البنفسج يتذكر

الاربعاء : 20 ـ 5 ـ 2009

أتلحقُ بالرّيب الرّفاقُ ومالكٌ

بمكة، في سجن يُعنّيه راقبُه؟

(مالك بن الريب)

هذا البيت، بيت من قصيدة للشاعر الصعلوك، مالك بن الريب التميمي، أنشدها لنفسه وهو سجين سجن بمكة، لم ينقذه منه إلا رجل اسمه المازني شماس بن عقبة.

وكنا نحب مالكاً، كثيراً، في تلك الأيام من عقد ستينات القرن المنقرض، حين نلتم في ليالي الشتاء أو الصيف أو الربيع أو الخريف، حول الشاعر مظفر النواب، لنستمع بصوته إلى احدى قصائد المتنبي، أو لنستذكر جيفارا، أو ليغني أحدنا: البنفسج.

البنفسج، إحدى أهم قصائد النوّاب باللهجة العراقية الجنوبية. وهي واحدة من قلادة، من بينها قصيدة "حسن الشموس" التي كانت تجعلنا نتحزم بما بقي لدينا من حيل، لنقهر الصحراء، ونخرج إلى حكام المدن، وعليهم أيضاً.

ولكن، هيهات. فلقد كان القبطان سمكة تشوى على نهر دجلة، أو في أحسن الأحوال حكاية خدر للمحرومين، بينما كان السّفنُ المشترون بالدانق يمثلون بطريقة رديئة مشهداً مسرحياً من "الخال فانيا".

اليسار الغبي.

ذلك ما كشفه، بعدما اكتشفه، مظفر النواب في وقت مبكر. وهو ما دار في أدمغة نفر من الجنود والطلبة في تلك الأيام الحاسمة من تاريخ العراق، حين كان الشباب يساقون إلى المحاكم العرفية، وأحياناً إلى سوح الإعدام، بينما " الحرس القديم " يقدمون فروض الطاعة للشقيق الأكبر.

في تلك الايام لعنوا نائب العريف حسن سريع، لأنه قاد انتفاضة تموز المجيدة ضد حكم الفتشست وحلفائهم البارزانيين .

وفي تلك الايام ايضا ، قالوا : تعالوا نذوب في الاتحاد الاشتراكي .

وقالوا : لم يُبق لنا الضباط شيئا ، فما فائدة جريدة غير مرخص لها ، ومطبعة سرية ، وآلاف من ذوي النوايا الطيبة ؟

وبعد أربعين سنة ونيف، تدور الدائرة، ويتغير سرج الحصان فقط، ، على رأي صديقنا شمران الباسري، ويرتصف من يرتصف وراء بريمر تارة، أو خلف القاتل الحليف، تارة أخرى.

في تلك الأيام، حين يحضر مالك بن الريب، وجيفارا، وفوجيك، وأبو سعيد، والحيدري، كانت الأغاني ملاذاتنا، وكانت مثاباتنا أيضاً. ومنها "الريل وحمد" و"حسن الشموس" و"البنفسج".

كانت تلك الأغاني طريقنا إلى الحرية ونحن في الحبس، ودربنا إلى الشعر ونحن في غيابات السجن، ورسالتنا إلى الأهل ونحن في التنور، ومكاتيبنا إلى الحبيبات ونحن في الديجور.

وكانت "البنفسج" وحدها، فصيلاً أنصارياً، يوم كان الكلام في حرب الأنصار، وقتال المغاورين، محرماً، بل إثماً وإفكاً.

"يا ليلة" من ليل البنفسج.

أتعلمون أي صحو يبعثه البنفسج في نفس المنشد؟

أتعلمون أي سحر يتلبس الراقص، وهو ينود ويردد: يا "ليلة".

لكن الكلام ذبالة القلب، كما يقول بلزاك، وأما الصمت، حين لا يتكلم حتى البنفسج، فإنه الصراخ المبين.

وذلك هو الذي سميته ذات يوم: صراخ في بئر.

كنا نصرخ في آبار، كل واحد منا، نحن الفتية الذين نلتف حول مظفر النواب، ونلتم بقربه، كان في بئر. بئر حفرها الرفاق، وبئر حفرتها السلطة، وبئر حفرها الاتحاد الاشتراكي.

وحده البنفسج كان المنقذ، لأنه وهو في غيابات البئر كان يرسل ضوعه للضحية والجلاد.







 
الاسم البريد الاكتروني