الدوريات الثقافية منذ عام 1964، وأصدر للمكتبة العربية ثلاث مجموعات قصصية: من قتل حكمت الشامي؟ 1976، واليشن 1978، والثلاثيات 1979، وثلاث روايات: مجنون زينب 1998، والمقامة اللامية 1990، والثلاثية الأولي 2000، وقد عمل طويلا في الصحافة: مدير تحرير مجلة ألف باء العراقية خلال السبعينيات، ثم مدير تحرير جريدة الخليج اليومية بالشارقة 1980ـ 1985، وهو الآن كاتب متفرغ بجريدة الخليج حيث يكتب زاوية يومية بعنوان: ذاكرة المستقبل، وقد حاز جائزة السلطان قابوس للإبداع الثقافي 2006 ـ 2007 في القصة القصيرة .

 حول خصوصية تجربته مع الاعتقال والسجن والكتابة وبمناسبة حضوره معرض القاهرة الدولي للكتاب   كان اللقاء وهذا الحوار:

 

* الأديب ابن المكان ... حدثنا عن سمات المكان وأثرها عليك؟

ـ ولدت ونشأت في جنوب العراق، حيث الانقسام الاجتماعي الحاد والظلم والفقر، والحزن غير القابل للانتهاء، في البيوت وبساتين النخيل والمساجد والأسواق، ومظاهرات الطلاب والعنف المضاد، والمطاريد والفتوات، ومشاجرات الصيادين ومعارك العشائر. في وقت مبكر من مرحلة الدراسة الابتدائية، كنت أكتب مواثيق الأحلاف بين العشائر والقبائل، ورأيت بأم عيني كيف يظلم الفلاح الجنوبي، والتباين والتمايز بين العرب الصرحاء وبين أبناء القوميات الأخرى المهاجرين من البلدان المجاورة، كما لاحظت الحياة السرية لعدد من العوائل التي نزحت من شبه جزيرة العرب واستوطنت الجنوب العراقي، لواء العمارة (ميسان) تحديداً.

تأثرت كثيراً بتقاليد عاشوراء والمنابر الحسينية، وعشت حياة سفر أهلي لزيارة المراقد في كربلاء والنجف وبغداد وسامراء. وتأملت في انخطلفاتهم وهم بين يدي الإبدال والشهداء والعشاق المعاميد. وحفظت عن ظهر قلب رواية "أبي مخنف" وقصة "المياسة والمقداد" وحكاية "بئر ذات العلم" و "تغريبة بني هلال" حين كنت أخطو خطواتي الأولى في تعلم القراءة والكتابة.

 وقفت مشدوهاً أمام موت أخواتي الرضع، حيث لم يكن لوالدتي وسيلة احتجاج على الموت، سوى تكسير معاضدها. كما رافقت النساء اللاتي يخترن حياة الرجولة. 
صاحبت المغنين الجوالين والعشاق، وراقبت الحفلات الغجرية في منازل الموسرين، أو في الساحات العامة، ورأيت كيف يموت الناس وحيدين في مستعمرة الجدام بالعمارة. عشت تجربة "الدفن المؤقت" لموتانا       في العمارة، قرب مرقد السيد نور الذي هو أحد أخوال أمي، أيام فصل الشتاء، تمهيداً لنقل رفاتهم إلى النجف حين تجف الأرض.

تفكرت كثيراً في الحكايات الشعبية عن الأهوار. وشدّني كثيراً ذلك الحديث غير المنقطع عن ذلك "المنتظر" الذي سوف يظهر في آخر الزمان ليخلص العالم من الظلم. دخلت منازل المسيحيين، وأكلت الطعام مع العوائل اليهودية في العمارة. عشت تقاليد الصابئة وطقوسهم، وكنت أحزن من أجل أولئك الزنوج ببشرتهم السوداء وهم يتعرضون إلى العزل والاحتقار.

نزلت إلى سوق العمل، حمالا صغيراً، ولبّاخ طين مع عمال البناء، في أثناء العطلات المدرسية، من أجل تأمين ثمن ملابسي، وكراريسي الدراسية. 

 النوم علي الأرصفة

* ألا ترى تناقضاً بين اختياراتك فقد أحببت عبد الناصر وماركس وتيتو والحسين وعلي بن أبي طالب؟

ـ حين زرت بغداد، قبل بداية العقد الستيني، كان الأمر مدهشاً بالنسبة لي: الأحياء المعزولة للفقراء، الأطفال الأكراد الذين يعملون ماسحي أحذية، الآشوريون الذين يخدمون في الحانات، الكتابات السياسية على جدران منازل حي "البتاويين"، الصحف البغدادية التي تنشر "نبذ" السياسيين لأحزابهم، أخبار عن المعتقلات وموسكو وبكين وعبد الناصر وفهد، والشهيد عطا وأبي التمن والجادرجي.

تشكل لدي وعي اجتماعي حاد ومنحاز قبل أن تخضرّ شفتي العليا؛ لذلك كنت أتحدث عن عبد الناصر وماركس وتيتو وأبي ذر الغفاري والحسين وعلي بن أبي طالب ويوسف سلمان يوسف. كنت أرى في هؤلاء جميعاً، طلاب عدالة، وأنبياء وقديسين، يستحقون الاحترام والتبجيل.

 أحببت عبد الناصر لأنني متعصب لعروبتي، واحترمت ماركس لأن أستاذي "ممدوح الآلوسي" الذي اغتيل أمامي عند بوابة "مدرسة النضال" في بغداد، كان من أشياعه، واحترمت "أبا موسى" الشيوعي العراقي الذي كان أحد مؤسسي "جمعية أصدقاء الفلاح" في أهوار ميسان؛ لأنني كنت أعي مظالم الفلاحين.

 عندما انتقلت إلى بغداد، نهاية سنة 1959، انفتح أمامي باب لا نظير لضخامته، أدخلني إلى دارة لا حدود لنهايتها، فأخذت أقرأ بكثرة لماركس وسارتر وتوليستوي وكامو وشتا ينبك ودويتشر وتروتسكي وغاندي ونجيب محفوظ، وأرتاد دور السينما، وأحضر عروضاً مسرحية، وأتنقل بين الحانات، وأنام على الأرصفة.

 

* لماذا لم تستكمل مراحل تعليمك الجامعي؟

ـ لأنني تطوعت بالجيش العراقي برتبة مساعد ضابط لتأمين ظروفي المعيشية واستكمال دراستي الجامعية

بعد ذلك في القانون الدولي، ومن أجل تنفيذ برنامج الحزب ونشره بين صفوف القوات المسلحة العراقية بناءً

علي توجيهات قيادات الحزب الشيوعي العراقي.

 

 انقلاب 8 شباط

* هل تذكر لنا بداية انضمامك للحزب الشيوعي العراقي؟

ـ بين 1957 – 1960 بدأ وعيي يتشكل: اخترت ماركس، وانتظمت داخل تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي، في الخط الطلابي أول الأمر، ثم انتقلت إلى التنظيم المحلي لمنطقة خلف السدة الشرقية، وكان عملي ضمن تنظيمات الحزب في الخط العسكري، بين معسكر الحبانية ومعسكر الرشيد، معناه إمكانية أن يحلم شاب بتغيير كبير في حياته، وحين تمت لنا السيطرة على معسكر الحبانية في صيف 1962، عندما كان الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم يتعرض لمحاولة اغتيال مفترضة في غرب البلاد، أثناء اجتماع مفترض مع مسئول سوري في حينه، انكشف أمامي جانب ضخم من عملية الخداع التي كنت موضوعاً لها، كنا سيطرنا على معسكر الحبانية تماماً، وانتظرنا إشارة من إذاعة بغداد، كما أبلغني سالم يوسف اسطيفانا، الذي كان معه الرفيق علي حسين الرشيد التكريتي، العضو المرشح للجنة المركزية في حينه، وهو الذي سيبلغني لاحقاً، بعدما انتقل إلى سجن نقرة السلمان، برسالة الشهيد سلام عادل إليّ، وفيها يدعوني للدفاع عن الحزب الشيوعي العراقي، ولا يزال ضباط عراقيون وجنود عراقيون خدموا في معسكر الحبانية، يتذكرون موقفي في المحكمة العسكرية، رغم أجواء انقلاب 8 شباط 1963 في تلك اللحظات الحاسمة، كنت القائد الميداني لتنظيمات الضبط والجنود في معسكر الحبانية.

 وهكذا تصرفت كما ينبغي لثوري أن يتصرف: السيطرة   على مواقع الخصم، والانتقال لتثبيت واقع جديد، وبالفعل تم هذا . وما بين 1960ـ 1963 كان معسكر الحبانية الذي يتكون من  اللواء الثامن مشاة، والقاعدة الجوية التي تتكون من سربين من طائرات الميج 17، 19 إضافة إلي مخازن السلاح والتموين، كانت كلها تحت قيادتي ضباطاً وجنوداً، ولكن حدثت خيانة في يوم 5/1/1963 ما نتج عنه كشف التنظيم بالكامل .

 وكنت آخر من تم القبض عليهم، ويبدو أنني كنت أحلم بهذا الواقع الجديد؛ لأن مبادرتي اعتبرت من قبل القيادة الحزبية المعنية، "تمرداً". وهذا ما هذا جعلني أعتقد اعتقاداً كاملا أنني كنت موضوعاً لخدعة تاريخية، غير أن التجربة الأخطر في حياتي كانت سنوات سجني منذ 7/1/1963، حيث تم الحكم عليّ بالسجن لمدة 12عاماً أمضيت منهم ست سنوات متواصلة، في أغلب سجون العراق ومعتقلاته. وبالذات سجن نقرة السلمان الصحراوي الشهير على الحدود العراقية السعودية.

 

  الحرية لا تتجزأ

* ماذا تعلمت من تجربة السجن؟

ـ علمني السجن السياسي، أن فكرة الحرية لا تتجزأ؛ لأنني اكتشفت أن الحرية التي أنشدها مفقودة، فالسجن اليساري هو صورة مصغرة لسلطة مؤجلة . أي أن للسجن إدارته ومخابراته وجنده وكُتّابه ومثقفوه، وكنت أجد في هذا المشهد "الوجه الآخر" للسلطة القمعية خارج السجن؛ لذلك أخذت أتحدث عن الظلم الذي تعرض له السياب، وجريمة اغتيال "بول نيزان" واضطهاد الجواهري والبياتي، وكان هذا لا يعجب الشيوعيين واليمينيين على حد سواء، ومن جراء هذا الاختيار كدت أقتل على يد أحد الشيوعيين في سجن الحلة المركزي، بعد   أن تعرضت إلى "عزل" في المكان ،أي إنني عشت سجن السلطة، وسجن السجناء أيضاً.

 

كان القيادي في الحزب الشيوعي العراقي حسين سلطان، بتثقيفه المتواصل ضدي باعتباري أنقل وباءً مُعادياً للشيوعية، وراء تلك المحاولة التي أراد تنفيذها أحد الشباب من أبناء مدينة الكاظمية، وهو الآن مسئول كبير في تنظيم فلسطيني يتخذ من سوريا مقراً له.

 في 8 شباط/ فبراير 1964، في سجن نقرة السلمان، كتبت رسالة أعلنت فيها استقالتي من الحزب الشيوعي العراقي، وأودعتها أمانة العامل النقابي: فاضل رسن، عضو لجنة التنظيم المركزي للحزب في حينه، الذي أشاع رفاقه حوله اتهامات كثيرة، بعد اختفائه الغامض حين كان مع المقاتلين الأكراد البرزانيين، بعد مجئ حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة في العراق مرة أخرى 1968، منذ تلك السنوات اخترت ـ بعمق ـ أن أكتب في شأن مفهومي للحرية، والإنسان المضطهد من الجلاد "الرسمي" والجلاد "المناضل".

 الوحشس  

* متى بدأت أو عرفت الكتابة الإبداعية؟

ـ في بداية عقد الستينات من القرن العشرين، اكتشفت الفرنسي "بول نيزان" و "ما لرو" وأعدت قراءة "سارتر" و "كامو" وبعض الأدباء الروس من جديد، مثلما اطلعت بعمق، على أشعار السياب و البياتي والجواهري والشرقي وأدونيس، وشعراء مجلة شعر، والحياة الثقافية والسياسية التي رافقت نشوء وانتشار مجلة "الآداب" اللبنانية، وكذلك كتابات الجيل الأول من القصاصين العراقيين، والأجيال التالية من الأدباء المصريين والسوريين والجزائريين.

في السجن كتبت معظم كتابي القصصي الأول: "من قتل حكمة الشامي؟" الذي بقى لدى الرقابة قرابة خمس سنوات؛ لأنهم اعترضوا على قصة قصيرة عنوانها "وثائق الـ (الوحشس)"، التي تمثل الرمز الكودي لشعار الحزب الشيوعي العراقي: "وطن حر وشعب سعيد"، و نشرتها في جريدة "النهار" البيروتية، حيث وصفني فيها محررها الثقافي "عصام محفوظ" بأنني الكاتب العربي، وربما العالمي الأول، الذي يكتب القصة كما الفرنسي "أبولينير" في كتابة بعض قصائده.

 بعد ذلك، أثناء حياة "ما بعد السجن"، بين 1968 و 1969، فقدت كراسي القصصي الأول: "المسيح والجراد" الذي تضمن قصصاً وتسجيل كوابيس السجن، وتدوين الحياة السرية للسجن السياسي، أما كتابي الثاني: "اليشن" فكان التجربة القصصية الأولى في تحويل "المكان" إلى بطل، هكذا كان يرى عبد الرحمن منيف، لقد أعدت "أسطرة" الأسطورة في هذا الكتاب، وبنيت من جديد "اليشن" السومرية، بكونها المدينة العربية المتمناة والمنتهكة،    في الماضي كما في الحاضر أيضاً، وربما في المستقبل كذلك.

 حان الآن وقت كشف الجراحات العميقة في الروح، لقد وقف "المثقفون الرسميون" في الحزب الشيوعي العراقي، ضد هذه التجربة القصصية الجديدة.

   خادشة للحياء     

* لماذا وقفت المؤسسة ضد ما تكتب و منعت كتبك من النشر؟

ـ لقد اعتبروني داعية لليأس، بينما كنت أحارب آلة "الستالينية" و "الجدانوفية" وحيداً، ولكن بعد تجربة النشر في جريدة "النهار" جاءت تجربة النشر في مجلة "مواقف الأدونيسية"، عندما نشرت قصتي "يوم من حياة مدينة منسية"، التي هي: "اليشن".

وفي تلك الفترة كتب أحد المحافظين في صحيفة "الثورة" الناطقة باسم حزب البعث الحاكم ، وهو عبدالله الجبوري ، يطالب بإحالتي  إلى المحاكمة، معتبراً أن قصة "الليل في غرفة الآنسة م" مخلة بالآداب العامة، ومسيئة للذوق العام، وخادشة للحياء: كان عبد الله الجبوري، الموظف الكبير في وزارة الثقافة والإعلام في حينه، تزامن هذا الموقف بقرار إحالتي إلى "محكمة الثورة"، بقرار من الرئيس العراقي أحمد حسن البكر، بناءً على تقرير خطي من "خير الله طلفاح" في قضية مسرحية: "انهض أيها القرمطي هذا عصرك"، التي كانت تتويجاً لمطاردته لي، في أعقاب صدور كتابي الأول: "من قتل حكمة الشامي" .

وتطور هذا الموقف مع قرارمن المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي،( كما اخبرني غير صديق شيوعي ، ابرزهم الشاعر حميد الخاقاني ، وكان في حينه نحضر دعوة مشتركة في منزل عبدالرحمن منيف بدمشق سنة 19879 ) بعدم نشر أي كلمة تتعلق بي في صحافته الرسمية، وحيثما تصل يده إلى أي وسيلة إعلامية عربية: هذا ما سمعته من الدكتور محمد دكروب، وإلياس شاكر رئيس تحرير مجلة "الطريق اللبنانية" في حينه، وهو الموقف ذاته، الذي سمعت به من الشاعر حميد الخاقاني، عندما كان معنا ضيوفاً على الصديق عبد الرحمن منيف، بمنزله بالمزة بدمشق1987، وكان التطبيق المثالي لهذه المواقف كلها، بقاء كتابي الثاني: اليشن، قرابة ثلاث سنوات لدى الرقابة الحكومية، والرقابة المزدوجة التي تتعرض لها بعض أعمالي القصصية في مجلة اتحاد الأدباء العراقيين، كما حدث ذلك لقصة: "التستري".

  أما في "الثلاثيات" وحتى "مجنون زينب"، فلقد كنت أتابع مسيرتي الأولى ذاتها: الحرية في سباق تحققاتها  عند المتصوفة العرب والمسلمين، وأشخاص الإشارات الكبرى في تاريخ الحضارات العراقية والبشرية.

 خارج السرب 

* ما مفردات التجريب القصصي عندك؟

ـ يقول البعض إنني "الكاتب التجريبي الأول" في العراق والوطن العربي، هذا التوصيف لا يعنيني، ولكن عندما بدأت الكتابة سألت نفسي: هل أريد أن أكون صاحب تجربة خاصة ومتفردة أم تفصيل في مشهد متجانس؟ ومن هنا قررت أن أكتب خارج السائد وأحلق خارج السرب، ومن حقي أن أقول، إنني أكتب لأنجو من الخراب الذي كنت أكافح لأنجو منه، أو لأصرخ في برية روحي، كما الملك  "لير" : هبي أيتها الريح!

 

إن الطلقة التي اخترقت صدر أستاذي الشيوعي: "ممدوح الآلوسي" مدير متوسطة مدرسة النضال في رصافة بغداد من مسدس فاشي عراقي، والطلقة التي اخترقت جسد "بول نيزان" الشيوعي الفرنسي، من مسدس رفيق شيوعي فرنسي مبتذل، لا تزالان تؤرقان حياتي، وهما اعتراضي على التمايز حتى في جنان الله.

 اليوم وأنا أتجاوز الستين من عمري، وبعد أن شخت في عز شبابي، أتذكر "جاتسبي العظيم" وعذابات سكوت فيتزحرالد، وأشواق برديائيف، واشتياقات الحلاج، والموت الصامت للسهرودي الشهيد، وجنون بتهوفن، وعزلة جمال حمدان، وتجربة "وسيم خالد" المصري، وعالم سنوحي في منفاه، والتباري في التضحية كما هي حياة الأخوين الشهيدين: الحسين والعباس: لقد بنيت منفاي الخاص، منذ أن قرأت تلك الرواية العظيمة: الحقيقة ولدت في المنفى.

 إن منفاي ليس قبرص أو الشارقة، أو بغداد، أو الجزائر، منفاي روحي التي أعرفها ولا أعرفها، وموتي الذي يأتي ولا يأتي كما عبرت عنه في "الثلاثية الأولى". إن منفاي ليس الجغرافيا. أعرف ماذا يحدث لي غداً؟ أعرف تماماً إنني لن أنتهي! أعرف تماماً إنني وحدي الذي حملت جسدي، ووحدي سأسير مع جثماني، ووحدي سأبقى أبكى في برية روحي: "أنا مجنونك الأخير".

  عملية التواصل  

*هل في أعمالك وحدة متكاملة من حيث التواصل بين الماضي والحاضر؟

- نعم ولذلك ترى لو أخذت واحدة من قصص "اليشن" حيث تحدثت عن جمال الدين أبو يسار، نلاحظ أن الأجواء المحيطة به هي أجواء تراثية إسلامية، هو رجل يريد أن يقيم العدالة، ولكن أسلوبه في تحقيق العدالة، ليس كأسلوب بعض " الثورجية" الذين يريدون التطور البطيء، أو خلق التهادنات. إن أسلوبه في تغيير الوضع   هو العنف، وهو المقياس الذي يفرقه عن الكل، يحافظ على أسلوبه حتى ولو اقتضى منه أن يقدم نفسه كأضحية .

"الأضحية فكرة إسلامية، أو عربية في الأساس". إنه يقاوم الوضع بكامله، من الحرس، مروراً بصاحب المقهى الذي يمثل الانحطاط، حتى مجلس العلماء، هذا هو نموذج الإنسان المطلوب، ضد نموذج السلطة المحققة في ذلك الوقت أو في أي وقت، إذن أبو يسار يمثل الإنسان العربي أو المواطن العربي في أي قطر من الأقطار العربية. إنه النموذج الذي يواجه الحالة النموذجية المضادة له وهكذا أقدم قطبي المعادلة.   أو قطبي التناقض .

كذلك في "التستري" اعتمدت على مقولة وردت في تاريخنا في جلجامش. في الأساطير العربية ، في مصر والهند وفي أمريكا اللاتينية. هذه المقولة تفيد بظهور مخلص للعالم يحرره مما هو فيه. تعاملت مع هذه الظاهرة العربية/الإسلامية/الإنسانية على ضوء خصائصنا المحلية ، وهي الإشارة إلى أن هناك إنساناً يقتل ولكنه يظهر في مكان جديد، لكن على عكس الفهم الغيبي لهذه القصة، فالتستري يظهر مع شروق الصباح، وفي حارة فيها العمال والحرفيون.

أردت أن أقول: إنه حيث يكون العامل والعمل بمعناه الإنتاجي المتصل بالبيئة يكون التغيير، ويكون التجديد ويكون الخلاص. أنا لا أتجمد في التاريخ، ولا ألصق الأمور بالحقائق التاريخية لصقاً، بل أستوعب التراث، وأحقق عملية التواصل بينه وبين الحاضر، دون أي فصل.

   ثقافة الشعوب

*كيف جاءت هذه الأفكار اليسارية في أعمالك معبرة عن تاريخ التيار اليساري وتراثه؟

- هذا جانب مهم، فدخول الحركة التقدمية الى العراق، قبل الثلاثينات بفترة وتطورها، وتأصيلها، واتخاذها لطابع جماهيري وسياسي خلقت تياراً ثقافياً مُدهشاً وخطيراً، امتد من الشعرر إلى القصة إلى الرواية والفنون التشكيلية والمسرح والفنون العديدة الأخرى .

هذا الفكر ليس غريباً كما يقول البعض. إنه استمرار لكل الماضي العربي، هذا الفكر أخذ من التجربة البشرية، أو المعرفة الإنسانية، ما يلائم قيمنا المحلية وتراثنا العربي وواقعنا الروحي؛ لذلك نجد أن الذين كتبوا الشعر، والقصة، والرواية، وأجادوا هم الأبناء الحقيقيون لهذا التيار.

 ولا أغمط الآخرين حقهم، ولا أعتبر أن هذا التيار يملك منبعاً للمبدعين في ميدان الثقافة والأدب، لكنه يبنى على نظرية مفتوحة على الزمن، ومن خلال فهم لا حدّ لحافاته للإنسان والتاريخ والتطور، وأقول عندما يكون الكاتب مؤسساً ثقافياً ونظرياً، وكاتباً حقيقياً يملك الموهبة ويتعب نفسه في القراءة والاستقصاء والبحث ، لا يجد صعوبة  في تقديم الجميل والجديد والمتطور، على عكس الآخر الذي لا يرى من الحقيقة إلا بعضاً منها،

او يمتلك نظرة أحادية ، أو نظرة عوراء للثقافة والأدب، ويعطي أدباً مُرتهناً للحالة السائدة المرتبطة بالأشخاص.

 إنني أقول إن من يكتب بعيداً عن الحقيقة الثقافية لشعبه، وعن تطوره التاريخي يقع في خطأ تاريخي، والكتاب الذين ارتبطوا بالتيار التقدمي أو بالتيار القومي الأصيل بعيدون عن هذه الحالة.

 



 
الاسم البريد الاكتروني