تحولاّت سلمان المحمّدي

(1)

توقفت السيارات السبع أمام بوابة السجن الرئيسية. نزل السائقون وأخذوا يزيلون الأتربة من زجاج السيارات ومقاعدها، بينما جمهور من النساء والشيوخ والأطفال، كانوا يرفعون أيديهم ويطلقون حناجرهم بإشارات وزغاريد، اختلطت مع أصوات محركات السيارات التي كانت تهدر بلا توقف. 

وببطء فتحوا بوابة السجن، واجتاز عريف شائخ الفسحة الصغيرة التي تفصل إدارة السجن عن البوابة، وسار حتى منضدة صغيرة، وضعت على التو في الزاوية اليمنى لبوابة السجن، ووقف هناك يرقب النساء والأطفال والشيوخ الذين هدأت أصواتهم قليلاً. 

كان مدير السجن قد وصل إلى الساحة التي يقف عندها العريف الشائخ، وفتح سجلاً رسمياً، وأخذ ينادي على السجناء بأسمائهم، واحداً بعد آخر. 

وفي غضون ساعة كان قد انتهى كل شيء: امتلأت السيارات السبع بالسجناء الذين أخذوا يغنون وينشدون، وصفّ من شرطة السجن، بكامل قيافتهم يقف احتراماً لمدير السجن الذي رفع يده تحية عندما تعالى هدير محركات السيارات. 

عندما اختفت آخر سيارة عن مرمى بصره، قال مدير السجن للعريف الشائخ: اقفلوا الأبواب.. لقد ألغي سجن بعقوبة المركزي.

وتحرك بعيداً عن السجن. أما الشرطة، فقد تبادلوا نظرات غير مصدقة، واستدار العريف الشائخ الى مقر الإدارة، فتبعه صفّ الشرطة بغير حماسة.
 

***


مرة أخرى أنت حرّ: انقطعت الآن المسافة المثقلة بغرف التحقيق وعواصف الرمل. ها إن (90) كيلومتراً تفصلك الآن عن الغرفة الصغيرة. وها إن الرفاق تثبتوا من أوضاعهم: هدأت الأناشيد، وتفكّر كثير منهم في اللحظات والأيام والأسابيع والشهور والسنين القادمة. 

كان سلمان المحمدي في السيارة الثالثة، في المقعد السابع عشر، يناقش نفسه بهدوء وبثقة: لقد كتبت اسمي على جدران المعتقلات والسجون في الحبانية والرمادي وبغداد والسلمان والحلة والديوانية والسماوة وبعقوبة وكل السجون العسكرية، وتقاسمت الخبز مع فلاحين وكسبة وجنود وعمال، مثلما اكتويت بنار الهجران والاغتراب. 

"يا أمي لا تبكي عليّ،

أنا المناضل يا هنيّ

لأجل الوطن روحي أفديها،

لأجل الشعب والحرية..". 

وجد نفسه يندمج مع النشيد، ويرفع صوته، وكان شباب وشيوخ وأطفال يومئون للسيارات السبع التي مرت عند "المشتل" و"بغداد الجديدة"، ويلوحون بمناديل بيض للسجناء الذين كان بعضهم يبكي فرحاً. 

"قيدني أبي بالحديد. حرم عليّ الخروج إلى الشوارع الاصفهانية. غير أني كنت أفلت من رقابته والقيد. وذات يوم مررت على كنيسة للنصارى فسمعت كلاماً جميلاً. 

قلت من تعبدون؟ أجابوني: نعبد الله. 

فقلت لأبي: يا والدي هذا دين أفضل من دين آبائنا. والدي وبّخني كثيراً وقيدني بأكثر من قيد إلى نافذة المنزل. 

ويوم أخذوني إلى "السلمان" ربطوني إلى نافذة عربة القطار، ولم يكن ثمة من يودعني. لا أمي، ولا أخواتي.

كنت مقطوعاً مثل تلك النخلة اليتيمة في مدينة –اليشن- غير أن الرفيق الذي شاركني القيد وصحبة النافذة، أنبأني: يا سلمان كن قوياً، فلقد قدر علينا مفارقة من نحب…". 

وتعالى نشيد آخر. كانت الاصوات تنطلق. بحيوية، وفضاء السيارات انتشر فيه كلام عن الحب والمعرفة، والشوارع التي تقود الى "ساحة التحرير" مليئة بالحركة وأصوات الناس. لكن بكاء لفلاح جنوبي أثار انتباه سلمان المحمدي الذي قال في نفسه: آه.. الأناشيد تدعوهم للتفاهم. 

قريباً من "ساحة التحرير" توقفت السيارات السبع، وتفرق السجناء السابقون على المطاعم ودكاكين البقالة، بعضهم ابتاع فاكهة وسكاير، وآخرون اوقفوا سيارات تاكسي، وذهبوا مباشرة إلى مدن المحافظات البعيدة.

رفع سلمان المحمدي حقيبته الجلدية وقال: ليس معي إلا زاد المسافر، واتجه نحو الشرق، حيث مدينة –اليشن- التي افترق عنها ست سنوات ونيف. 

(2)

"كيف هي – اليشن-؟"

هذا هو السؤال الذي ظل محفوراً في رأس سلمان المحمدي. ومنذ أن قيدوه إلى إحدى الشاحنات في ذلك اليوم الشتوي، لم يكفّ عن التساؤل والاستذكار. كان يتساءل، ويستسرّ، ويستمع دون اعتراض إلى كل الاخبار الواردة من المدينة. 

يوم قالوا له: -اليشن- استعادت عصرها الذهبي، تبسّم دون حماسة، ويوم أخبروه أن المدينة فطست، وتفرق عنها سراتها، كظم غيظه، وانتحب قريباً من الجدار المتصل بالصحراء ومن خلل الدموع، شاهد "يثرب" منتصبة قادمة اليه. 

"الآن أنا في المدينة. في –اليشن- الشوارع كما هي منذ سنوات مثل محلات البقالة، والمسجد الوحيد والنخلة اليتيمة التي تتوسط الشارع، حيث مبنى المصرف الزراعي على بعد أمتار…".

وقف سلمان قرب النخلة، وأخذ يرقب المارة. كانوا صامتين ويسيرون كما لو أنهم مستغرقون في حلم طويل. حتى طريقة السير ظلت كما هي: الرجل اليمنى أولاً، ثم اليسرى، خطوات قصيرة. والمدينة صامتة، والريح لا تسمع، والأنوار منكفئة على اللون الأصفر ذاته الذي عرفه فيها منذ عشرات السنين. 

اتجه صوب المقهى الرئيسية، المطلة على النهر الصغير، حيث اصطفت بيوت "اللبن" على الجانب الأيمن. أما الجانب الأيسر الذي زرع بالسدر والصفصاف والسبندر، فقد بدا فاقعاً..

دخل المقهى، ورأى مجيد العفون، كما كان يراه من قبل. أرخى جسده الضخم على الكرسي وثنى رجله اليمنى التي تعوّد أن يريح عليها يده اليمنى وهي تقبض بطرف الناركيلة، بينما كانت رجله اليسرى ممتدة في فراغ الغرفة. وكان رأسه مدفوعاً إلى الوراء دفعاً خفيفاً، واستطاع سلمان المحمدي أن يشاهد عيني مجيد العفون مفتوحتين قليلاً، دونما ضياء، وبجانبه زجاجة فارغة تفوح منها رائحة عرق مغشوش.

على الجدران الداخلية شاهد سلمان صور الولاة والأولياء السابقين كما كانت من قبل، غير أنها تلوثت بفضلات الذباب، واستطاعت مجموعة من العناكب الصفراء ذات الأحجام الكبيرة، أن تنسج بيوتاً لها بين صورة وأخرى من صور الولاة والأولياء السابقين.

كان يريد أن يسأل مجيد العفون قبل أن يجلس. إنما صاحب المقهى، في تلك اللحظة بالذات، سحب نفساً عميقاً من الناركيلة وعاد الى وضعه المتجمد السابق، وأخذ يطلق شخيراً خفيفاً.

نادى سلمان:

- مجيد

- (شخير).

- مرة أخرى أطلق سلمان صوته:

- يا مجيد العفون!

- (تعالى الشخير قليلاً)

- وللمرة الثالثة ناداه سلمان:

- يا مجيد.. يا بن عفون..!

- (أصبح الشخير ضجيجاً).

وفجأة أحس سلمان المحمدي أن هناك من ينظر اليه من خلف ظهره، فظل في مكانه دونما حركة لهنيهة، ثم استدار بسرعة نحو باب المقهى، حيث شاهد رجلاً ملفوفاً بمعطف رمادي ينظر اليه باستغراق.

كانت عينا الرجل حمراوين مثل دم. ولم تفلح نظارته البيضاء التي بدت كما لو أنها على عينيه، إلا تأكيد ذلك اللون الدموي الغريب. أما جسده الملفوف بمعطف رمادي، فقد كان مسمراً إلى أرضية المقهى، التي اكتشفها سلمان في تلك اللحظات مليئة بالأوساخ والقاذورات وقناني العرق المغشوش.

أراد سلمان المحمدي أن يتقدم قليلاً نحو الرجل – المعطف. إنما إشارة منه أوقفته قليلاً: دفع الرجل – المعطف يده اليمنى الى جيب داخلي، وأخرجها تمسك مدية صغيرة لا تكاد تذبح عصفوراً فرخاً واتجه نحو سلمان المحمدي.

"كانت صور الولاة والأولياء السابقين تتساقط واحدة بعد أخرى من الجدران الداخلية لمقهى مجيد العفون، دونما صوت، وتتناثر زجاجاتها إلى جانب نثار زجاجات العرق المغشوش الفارغة…".

نفس المسير القديم: القدم اليمنى، ثم اليسرى، والارتباك البسيط، لكن سلمان المحمدي استدار الى اليسار دورة كاملة، فمرق من قربه الرجل - المعطف، واقترب من حائط المقهى المقابل.

حدثت قرقعة بسيطة، داخل المقهى، وأخذت الجدران الأربعة،

"يوم أن سرق الراهب المقدسي ذهب الزرّاع واكتنزه قال سلمان المحمدي في نفسه: هذا دين آخر غير الذي رأيته في أصفهان، وقال للناس إن الراهب سرق أموالكم وجهدكم، فما صدقوه، وطالبوه بالبينة، فأخذهم الى سرداب سري، وأراهم أكياس الذهب المكنوز. فقال الناس صدقت يا سلمان المحمدي".

تتمايل، وسقطت لبنة، لبنتان، ثلاث، أربع، سقط الجدار الأول تبعه الثاني، تراجع سلمان المحمدي قرب الباب، انخلع الباب، سقط الجدار الثالث، تعالت الضجة. سقط الجدار الرابع.

كان سلمان المحمدي يستند الى جذع النخلة اليتيمة التي لم ترطب في هذا الموسم. ونظر الى المصرف الزراعي الذي أخذ يتداعى، ويسقط، في سكون موحش.

انتبه الى فوق. كانت سعفات النخلة اليتيمة تنتزع نفسها من "اللبّة" ولا تسقط إلى الأرض، إنما تطير في الفضاء، هشة مثل النِفّاش، وخفيفة مثل الهواء: ثم سقط جذع النخلة، من دون أي صوت، وأخذ الكرب اليابس يتميع، ويسيل على الأرض، باتجاه المقهى، والمصرف الزراعي: سائل تشمم فيه سلمان رائحة عرق مغشوش.

"هل هذا حقيقي.. أتسقط مدينة – اليشن- ..؟".

كان خائفاً بعض الشيء. إنما الخوف ازداد عندما أطفئت الأنوار، فأخذ يركض مسرعاً من زقاق إلى زقاق: كانت بيوت "اللبن" تتساقط، مثل مستطيلات إسفنجية، وارتطم جسده بخيول نفقت، وتعثر مرات بأجداث لكلاب وقطط كانت تطلق عويلاً آسياً.
 

***


(3)

هدأ كل شيء.

ها هي المدينة الآن صافنة. صمت ورائحة عرق مغشوش، لا رجل لا امرأة. لا طفل. لا كلب. هدأ كل شيء، واستسلمت –اليشن- إلى وضع الانطفاء.

"في الموصل قال لي أحد الرهبان، اذهب إلى يثرب، وهناك سيفتديك أحمد بأربعين أوقية من الذهب وبثلاثمائة وخمسين نخلة، فأنت استمعت الى الله. وأنت أعرف بعلم العقل وعلم القلب ولأنت يا سلمان المحمدي كائن الى الخنادق، وأسوار الفرس، وحياكة الحصران زادك زوادة المسافر، وماني اعوج لأنه حرّف علمك، والناموس الأعظم أنت خليله، وإياك من اليهودي…".

هدأ كل شيء.

"لا بد أني أحلم".

"هل السجن ما يزال يسكنني…؟".

ورفع صوته:

- يا ماني!

(صمت)

- يا مزدك!

(صمت)

- يا أحمد اليثربي

- (سلمان منا نحن أهل البيت).

واعترته رعشة. كان الصوت أليفاً، حبيباً، قادماً من البعيد، محمولاً إليه في رقة لم يسمعها من قبل.

يا أحمد اليثربي..

- (أدر علينا شراب حبة العنب. نحن الأربعين من الأزل نتقدم. نسكن الهواء وجذور الأعشاب وأكمام الأزهار، بيوتنا يثرب، وخيمة البدوي).

اصطفقت أضلاعه بشوق، وشاهد نبع دم، نقطة واحدة من دم تنبت على ذراعه اليسرى، نقطة بحجم حبة العنب اليثربي تأتلق في فرح وحبور.

ومن على الرابية التي تطل على –اليشن- نظر سلمان المحمدي الى مدينته القديمة التي استوت قاعاً صفصفاً. فاستدار نحو جهة المشرق، حاملاً معه حقيبته الجلدية وزوادة المسافر.

 

***


(4)

أزاح ستارة النافذة الوحيدة في الغرفة التي سكنها منذ أربعة أسابيع، وفتح ضلفتها الوسطى، وأطل برأسه على الفضاء، فشاهد الليل يسكن الفسحة التي تمتد أمام البيت الذي يقطن الغرفة العلوية منه.

وفيما كانت كفّاه تمسكان السيخ الذي يقسم النافذة الى قسمين، أدار رأسه الى اليمين والشمال، فلم يجد أثراً لسلّم خشبي، كما لم يلحظ حركة غير اعتيادية في الفضاء الذي استوعبه الليل كاملاً: كان ثمة قط كبير، فقط، يذرع الفسحة ماشياً بهدوء، نحو زقاق فرعي.

إنما سلمان المحمدي، بحركة مباغتة، مرتابة بعض الشيء، أغلق الضلفة الوسطى من النافذة، وأسدل الستارة، وضغط على زر الكهرباء، فغمر الضوء الغرفة، وتراجع خطوات الى الوراء واستدار نحو المرآة الصغيرة.

كان بإمكانه أن يرى وجهه في المرآة، في مثل هذا الليل الساكت، وقد ظهرت كدمات عند جبهته وخده الأيمن. وعندما رفع يده اليمنى الى الكدمة التي غطت جبهته كلها – وكانت كدمة سوداء بلون الأرض المحروقة – تأكد له أن خيطاً من الدم، خيطاً رفيعاً من دم أسود، يسير من فتحة منخره اليمنى، ليلتوي حول فمه ويستقر عند نهاية حنكه.

إذ ذاك فقط، استطاع أن يتذكر الذي حدث بكل تفاصيله..

"إذن فقد ضربوني على وجهي…".

كان قد استيقظ منذ لحظات إذ رآهما يدخلان الغرفة من دون طرق ووقفا صامتين. الأول يحمل سيفاً عريضاً، والثاني يستند إلى خيزرانة. كان بمكنته أن يشخصهما جيداً برغم أنه لف جسده ببطانية السجن جيداً: كانا شخصين بدون لحم، هيكلين عظميين، الأول يوشح كتفه اليمنى بقماشة حمراء، والثاني ينتعل خفاً حديدياً.

قال ذو الكتف اليمنى بالقماشة الحمراء:

- هو ذا سلمان المحمدي، أتعرفه؟

أجاب ذو الخف الحديدي:

- نعم، كيف لا أعرفه.

"هل أحدهما اليهودي الذي اشتراني منه أحمد اليثربي، هل أحدهما ذلك الراهب المقدسي، هل أحدهما ذلك المحقق الجلف، هل أحدهما الرجل - المعطف..؟".

قال الأول:

- لقد شاهد انهيار المدينة.

قال الثاني:

- لقد شاهدها بالفعل. وهذا غير مقبول.

قال الأول متهكماً:

- لنتله به الآن، وبشكل طفيف.

أكد الثاني:

- معك حق، وهذا تحذير.

قال ذو الكتف اليمنى بالقماشة الحمراء:

- نعم، تحذير نهائي، كما أقول:

- كما تقول.

كانت أصواتهما قوية، ورأس الأول محاط بقلنسوة حمراء، أما رأس الثاني فملطخ بألوان هندية صارخة، وثمة قفلان يطبقان على فكي كل رأس.

"من هما..؟".

تحرك الأول تجاه سلمان المحمدي، وتبعه الثاني: نفس الخطى، الرجل اليمنى، ثم اليسرى، والتوقف اليسير، حتى أصبحا قريبين منه. رفع الأول سيفه الى الأعلى وأطلقه من النافذة، دون أن يحدث صوتاً، بينما دفع الثاني بخيزرانته الى الأرض، وربت عليها برفق فاندفعت مسرعة الى الأسفل واختفت.

سأل الرأس ذو الألوان الهندية:

- ماذا سيفعل غداً..؟

- سيذهب إلى عمله كما تعود منذ أربعة أشهر.

- أواثق أنت..؟

- نعم وسوف لا يتحدث.

- يتحدث؟.. هذا كثير عليه.. ثم من يصدقه؟

وامتدت أربع أكف عظمية وتوزعت جسده، وكان يشعر أنه يختنق تحت ثقل هائل لم يتعرض لقساوته في كل سنوات السجن الماضية، وكان صوته قد غادره نهائياً: إنه ألم فظيع ذلك الذي تعرض له سلمان المحمدي في تلك الليلة.

"كان التاجر اليهودي يقول لي: عليك بعذوق النخل إنما أحمد اليثربي أكذوبة، وكان يضربني بشدة في الليل وفي النهار. وكان المحققون في المعتقلات، يرسلون الخنافس إلى جسدي المتشقق، ويوقعون على جسدي أسماءهم بأعقاب السكاير..".

ارتفعت الأيدي عن جسده، وإن بقي الرجلان منحنيين عليه، لفترة، نصف انحناءة، فتجاسر سلمان المحمدي ونظر إليهما: كانا أملسين مثل عمود حديدي مصقول، وبلا أدنى انفعال، وهادئين مثل ليل لا حركة فيه، وحادين مثل ليل لا هواء فيه.

"وتذكرت جيداً. أنهما حرس السجن الصحراوي، ذلك الحرس الذي يتحول في الليل إلى حيوان بري ذي شعر إبري، إذ يراه السجناء السياسيون عام 1964.

وتذكرت جيداً، أنهما حرس الراهب المقدسي. اللذان كانا يجبيان الذهب من الزرّاع المساكين.. وتذكرت جيداً أنهما حرس الظالمين الذين رأيتهم في كل أصقاع الدنيا، فعلمت أن الصبر هو الامتحان، وأن الابتلاء واقع لا محالة..".

وانتصبا أمامه مثل هيكلين مسفدين إلى أرض قاسية، وقال الأول لنرحل، فتقدم صاحبه إلى النافذة المسدودة، وانسلا بحركة خفيفة وحذرة من خلل الستارة التي لم تبد عليها أية حركة اهتزاز.

أخذ سلمان يحدق في وجهه: "والآن ماذا سيحدث هل ان المدن الجديدة تنسخ المدن القديمة..؟" ولم تترك له فرصة إكمال نجواه، فقد تحركت ستارة النافذة بخفة، وبسرعة مرة ثانية، ودخل الهيكلان العظميان صامتين.

رأى لهما بقلق أول الامر. لكنه بعد لحظات استعاد توازنه، فتراجع إلى الوراء قليلاً، حيث استند إلى رف خشبي عليه بعض كتب. لم يتكلم الهيكلان، وكان الصمت كثيفاً والجو حاراً والغرفة تحولت إلى قبر.

فجأة سأله ذو القماشة الحمراء:

- لماذا تركت المدينة..؟

وأكد الثاني:

- نعم لماذا تركت مدينة الآباء والأجداد..؟

أراد سلمان المحمدي أن يستمع إلى أسئلة أخرى، إلا أنه عدل بعد أن تذكّر الرجل-المعطف، والخراب المفاجىء، والفضاء الصامت الذي سوّر ما تبقى من المدينة. فقال كمن يقرر وضعاً منتهياً:

- لم تكن مدينة عندما رأيتها آخر مرة. كانت خراباً.

وانتظر رد فعل، ولم يحدث شيء في اللحظة الاولى، غير أن الرأس ذا القماشة الحمراء تساءل مرة أخرى:

- إنها تخربت فعلاً. لنفترض هذا. ولكن أيكون من العقل اختيار أخرى غيرها..؟

قلت:

"في السجن كنت أسمع أن المدينة تتخرب يومياً، ولم أصدق. إني أحب مدينتي. ولكني سوف أبحث عن غيرها عندما تتخرب. إنما عندما رأيتها تتخرب أمامي وكما رأيتها، فالعقل أن أبحث عن غيرها، العقل يقول إن المدن تتجدد، وها أنا الآن في مدينة جديدة حقاً".

قال الرأس ذو الأصباغ الهندية:

- مدينة "ماني" ومزدك لم تتخرب، إنما أغواك البدوي اليثربي.

استطاع سلمان المحمدي أن يكون أكثر قوة هذه المرة، بعد أن توضح لديه أن الهيكلين العظميين لا يصمدان طويلاً أمام حقائق الخراب التي أصبحت الآن مؤكدة في – اليشن - فقال:

"إنه يحدث في التاريخ. إنني الشاهد والراوية. لقد رأيته منذ مئات السنين، عندما تركت أصفهان إلى بيت المقدس والموصل ويثرب..".

كانا أمامي باردين، هادئين، وبلا أسلحة وتشممت رائحة من الرأس ذي الأصباغ – الهندية، ذكرتني برائحة العرق المغشوش في مقهى مجيد العفون.

والغرفة تنورت عندما تابعت كلامي وسط صمت "إلى يثرب قدمت.. وكان الرجل البدوي ينتظرني في خيمته ومعه بعض من صحابه. أنا عرفته في الحال، إنما أردت أن أتحقق من قولة شيوخي فيه..".

كانا أمامي هيكلين عظميين، باردين وبلا أسلحة، لم أستمع منهما إلى أي شيء، سوى خرخشة عند الرقبة، وفي مفاصل العظام عند الظهر والوركين والركبتين، بينما رائحة العرق المغشوش ملأت الغرفة.

"في اليوم الأول قلت له بعد أن قدمت له مالاً قليلاً: إن هذا صدقة فوزعه على أصحابه، ولم يأخذ درهماً منه..

فقلت هذه واحدة".

سقطت الذراع العظمية للرأس ذي القماشة الحمراء، فواصلت كلامي!

"في اليوم التالي قدمت للذي ينتظرني في خيمة بعضاً من التمر وقلت هذه هدية، فأكل منها مع رفاقه.

فقلت هذه ثانية، ولم تبق إلا الثالثة".

أخذ الهيكل العظمي الذي رأسه قماشة حمراء يتهاوى وتتفكك عظامه، وتكوّم أمامي وصاحبه على يمينه يرتجف، بعد أن سقطت ذراعه اليمنى.

"في اليوم الثالث أتيت إلى الرجل الذي ينتظرني في خيمته ووقفت خلف ظهره، فأزاح رداءه، حيث شاهدت العلامة المقدسة بين كتفيه، احتضنته وأخذت أبكي…"

سقط الهيكل الآخر.. وتبعثرت العظام على أرض الغرفة.. كانت عظامه مجوفة أشبعت غرفتي برائحة العرق المغشوش.. عندها فتحت الشباك فشردت العظام وتطايرت في الهواء الذي أزاح رائحة العرق المغشوش من غرفتي..

خرج سلمان المحمدي إلى الشارع بعد أن غسل جسده بالماء. وكان الشارع مليئاً بالناس وبالحركة.. لكنه رأى وجوه الناس مليئة بالندوب. كانت وجوهاً تشبه وجوه الذين خرجوا من غرف التعذيب الآن.

وقف قليلاً. وأعاد النظر إلى الوجوه، وتذكّر في الحال: أن السجن يتكرر مرة أخرى، وأن التعذيب يتجدد مرة أخرى، وبصق على الأرض.
 



 
الاسم البريد الاكتروني