مانديلا الماركسي .... زاهدا

جمعة اللامي

 مانديلا
الماركسي .... زاهدا

السبت ,09/08/2008

"الاستقامة من أمهات الفضائل"
(محمد عبده)

احتفل نيلسون مانديلا، قبل أيام معدودات بسنة جديدة من عمره المديد، ببساطة، وتواضع ووضوح.دخل مانديلا، عامه الثالث والثمانين في حساب الزمن التقليدي. هذا صحيح تماماً، غير ان الصحيح تماماً أيضاً، هو أن هذا الرجل الأسود، عاش حياته كما ينبغي لإنسان يعرف حقوقه وواجباته.
أول هذه الواجبات والحقوق احترام النفس، ومعرفة واجبات الإنسان حيال وطنه، وأبناء شعبه، والمجموعات البشرية على هذا الكوكب.
مانديلا هو ابن "المؤتمر الإفريقي" المسترشد بالماركسية. هذا صحيح تماماً. غير انه أيضاً هو إفريقيا، بأغانيها وغاباتها ودياناتها، وناسها، وفنونها.
وإفريقيا.. روح، أيضاً.
لا أحد يستطيع أن يفرق بين الإفريقي ولون جلده. هذه "الزنوجة" التي تحدث عنها سارتر، وهو يقدم الشاعر الراحل ايميه سيزار، على سبيل المثال، هي "ثقافة كونية"، تنطق بمفرداتها الأنهار، وتعيد معانيها الغابات، وتكرر مآلاتها الصحارى الجرداء، وتعبر عنها الأمطار العاصفة.
الزنوجة هنا، حضارة بكل ما في الكلمة من معنى.
ولقد اتيح لمانديلا، من بين أنفس أخرى، أن يكون أحد أوجه هذه الحضارة، وأبرز رسل الغابات والصحارى، إلى عالم جديد يتشكل بعد العصر الزراعي.
شهد العصر الصناعي ظلم إفريقيا: الأرض، والبشر. فحين تحولت الرأسمالية الأوروبية إلى نقيض لحرية التجارة، وإلى مضاد للحرية الفردية، في القارة الإفريقية، عبرت الزنوجة عن "روحها" فكانت تلك المسيرة من الآلام والدموع.. والشهداء أيضاً.
لقد صنعت الرأسمالية الأوروبية، والغربية عموماً، "نموذجها الإفريقي"، حيث اللباس الأوروبي على بشرة سوداء، تماماً كما صنعت "آلات" ميكانيكية، وهي تصنع كذلك الآن هذه الآلات، لجني القطن، وصقل الماس، وحفر آبار البترول.
غير أن افريقيا الإفريقية، هي التي انتصرت. وانتصر نيلسون مانديلا، وهو في سجنه، على الرأسمالية المتوحشة، وقرينها الإفريقي: موبوتو.
وهذه هي جدوى "الروح" لدى أية أمة من الأمم.
ومن تعبيراتها، ان مانديلا بعدما فاز برئاسة جنوب إفريقيا بانتخابات حرة رفض التجديد له، كما رفض أن يستغل أحد، أي أحد، اسمه من أجل التجارة غير المشروعة، كما حدث أخيراً مع الذين عرضوا للبيع بعض منحوتاته أثناء ما كان سجيناً في جزيرة "روبن".

قناع ثقافي للتجسس

 الاثنين ,04/08/2008
"في أواخر الخمسينات، كانت ال: C.I.A، تعتبر مجلة "أنكاونتر" رايتها. وهو ما كان متفقاً مع تقويم جونسون من أن المجلة هي أعظم مقدراتنا"
(مَنْ الذي دفع للزمّار)
سيبقى كتاب فرانسيس ستوفر سوندرز، الذي عنوانه: "من الذي دفع للزمار، الحرب الباردة الثقافية.. المخابرات المركزية الأمريكية وعالم الفنون والآداب"، من أهم المصادر التي تكشف العلاقة بين النشاط الثقافي ومراكز الصراع والاستقطاب الدوليين.
وهو كتاب حاولت مؤلفته، بعد جهد مُضْنٍ، ومتابعة دقيقة، أن تكشف بالدلائل والوثائق، ليس فقط برامج وكالة المخابرات الأمريكية C.I.A داخل الولايات المتحدة، ضد الشيوعيين، واليسار الأمريكي عموماً، وإنما تلك الخطط والمنظومات التي مولتها الوكالة الأمريكية لإنشاء مجلات أدبية ترفع أشرعة وشعارات الحداثة مثل: "شعر" و"حوار" و"انكاونتر".
في المقابل، فإن هذا النشاط الأمريكي المحموم، ولد نشاطاً سوفييتياً محموماً أيضاً، تغلغل في أوساط بعض المجلات والمنظومات الثقافية والأدبية العالمية، والعربية أيضاً، التي جعلت من "السلام والتضامن" شعاراً لها.
في بداية سنة ،1947 "أنشأت الحكومة الأمريكية، جهاز المخابرات المعروف اصطلاحاً: C.I.A، ليتولى الجانب الثقافي في الحرب الباردة. وقد تكوّن الجهاز في الأساس من بعض أعضاء "مكتب الخدمات الاستراتيجية الذي قام "ترومان" بحلّه (...) وأبرزهم آلان دالاس الذي كان قد كوّن في نيويورك، بعد تصفية المكتب، مركزاً للخدمات الخاصة، ومعه كيرميت روزفلت، وهما من أبرز أسماء جهاز المخابرات، حسب الدكتور عصمت الدسوقي، في تقدمته للطبعة العربية من الكتاب، التي صدرت ضمن "المشروع القومي للترجمة" عن "المجلس الأعلى للثقافة" بمصر.
مناسبة هذه "العودة" الى كتاب سوندرز، تقرير نشر في منتصف الشهر الماضي، أعده باحث بريطاني هو البروفيسور أنطوني جيليس؛ مدير مركز برونل لدراسات الأمن والاستخبارات بالولايات المتحدة، وحذر فيه "من عودة مناخ المواجهة الاستخباراتية بين روسيا والغرب، الى ما كان عليه الحال في حقبة الحرب الباردة".
أما أسباب هذه "العودة" فمعروفة، ومن بينها "الأزمة الاقتصادية العالمية" و"إمدادات الطاقة الروسية الى أوروبا" والحديث المتصل عن شبكات الصواريخ الباليستية في أكثر من بقعة من عالمنا، حسب جيليس.
ويقول جيليس إن الاستخبارات الروسية عادت الى التراث السوفييتي الاستخباراتي في تلك الفترة. والسؤال هو: هل سيعود الروس الى إعادة عملاء ال K.G.B، اوال CIA الذين تفاخروا بعملهم مع هذه المنظومة السوفييتية ، او تلك الامريكية .. في العراق.... ؟!

 

جعلوني مجرماً:

الأربعاء ,30/07/2008

أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
متى أضع العمامة تعرفوني
(سحيم الرياحي)

للعامة قبل الخاصة، يذكر المحققون بصاحب هذا البيت، وهو ارتبط بغيره، بأنه: سحيم بن وئيل بن أعيفر بن ابي عمرو بن إهاب بن مميري بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن عمر بن تميم بن مر بن أد بن طانجة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

وهو شاعر مخضرم، سبق أن اختاره الأصمعي في أصمعياته، عمّر مائة سنة، ستون منها في الاسلام، بحيث جعله "ابن سلّام" في الطبقة الثالثة من شعراء الفترة الاسلامية الأولى.

ويبدو أنه من أصحاب الشارات على عمائمهم.

كان الفرسان العرب، قبل الاسلام ايضاً، يعتمون، وكان الواحد من هؤلاء، صافي النفس، أي واضحاً وجلياً وابن جلا، وطريقه الثنايا، أي الوعر من الجبال والوديان، وكان يضع عمامته جانباً بعد الحرب.

متى أضع العمامة تعرفوني.

ولقد كانت أجيال من الشباب العربي، تعرف نماذجها في الحياة، وتتابع الفنانين المبرزين في الموسيقا والتمثيل ايضاً، ومن هؤلاء الفنان الراحل فريد شوقي.

في أحد أيام سنة ،1987 حدث ان التقيت فريد شوقي، بالعاصمة السورية دمشق، وكان في ذروة انشراحه، فقلت مداعباً: من جعلك مجرماً؟

كأنه بوغت، لأنني ذكرته بأحد أفلامه الشهيرة، التي قدمته لجمهور عرفه صاحب أدوار ثانوية قبل فيلمه "جعلوني مجرماً" الذي أخرجه الفنان عاطف سالم سنة 1954.

تملاّني فريد شوقي.. برهة قصيرة قبل أن يجيب: أولاد الكلب، وعبارة "أولاد الكلب" امتدت على امتدادات الشوارع العربية في كل المدن العربية، وأحياناً كثيرة حيثما يوجد انسان عربي يسير على رصيف غير عربي في مدينة غير عربية.

وفي الروايات المصرية التي تحولت أفلاماً اجتماعية مهمة، تبدأ الجريمة من حيث لا يريدها الانسان، لكنه يجد نفسه في خضمها، لأن الدنيا "بنت كلب" كما في كثير من فرائد النثر المصري.

ولهذا تحول سائق دراجة مصري إلى مجرم، عندما قام بنقل مزارع مصري على تلك الدراجة، ثم ذبحه من الوريد إلى الوريد، بعدما اختلفا على أجرة النقل.

نقلت وكالة "د.ب.أ" الألمانية، عن صحيفة "الأخبار" القاهرية تفصيلات وافية بتاريخ 24/7/2008 عن هذه الجريمة التي لا تستحق إلاّ الصراخ: جعلوني مجرماً.

وحيد وغاضب مثل ذئب

الثلاثاء,22/07/2008

"أسمى عمل ينبغي للانسانية تحقيقه هو تنمية المواهب"
(هيرمان هيسّه)
لا عذر يمكن قبوله من كاتب عربي، اذا ما قال لك: "آسف.. أنا لا أعرف هيرمان هيسه، لأنه يكون بذلك مثل الكاتب الذي لا يعرف كيف يصف حيواناً شرساً ومتوحداً كالذئب.
ولقد كتب هذا الكاتب الألماني، واحدة من أبرز روايات القرن الماضي: "ذئب البراري"، والتي ستنبئك بعد قراءتها، أن الكتابة المبدعة لعب في فراغ الفوضى، وتوصيف ما لا يمكن أن يوصف.
تبدأ رواية "ذئب البراري" بمقدمة من المؤلف، تدخلك في عالم هذا الشخص الذي اسمه ذئب البراري، حين جاء يستأجر نزلاً في منزل عم المؤلف، فوجده "على درجة لا توصف من البعد عن المجتمع، كأنه ذئب في البراري حقاً، كما يسمي نفسه أحياناً، وله طبع وحشي خجول، بل خجول كل الخجل، كأنما أتى من عالم غير العالم الذي نحن فيه".
استوقفتني جملة: "وله طبع وحشي خجول، بل خجول كل الخجل"، لأنني تصورت حديثه عن شخص أعرفه تمام المعرفة وليس عن شخص أتى من غير العالم الذي نحن فيه ومنه.
مع بداية العقد الأخير من القرن المنصرف، شاء الحظ أن أكون محكماً على أعمال قصصية في جائزة أدبية تعنى بالشباب، ووقعت عيناي على قصة قصيرة كتبها شاب فلسطيني، موضوعها وحدة شاب بين عائلته، وغربته في مجتمعه.
رفعت سماعة الهاتف على ذلك الشاب، وسألته: "كيف تأتي لك ان تقول ان بطل قصتك وحيد بين عائلته، وغريب في مجتمعه؟" فقال من فوره "هو هكذا".
وبقي الصمت ناطقاً، عند سماعة هاتفه، فعرفت ان هذا الشاب يجيد فن الكتابة، ويعرف بعض موضوعات الكتابة.
ومن يعرف الفن والموضوع، هو الكاتب الموعود بجحيم الأبداع وفراديسه، وربما يساعده صديق، كما حصل مع فرانز كافكا مثلاً، أو مع فرجينيا وولف وجيمس جويس.
ولكن يحدث ان يتحول المرشد والمربي الى حجر عثرة في طريق كاتب شاب، كما في حال طالب مصري احتجز عدة ساعات، ثم حرم من تكملة بقية امتحانات نهاية السنة لهذا العام الدراسي، لأن مراقب قاعة الامتحانات، وجد على ورقة اجوبته عن اسئلة الرياضيات، انتقادات "للحاكم الظالم" بطريقة أدبية.
لم يتصرف المعلم المرشد، كما ينبغي للعارف والبصير، بل ترك الشاب وحيداً، مثل ذئب في برية، يواجه الوحدة والغربة.. الغضب.

لا تغضب :

الاثنين ,21/07/2008

"يظنّ الغاضبُ أنه يستطيع مجاوزة قدراته"
(ألبير كامو)

تلقَّيْتُ رسالة من نطاسي في علم النفس، هو الطبيب المصري رامز طه، يدعوني فيها إلى المشاركة في حملة يقودها شخصياً، ومعه زمرة من زملائه، ضد الغضب والكآبة، من أجل أن يعيش الواحد منا بهدوء وسيادة. وهذه مبادرة طيبة حقاً، وتستحق التنويه والإشادة.
وخير من نهى عن الغضب، الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لأن الإنسان الغاضب يتحول دمه الى سمّ، كما يقول الحكيم كونفوشيوس.
فتمهّل، أخي الكريم، ولا تغضب. وتفكَّر في حال إنسان آخر، غَضِبَ فتحول دمه الى سمّ، ثم افتكر في شأن نفسك، ودمك الذي يجري في عروقك سمّ في سم.
والغضب جنون؛ والغضب آخره ندم.
والغاضب مجنون وقاتل؛ ولات ساعة مَنْدم.
والغضب ريح عاتية، تطفي سراجات كثيرة، في مقدمتها سراج العقل. ولن تجد عاقلاً يغضب، إلا من أجل المثل العليا، والكمالات الخالصة، وهذه غضبة ليست مثل غضبة ذلك الذي ضيَّع بلداً، لأن أحداً شتم أحداً في الغرب شتم أحداً في بلده.
في الأخبار، أنَّ ذلك الشاتم وكلٌّ يتكلّم بأصله تقيَّأ كلاماً عن حرائر العرب؛ فغضب صاحبنا، ولم يتمالك نفسه، ولم يرجع إلى شعر الحكمة العربي؛ فالمذمة إذا جاءت من ناقص، فهي شهادة بأنك كامل.
وأين هذا، من غضبة ذاك؟
غضب "المعتصم" لأن امرأة عربية في ثغرٍ بعيد عن بغداد، هتك سترها، وغُزيَتْ دارها، فنادت: وا.. معتصماه.
وا.. محمداه.
ومن جميل ما قرأت للمهاتما غاندي قوله: لا تقابل الغضب بالغضب.
وسيكون من جميل صنيعك، أن تقابل الخطأ بالحلم، سواء كنت أميراً؛ أم وزيراً؛ أم خفيراً، لأنك بهذا تزن نفسك بقناطير مقنطرة من الذهب، أو بالأثقال.
روي عن الملك الفارسي أنوشروان، أن وفداً من ملوك الدنيا أقبلوا عليه ذات يوم، فأمر أحد رجاله أن يأتي إليه بتاجه، ففعل الرجل، لكنه عثر، فوقع التاج من يديه وتكسَّر.
وكاد الرجل يموت فرقاً وخوفاً.
قالوا: ظل أنوشروان يغضي ببصره عن الرجل، وملوك الدنيا في حيرة من أمرهم، لئلا يشعر الرجل بالخوف.
ولم يغضب الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، لأن ذلك الرجل الذي بارزه، بصق في وجهه، فلم يقتله في الحال، بل انتظر برهة ثم أجهز عليه، حتى تعرف الناس أن الغضب من أجل الله.. واجب.
نعم، لا تغضب.
ولكن ليكن غضبك نبيلاً وضخماً من أجل الوطن.

جمعة اللامي

www.juma-allami.com
juma@juma-allami.com
juma_allami@yahoo.com




 
الاسم البريد الاكتروني