التاج الميت

جمعة اللامي

"الدنيا دُوَلٌ، فما لكَ منها أتاكَ على ضعْفِكَ. وما كان عليكَ لمْ تدْفعهُ بقوتك"

(الأدب الصغير)

كان صاحبي يقلب صفحات أحد دفاتر الزمان، فشاهد التاج الامبراطوري الذي زين رأس الامبراطورة فرح ديبا، بعدما تزوج بها الامبراطور محمد رضا بهلوي، فولدت له ولياً على العرش، لم يفز بالعرش.

وهكذا، كما قال عبدالله بن المقفع، في "الأدب الصغير".

والدنيا دول: أي أحوال متغيرة.

فلقد عاش "ملك الملوك شاه إيران محمد رضا بهلوي" حياته بالعرض والطول، مرتدياً معطف "قورش"، أو لباس الكشافة، لكنه في نهاية المطاف لم يدفن في بلاده، بعد أن هزمت قوته، عمامة سوداء على رأس رجل، دار بين قم وطهران والنجف الاشرف وباريس.

كان صاحبنا يديم النظر في صورة ذلك التاج، ثم أخذ يتفحص في صور أخرى، من بينها صورة والدة الشاه السيدة "تاج الملوك"، ثم في صورة زفاف الشاه على الأميرة المصرية فوزية، ثم في صور العوائل الملكية التي ملكت العالم، في تلك الاحتفالية التي كانت مصدر الشر الكبير على امبراطورية استمرت خمسة وعشرين قرناً.

ولفتت انتباه صاحبي، صورة للشاه وهو يستقبل كبار رجالات بلاده، وتذكر أجداد هذا الرجل الذين كانوا يخاطبون الناس من وراء حجاب، بينما تيجانهم الجميلة، دليل قوة ورهبة وخوف للناس.

المال ماله. والأرض أرضه. ورقاب العباد طوع بنانه. كل شيء يصير سهلاً ويسيراً بإشارة منه، ثم -وفي لمحة بصر- تتغير الأحوال، وتكون الدنيا دولاً، كما يقول ابن آبائه وأجداده: عبدالله بن المقفع، أو "روزبه" كما هو عند الفرس، المجوسي، الذي أسلم بعد ذلك، وتعرب في البصرة.

وكان عبدالله بن المقفع، كثير الاستخفاف بأحد أمراء بني أمية، واسمه سفيان بن معاوية، الذي اشتهر بضخامة أنفه. وفي أحد الأيام دخل عليه ابن المقفع، فحياه قائلاً: "السلام عليكما".

وكان ابن المقفع، أيضاً، يسخر من ذلك الأموي العربي، الذي كان يتمنطق في حضرة هذا الرجل، فقال له ذات يوم: "ما ندمت على سكوت قط" فرد عليه ابن المقفع: "الخرس زين لك، فكيف تندم عليه؟".

وكانت تلك نهايته.

ولم يتقيد "ملك الملوك شاه إيران" بنصائح ابن المقفع، فمات هارباً في مصر، وخلف وراءه تاجاً، كان رمزاً للقوة والطغيان، فإذا به اليوم تحفة تسر الفقراء.




 
الاسم البريد الاكتروني