تاريخُ العارِ في بلادِ النِّفْطتار أو مقـاماتُ المَتْنِ ومُقابساتُ الهامشِ

" النّايُ في كُمِّي، والرِّيحُ في فَمي"
(جنّي من تلّ سْفَيّح)

... ذات عصر ، من نهار سحيق، دخلتُ في النوم، ورأيتُ كأنني امسكت بقلمي الرصاص واخذت اكتب:" من عتمة الفجر الي عتمة الغروب، في السنوات الاخيرة من القرن الثاني عشر، كان ثمة فهد يري بعض الالواح الخشبية....... ".

"...وكنتً أَنْزَلِقُ تحت العصر، كما ينزلق القارب الذهبي (حين يتوجه الي دير براثا، عند أقدام مقابر قريش، قرب دار السلام) فوق سطح مياه تلك البطائح المسكونة بالجِنِّ والعَنافِيش، والبَرْبَرَة اهل الدَنْدَرَة، والصيادين من السُّواعِد الغْرَيْريَّة والمْطَيْرِيِّة، والمِعْدان، والمُجاريّة من السادة البْخات، وطيور اُمْ سِكّة والخْضَيْرِي، والعُزَيْر (عليه السلام)، وشيخ الجن:حْفَيْظ (أيَّدَهٌ اللهُ بِكلماتٍ منه، لِيَري)، الذي سيراه صاحبي (1)، بنصفه العلوي الادمي، ونصفه السفلي الذي مثل ما يلي الرقبة من خنزير بري، فكان له ما اراده في كتابه الذي حمل عنوان:أَلْيِشِنْ. "

"... اقول انني تحت عصر ذلك اليوم، حين كنت اراجع قراطيس احوال هؤلاء الاغراب الذين سيبنون معْراجَ الحَفَّارَةِ، وارسلوا اساساته في عمق تلك الارض الرخوة، فجعلوا حْفَيْظ يجفل ويخرج من مكمنه السومري الحصين، رايت الطيور الحديدية العملاقة في كبد السماء. والرماح النارية العابرة للبلدان والامصار فوق ذؤابات الجبال والغابات والصحاري. والفرقاطات المعبّأة بالجند من كل الملل والنّحَل، تتجه من بحار الدنيا وشطوطها نحو بلاد اليشن، وكأن هدفها هو" ايشان أبوذهب "، في خريف سنة 3003 ميلادي " (* )

حدث ذلك في احد ايام سنة 1937ميلادي، في منطقة صغيرة ومهملة يقال لها الْعَلاة (**)، التي ستصبح بعد سنوات قليلة جدا، اقوي مركز استقطاب الامم، والنموذج المثالي لتبادل الادوار بين الحكام والولاة والمطاوعة والملالي والحُجّتيّة. وفي حينها سيقول اجدادنا الذين كانوا ذات يوم مواطنين احرارا في " ايشان ابو الذهب" الذي يقع جنوبي مدينة " اليشن " التي لا ازال احتفظ بخرائط بُناها التحتانية " رأينا نقطة باء البسملة في صور لبنان سنة 1982 ميلادي "

" واخبرني النوخذة حَوَش ابن السِِّرْهِيد (وهو من سلالة نشأت بالقرب من "واحة يَنْبُع" في جزيرة العرب، ثم هاجر ابناؤها الي ارض يقال لها ألْيِشِنْ، حبَّا بِنُقْطَةِ بَاءِ البَسْمَلَةِ) انه كان عائدا بسفينته " عَمْشَة" من قرية " السُودَة " في عمق دَسْتمَيْشُون، حين صفنت الريح، حتي كان بأمكانه ان يسمع اصوات استغاثات الموتي وهم في قبورهم، واصوات أنين الجن وبكائهم وهم في الاصفاد، فصرخ الملاح جاسـب ابو رغيف:" وُلْكَمْ هذا دَاحِي البَاب "، فلما ادرتُ بصري الي حيث اشار الملاح المرتعب، رايتُ الهور وقد انشقَّ نصفين، وبرز منه " بَلَمْ عجيب " ما شِفْتُ مثله في حياتي، فَكِلَّهْ ذَهَبْ علي ذَهَبْ، مِنِ الصَّدِرْ الي الأَخِير، وِالمَلاليحْ ذَهَبْ، والمِجاديفْ ذَهَبْ أَصْفَرْ 18 قِيراطْ، وعلي اليمين وقف شيوخ العرب وسط طراريدهم. اما علي شمال البلم فقد اصطفت الآفات والثيران باجنحتها العملاقة. وعِنْدِ الصَّدِرْ وَقَفْ رَجَّالْ رِبْعَة، عَمَّمَ راسَهْ بِعْمامَهْ سُوْدَهْ، وَكِلْ هْدُومَهْ خُضْر، فَصَدْ الي ما بِيَنْ عيوني وقال:يا ابن السِرْهِيدْ.. بَلِّغْ عني:اذا ما اكتمل في الزوراء بناء جُسُورها السَّبعة، وَغِيضَ ماءُ البطايح، وَضُرِبَ وادي السلام برماح النار بامر من حاكم الزوراء، فان حرب بني الأُصَيْفِر قد ظهر نابُها علي شعب اليِشِن.
قلت:سمعا وطاعة يا مولاي.

ثم رايت العجب الذي لا عجب غيره او بعده:ارتفع " البَلَم العجيب " فوق وجه الماء، فظهر حْفَيْظْ بلحمه ودمه، وهو ينادي:لبَّيكَ وَسعْدَيْكَ، داحي الباب. " وهنا رايت " فَدعة الزَّيْرْجِيَّة "، وقد لفَّتْ عباءتها علي يمناها، وتطلق ابيات شعرها الشهيرة :

عـالِي مضيِفْنَهْ وِشْحَلاتهْ
                                     أُوْ رُوسِ الحَراثِي أمْوافْجاتَهْ
أُخُويْ الثَلاثَهْ أمْرافْجاتَهْ
                                    ألْكَرَمْ، وِالْمَراجِل، والْصُماتَهْ
أخُويْ جاراتَهْ خَواتَهْ
                                       اخُويْ، الْعَبِدْ وِالْضَيْفْ أغاتَهْ          

" وهو ايضا ما سينقله الى صاحبي، رفيقه:سلطان الخالدي، الكاتب الْمِنْ مُزُونْ، الذي عاش ما بين ضاحية " يبد " وعرصة " الشبانة "، بقوله وهو شبه مغمي عليه :" هيهات منّا الذلّة ".

" وعندما قصّ الخالدي، عليّ في وقت سابق، اي يعدما نهض من لحده الرملي للمرة الاولي سنة 62 هجرية، حكاية والده (2) وهو يستعد للانتقال الي " ايشان ابو الذهب "، تبيّنت القيمة غير القابلة للتلف، التي تربّي عليها صبي وُلد في اعالي الجبال السود (ويعرف اهل الجبل الذين استوطنوا قرب حصن الجلالي (3)، " اقرأْ في كتاب:تحفة الاعيان في تاريخ عُمان، للأمام النعمان اليعربي، ففيه ذكر كثير لهذا السجن الكبير " ان من يدخل الي تلك القلعة الحصينة والموحشة، لن يخرج منها ابدا)، الا ما حدث لوالد الخالدي - وتلك حكاية عليّ ان ارويها كما سمعت بها من الناس اوكما قصّها علي سلطان بعد ذلك، ونحن نراقب وحدة من الجيش الاسرائيلي في الخطّ المقابل لقرية "السّموع " .
 
 "في ظهيرة ذلك اليوم الربيعي من سنة 1968ميلادية ". كان الخالدي (الذي عرفه اهالي بلدة النبطية منذ بداية عقد الثمانينات من القرن العشرين الميلادي، بانه رجل مصاب بصدع في قاع جمجمته، وبصداع عند سقفها) قد قضي شهيدا عندما كان يتصدي لثلاث دبابات اسرائيلية(وكان وجهه قمر ايشان ابو الذهب في ليلته الرابعة عشرة) حاملا قدرا مملوءا بزيت الزيتون المغلي، وهو ينادي (هيهات منّا الذلة) ".

"وكان ذلك مفاجئا لي ، فطوال السنوات التي امضيناها معا، في الجزائر وظفار او كاتنجا، وحتي في ايشان السَيّد سْفَيّح (4)، لم اسمعه يطلق ذلك النداء، او ينتزع قناعه ".

" كان ذلك بعد سنة 1982ميلادية، وستعرف شعوب جنوب العالم خصوصية هذا العام، ما رآه خورخي لويس باسترناك (***) ، لأن نيزكا صغيرا، سقط علي مستوطنة المِطَلَة، فقال حاخام الاشكيناز، فلاديمير جابوتنسكي:حدّوا السكاكين، اقترب ظهور (صادوم العراقي ) ".

" اما في مدينة كربلاء المقدسة، فقد ظهرت نُقَطٌ من دم عبيط (رايت النقطة من الدم الزكيّ، مثلما يري الناظر الي النيران في بصرى الشام وبابا كركر) علي مقبض بوابة الضريح الذهبي، ثم تحدث الناس بروايات شتى، احداها ان الحُسَيْن بن علي، شوهد قائما علي حيله داخل ضريحه، فتقدمت منه ".

" وكانت تلك هي المرة الاولي التي رايت فيها الامام، الحُسَيْن بن فاطمة، شُبَيْر شقيق حَسَن، يتشحّط في دمه، (هذا وَصْفُ وَضْع مَنْ بَاعَ جُمْجُمَتِهِ لله) او يَتَبَطَّح قرب نهر العلقمي (فقلت من فوري:يا اخي لِمَ تركتنا عند المقلّدين ؟) فقال الحُسَيْن:لم يحدث هذا ابدا،، يا اخي جمال الدين (5). وانما تركت فيكم ما يضجُّ من صوت الرضيع حين يسقط من امه:اشيعوا حكايتي مع حكاية النفطتار ".

" وقبل ان يقترب من الميركابا، ناولني الخالدي كراسا صغيرا ملفوفا بما هو مغزول من صوف ميساني، في داخله هذه الضَّميمة، ثم خاطبني:" الان، وقد اخترت ان اختار اسلوب موتي، انا الذي لم أخْتَر يوم ميلادي:يا صديقي العزيز، انشرهذا المتن، وهذه المقالات وتحتها توقيع " متعب المطرود " او " شايع الشرقي " اوحتي " جمعة اللامي " انْ شئْتَ ". يا اخي هذه الاضمامة وديعة العمر.

" لم يداخلني أي شكّ، لاني كنت حقا ساكتبُ مقالات واذيّلها باحد هذه التواقيع، وربما بتوقيع آخر، بعدما ترفض نشرها الصحافة الحزبية وتلك المنفلتة (هما وجها دينار الذهب، كما سيقال في مقاهي اليشن، بعدما يرجع المشيعون من ايشان ام الهند، حيث يدفن الاطفال ، كما سيعرض صاحبي لذلك في قصة:" اليشن ـ يوم من تاريخ مدينة منسيّة ") . والسبب في ذلك ان اسم " مِتْعِب المَطْرود " يدلّ ـ فعلا ـ علي تهكم فريد حيال الصمت الذي اختاره اجدادنا الاحرا ر في حضرة ميشون، حيث يتعلم الاطفال الحكي المنتظم، مع قطْع قُُلََفِِهِم، ولذلك كان صاحبي يقول:ولدنا وقد فسدنا تماما، مثل احدي مقامات الحريري، التي جري الاشتغال عليها مرات ومرات، حتي غدت نصا بثلاثة ابعاد."

" وربما يقتضي الانصاف بعض الايضاحات، وهذا ما ازعم ان المقامات المضافة، التي اعطيتها ارقاما اخرى مستقلة، هي ايضا مقابسات.
"حكايات ومقابسات:سَرْدٌ في سَرْدٍ وَمِنْهُ، وسَرْدٌ عَلي سَرْدٍ وَفِيْهِ ".
تلك هي الكتابة..!




 
الاسم البريد الاكتروني