الفن والمال ( الحلقة الأولى )

سعد الجادر
 ليس هناك ثمناً للفن والابداع. فالفن الحقيقي: المفيد والجميل، بضاعة فريدة ونادرة. والعمل الفني النيِّر والمُدهش والمُبهر يتعاظم ثمنه بمرور الزمن. وأسعار العملات الورقية تتآكل. والأزمة المالية – الاقتصادية تستحكم. وأسعار الأسهم والعقارات والمعادن النفيسة تتذبذب... 
/site/photo/5984
وفي المقابل يتصاعد الشعور الوطني وفخر الأثرياء الجدد والسوبر أثرياء خاصة في بلدان مثل روسيا والصين والهند والخليج باسترداد ماتسرّب من تحفهم وآثارهم الى الغرب. ومن أبرز الأمثلة على ذلك إقامة المتاحف في إمارات الخليج مثل متاحف قطر، وجزيرة السعديات في أبو ظبي، ومشروع الصين لتشييد 300 متحف كمخطط أولي... والمتاحف الشخصية التي يقيمها بعض 
أثرياء الروس...

 وهكذا يتقدم الفن ليصبح أحد المجالات المهمة والآمنة والجميلة للاستثمار.

في خمسينات القرن الماضي، كما في العراق مثلا، كانت الثقافة والابداع الحقيقي يزينان العلاقة بين الفن والمال. وكان معظم مقتني الفن هم من أعضاء السلك الدبلوماسي ومن العاملين في الشركات الأجنبية ومن أثرياء المثقفين العراقيين. ومنهم من كان يزور الفنان  في منزله ويقتني منه مايعجبه. وكانت الأعمال الفنية تُعرض في الدور للتمتع بها. ولم يكن هناك شراء من أجل البيع. وكانت الاسعار زهيدة، إذ لم يكن همّ الفنان الربح بقدر مشاركة الناس بابداعه وجديد فنّه.  وكان الفنان ينشر " بوستر " الاعلان عن معرضه في المدينة، ويرسل بطاقات دعوة الافتتاح الى أصدقائه ومعارفه والمهتمين. كما كان الفنان يقيم معرضا دورياً محلياً  أو عالمياً : منفرداً أو ضمن مجموعة من العارضين، الذين كانوا يقدّمون الجديد إلى جانب مابحوزة آخرين من انتاجهم، ويكتبون تحتها: " من مجموعة فلان...". 

 فقد كان هناك فناً رائداً، وثقافةً حقيقيةً، وفرحاً اجتماعياً. 

وهذا في مجمله بعيد عن  الوضع الراهن، الذي تحولت فيه أولوية النظر للفن من زاوية المال والأنانية والكذب وما يصاحب ذلك من سلوك منحرف لمافيا الفن، التي جعلت من رسالة الفن ودوره المهم في المجتمع والثقافة والتاريخ وسيلة للأرباح. حيث يحقق " فنان "  عبثي بعيد عن الفن الحقيقي، وممثلة متواضعة، و "مطربة " هابطة ومبتذلة... أموالا طائلة...
/site/photo/5991
ويتم هذا بموازاة تطوُّر الجانب الوحشي من العولمة: بتحويل المال الى صناعة بحد ذاته، ليحصد الارباح بدون مروره بدورة عمل منتج لبضاعة ما. وذلك بخديعة مالية تتحكّم بها النخب الغربية الصهيونية، مثلها في ذلك مثل الاستعمار والغزو والنهب والغش والفساد... ورفد تجارة الفن لتضحى أحد مجالات الأرباح من خلال بيع تراث الشعوب في أسواق ومزادات الغرب، والنفخ في فقاعة فنون الحداثة العبثية، وفي العمار التغريبي الاستهلاكي.

ولا شك فقد حوّلت الرأسمالية السوداء المال الى امبراطورية، وسلاح دمار شامل، وغاية تبرّر كل كذبة وحيلة، وكل وسيلة وجريمة، وذلك من باب أن لكل شيء ثمن: للانسان لاستعباده؛ ولنهب النفط والآثار؛ ولغزو البلاد وتخريبها وإبادة سكانها. تماما كما يحصل في العراق وليبيا وسورية...  ولانتاج وبيع الاسلحة لاستحداث الحروب وجني أرباحها؛ إضافة الى امبراطوريات المخدرات والادوية والجنس وعمل الاطفال والقمار والتدخين والكحول... والاعلام... وكلها تقود الى تراكم المال لدى أثرياء العالم. بينما لايفكِّر أباطرة المال بمصالح البشر: بتوفير العمل والسكن والخدمات والمرافق والغذاء والدواء بأسعار مناسبة، أو القضاء على الاوبئة والامراض المزمنة المستعصية، أو الحد من استغلال النساء والأطفال والمسنين والفقراء والأرامل والأيتام... 

ويؤدي كل ذلك الى استمرار وتسارع استقطاب النقيضين: قِلّة ظالمة من الأغنياء تعمل بكل الوسائل على زيادة ثرواتها؛ مقابل غالبية عظمى من الفقراء يتفاقم بؤسهم وحرمانهم وكآبتهم وإحباطهم. مما يطبع سياسة الغرب بسيادة المال والأنانية على الايمان والاديان والمعتقدات ونظم الاخلاق والقيم الانسانية لثقافات الشعوب. فلا علاقة هناك بين النخب الثرية وبين الله سبحانه: فالجمع بين عبادة صنم المال وعبادة الله أمر مستحيل كما قال المسيح عليه السلام. 

ومقارنة ذلك بالاسلام، فان المال هو مال الله، والانسان مستخلف فيه: " وأنفقوا من مال الله الذي آتاكم..." ..." وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ...". ويجب ان يصاحب نيْل المال كثرة وتنوع مجالات النفع والانتفاع به. فالمال ليس غاية ولا هدفا، بل أداة ووسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية وقضاء الحاجات وتمكين الناس من العيش في ظل حياة كريمة ومستورة. والمال الحلال هو الرزق الناجم عن العمل المنتج والمفيد.  

 كما ان المال في الاسلام لايسيل أنهارا وشلالات من ماكنة " فوتوكوبي " الدولار الهوائي المزوّر؛ بل يقوم على أساس رصين مستندا الى مقداره من الذهب للدينار، والفضة للدرهم، والنحاس للفلس: هذه المعادن التي بندرتها وبالعمل الشاق لاستخراجها وسكّها، تحمي ثمن النقد وتختزن معيار قيمته؛ والتي كان أغلب سكان العالم يستخدمها حتى وقت قريب . 

وتاريخياً، شكلَّت المعادن النفيسة الأساس الحقيقي للقيمة، وجزءاً هاماً من مجالات الاستثمار. ويمكن وضع أوقية من الذهب في الجيب والتصرف بها بشكل قانوني في أي بلد ووقت. وقد أضاف الاسلام الى المعادن المُوازِنة للمال معناها الانساني وبعدها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي: الذي يحرّم الربا والكنز، ويفرض الزكاة، ويشجع على الوقف والصدقة والتكافل الاقتصادي – الاجتماعي. 

وهذا على الضدّ تماماً من الممارسة النقدية للمصارف الغربية المرابية، التي أفرزت الازمة المالية -  الاقتصادية القائمة، والتضخم المالي ذو العلاقة باقتناء الاعمال الفنية بمليارات الدولارات. وقد عرض التلفزيون الهولندي في نهاية عام 2007 الفيلم الوثائقي " اليوم الاول بعد انهيار الدولار "، الذي ظهر فيه ان السعر الحقيقي للدولار هو أربع سنتات فقط، ربما هي قيمة الورق والحبر، وما عداه فهو التزوير والكذب المفروض بارهاب القوة، وبنهب موارد الطاقة من المستعمرات، الذي يدعم تواصل انهيار اقتصاد البلدان النامية وسرقة ماتبقى من مواردها الطبيعية ومنتجاتها المحلية وتضخم أسعار السلع والخدمات فيها.

وعندما تسود ثقافة المال بالشكل القاتم القائم في الوقت الحاضر، فانه لن يبقى ثمناً ثقافياً –  فنيا ً- جمالياً - أخلاقياً لمنتوج ما. فكل شيء بضاعة لها ثمنها المادي... حتى الوردة، هل هي جميلة بصرياً وذهنياً، وهل ان شذاها ممتع ومُسِرّ وبهيج، أم انَّ شمَّتها تقدّر بكذا دولار!.

وينسحب هذا على تراث الشعوب، التي تحوّلت عن وظائفها وهويتها وذاكرتها التاريخية – الثقافية – الفنية – الذوقية كشواهد لعصرها مما لايعادَل بأي مال، ولم توجد من أجل الاتّجار، بل للاستخدام والانتفاع اليومي كأدوات نافعة وجماليات بهيجة... لتصبح بضائع في أسواق الفن.

وطبعاً تعتمد الأرباح الضخمة  لدور المزاد وتجّار الفن على استمرار نمو العرض والطلب على الاعمال الفنية. كما ان دور المزاد مؤسسات نخبوية لاتشكل كتلة الشعوب هدفا لنشاطها، بل الحكام والحاشية والأثرياء خاصة من أموال البترودولار، والأموال المشبوهة / المغسولة. 

وما تواصُل الأرباح الطائلة لدور المزاد إلا، بالدرجة الأساسية، نتيجة زيادة أعداد الأثرياء، الذين يعلمون جيدا بأنه من الممكن دائما شراء أغلى القصور وآخر طرز السيارات والكمبيوترات والتلفزيونات والساعات والنظارات... لكن ليس بالامكان دائما اقتناء تحفة أو لوحة فريدة. كما ان أسعارها، مهما كانت عالية، لاتشغل إلا حيِّزا بسيطا جدا من ثرواتهم. اضافة الى ان جلّ هؤلاء ليسوا من ورثة بناة المجموعات الفنية، ولا من الاخصائيين في الفنون وتاريخها... بل ممن يجد في الفن مجالا جيدا للاستثمار. 

وكما يتبع الدولار الفن، فان الفن يتبع بدوره الدولار: فعندما يجد الناس وباعة الأنتيك وجامعوا اللوحات... بأن الأسعار تصل الى مديات غير مسبوقة فانهم يتشجعون باخراج مالديهم من أعمال فنية لعرضها للبيع. ويُلاحظ ذلك من انتشار البرامج التلفزيونية مثل: Antiques Roadshow, Flog it, Cash in the Atic, Auction Hunters, …

حتى ان دار كريستيز حقق مبيعات عام 2012 بلغت 6.27 مليار دولار أمريكي، بزيادة قدرها 10% عن عام 2011.  " وتمثل هذه المبيعات الاجمالي السنوي الأعلى في تاريخ الشركة وسوق الأعمال الفنية. " ( جمال المجايدة، دار كريستيز للمزادات تؤكد على استمرار نمو الطلب العالمي على الأعمال الفنية خلال العام 2012، القدس العربي، 24/01/2013 ). كما حقق دار مزاد سوذبيز خلال عام 2011 مبيعات تقرب من مليار جنيه استرليني.

ومن جهة أخرى فقد أثّر الركود الاقتصادي العالمي على بورصة الفن، وذلك على موجتين: الاولى، في تسعينات القرن العشرين نتيجة للحروب الاستعمارية المفروضة في الخليج؛ والثانية، منذ عام 2008. حيث أدى عزوف الجامعين محدودي الثراء عن الاقتناء الى تكدّس الاعمال الفنية، وانكماش اسواق الفن، وانخفاض عدد المعارض. 

وقد أدى هذا الركود الى اتجاه عدد من جامعي التحف ومن الفنانين المعاصرين الى تسويق منتجاتهم على الانترنيت، سواء باستحداث موقع خاص بهم، ام بالعرض ضمن مجموعات في مواقع الصالات الفنية الافتراضية، التي اصبحت وسيطة بين الفنانين والجمهور. علما بأن البيع من خلال الانترنيت يشجع على تمرير التزوير.

 لكن هذا لم يمس السوبر أثرياء الذين لم ينل الركود الاقتصادي من تطوير مجموعاتهم، اذ لايهمهم دفع اي ثمن لما يعشقون. فلم يتوقف أثرياء العرب والمسلمين مثلا، عن الاقتناء والجمع رغم الازمات الاقتصادية وتراجع مبيعات التحف؛ بل تحوّل الاهتمام الى النفائس منها: الفريدة والنادرة، ومما كان من ممتلكات الحكام والقصور، ومن المهم معرفيا والاخّاذ بصريا. خاصة مع ظهور جيل شاب جديد من أثرياء الخليج المهتمين بجمع الالطاف الاسلامية؛ ويؤدي هذا بدوره الى تصعيد أسعارها، حتى صارت بعض التحف واللوحات تكسر حاجز المليون دولار بفعل المنافسة الحادة في حمّى المضاربات في دورالمزاد.

وعن:
Olav Velthuis, What crisis? Super rich are still buying, The Art Newspaper, No. 230, December 2011

ولم يقتصر الأمر على الأنتيك والتحف الاسلامية، بل امتدّ ذلك إلى الأعمال التشكيلية الحديثة والمعاصرة: فبينما كان فنانون حقيقيون وروّادا كبارا، عربا ومسلمين، ممن أنتج فنا عالميا لم يحققوا في حياتهم بضعة مئات من الدولارات للوحة أو تمثال أو تخطيط، فقد أصبح بعض انتاجهم يباع الآن  بمئات الالاف من الدولارات، بل كسر حاجز المليون.

ولا يزال سوق الفن النخبوي مزدهراً، وتدرّ المزادات وصالونات الفن في أوربا والولايات المتحدة مليارات الدولارات، في الوقت الذي يعاني فيه الغرب من ازمة مالية قادت الى تقشف اقتصادي واسع يهز المجتمعات التي تعيش البطالة وتآكل المنجزات الديموقراطية، ومعاناة قطّاع الخدمات والمرافق العامة...

وهناك مليارات أخرى تدرها دور المزاد المحلية، كالخليجية والتي يباع فيها: " كل شئ من ستارة الكعبة المشرفة الى قفّاز الملاكم محمد علي كلاي، وخنجر توماس أدوارد ( لورنس العرب ) "... ( القدس العربي، 02/12/2012 )... كناتج لعولمة الفن والاستثمار فيه بنقل فعاليات دور المزاد الغربية الى الخليج وروسيا والصين... حيث يستقبلهم فائض الأموال وتقلب المضاربات: فما لايحقق عشرة آلاف دولار في لندن يباع بعشرة أضعافه في نفس المزاد لكن من نسخة دبي.


www.al-jadir-collect.org.uk                      jadir959@yahoo.co.uk




آراء القراء

أبو انس

مقالة جميلة تكشف انتفاع الطامعين و أغنياء الفساد والتآمر من الفن وإفساد الذوق الرفيع ، ولا ننسى مجالات غسيل الأموال ، دمت بخير وإنشاء الله نقرأ المزيد من الإبداع.
#2013-08-30 17:33

امجد كمال الدين

انني متتبع لكتاباتك واشكرك لعمق موضوعاتك وسلاسة اسلوبها وغناها بالمعلومات التي تجيب على الكثير من الأسئلة التي تراود الأذهان ... تحياتنا لك ولمعكم نافذتنا الرائعة على الثقافة راقية ...
#2013-08-30 18:20

شيرين الحيدرى

الاخ الدكتــــــــور العزيز كتاباتك كلها اكثر من رائعة ومواضيعك كلها قيمة وذات معانى عالية كثر الله امثال واستطيع ان اقول الدنيا لسة بخير لان فيها امثالك واعذرنى عن عدم الرد فى بعض الاحيان لااننا نمر بظروف صعبة وانشاء الله نتخطاها سلام خاص من ابو عمر ويتمنى لك كل التوفيق .....
#2013-08-31 21:49



 
الاسم البريد الاكتروني