دموع الجميلة

 26 ـ 4 ـ 2009
 
  "أنبلُ اللغات الدموعُ"
                        (روبرت هاريس)
 
 
على الخط الآخر من الهاتف، كانت أم علي تنتحب. قالت: فقدته يا عم، راح أحمد مني، ولم يعد لي أحد يستمع إلي.
أعرف أم علي طفلة في الرابعة من عمرها. أما الآن وقد تعدت الثلاثين، فلا علم عندي بشكلها. حتى صوتها بدا لا علاقة لي به عندما تحدثت قبل أيام.
كانت طفلة شقية. كنا نحن أعمامها وأخوالها نغبط أباها عليها، بنت أكبر من عمرها، تحكي مثل الكبار، وتجلس مثل الكبيرات، وتتناول طعامها كما لو أنها سيدة المنزل. وهكذا كنّوها بأم علي.
قالوا: بعدما تعدت “أفراح” العاشرة بأربع سنوات، انتبهت المحلة الى فتاة جديدة تعيش في الزقاق رقم 5 من عرصة السواعد، خصوصاً في ذلك اليوم من سنة 1986.
حدث أن ابن عمها الأكبر، أحمد المسودن، كان على الجبهة. وكانت أفراح، التي ستسمى بأم علي بعد ذلك، متعلقة به، فهو شاب تجاوز الثامنة عشرة بقليل، راهي القامة، صامت دوماً، ولم يرفع رأسه حين يمرّ في الزقاق.
وكان هذا أحد أسباب تعلق أفراح بأحمد المسودن. فقد كانت العلامة الأولى للشاب الذي يبعث على الاحترام، هي أنه يسير في الزقاق ولا يرفع رأسه.
وهكذا سمته النسوان: “أحمد أخو خواته”، وكانت إحداهن تقوم على حيلها، كلما مر أحمد المسودن بالزقاق،
وتشدو بأبيات قصيدة طويلة للشاعرة العظيمة “فدعة”أخُوي حسين جاراته خواته”.
حكاية الشاعرة “فدعة” العراقية، مع أخيها حسين، لا تسعها المجلدات، لكنها بسيطة جداً حد الصعوبة، وهكذا هي الحياة الحقيقية.
وهكذا أيضاً، كانت “أفراح” مع أحمد المسودن. فلقد انبثق في قلبها الصغير، وهي ابنة الرابعة عشرة، حب أحمد، صامتاً، هادئاً، ومن دون إعلان.
 
كانت تهرع الى منزل والدته، حين يعود من الجبهة، وتقف مشدوهة، وهي تراه يتمشى بدشداشته الجنوبية على امتداد الزقاق المترب، دون أن يرفع رأسه عن الأرض.
حتى كان يوم جعل “أفراح” تضاعف عمرها، وتلبس مثل النساء المسنات ثياب الحزن العراقية، يوم جاء رفاق أحمد المسودن، بجثمانه محمولاً على الأعناق، ملفوفاً بالعلم العراقي
عرفت أنه استشهد. لقد قتل برصاصة انطلقت من الخندق المقابل. ومنذ ذلك اليوم، يرى الناس فتاة لا تفارق الدموع وجهها، حتى سموها “أم علي”.
 
 
 
 
جمعة اللامي
www.juma-allami.com
juma_allami@yahoo.com




 
الاسم البريد الاكتروني