القشيري يعرف رَبْعَهُ

القشيري يعرف رَبْعَهُ 

25/08/2008 06:00 AM

إذا القوم قالوا: مَنْ فتى؟ خِلْتُ أنني

عُنيتُ، فلم أكسل ولم أتبلّدِ

(طرفة)

 

هل سمعتم أن صعلوكاً عربياً أو أعجمياً، من الغابرين أو الحاضرين، كان جباناً ومخاتلاً، أو أنه هادن على حساب مبادئ صعلكته، أو تقرّب الى صاحب سطوة ونفوذ على جثث رؤوس أعدائه؟

مثل كثيرين، لم أسمع أن صعلوكاً عربياً أو صينياً أو سلافياً أو هندياً، تنطبق عليه هذه الصفات. لكني - مثل كثيرين - عرفت وسمعت أن بعض »المتصعلكين« كانوا جبناء ومخاتلين، يأكلون لحم إخوتهم قبل أعدائهم، وهم أحياء، بل ويتفننون في هذه العملية الكريهة.

وخير الصعاليك هم الأدباء، وأفضل هؤلاء من اختار الكلمة وطناً ومنفى، والصفوة منهم أولئك الذين يراقصون السحاب، بينما أقدامهم على الأرض، وعيون هذه القلة، من كانوا يبيتون على الطوى من دون أن يصدروا نأمة شكوى. وسنام الجمل في هذا المعشر، هو الذي لم يسجد لغير الله، ويهرب من نعمة المحدثين، ولا يجالس المخاليق الأكثر هزالاً من الهزال نفسه، ولا يرتكن إلا الى خالقه.

 

أغلب العامة تنظر الى الصعاليك باحتقار وازدراء. والعامة المقصودون هنا ليسوا الغوغاء والدهماء والقرّادين والحواة العاديين من الناس. إنما هم ذلك النفر الذين يتخذون موقعاً وسطاً بين السّراة الأغنياء، والفقراء والذين غزا ديارهم الأملاق من الناس. فأغنياء القوم ليسوا بحاجة الى تعريف لأنهم معرّفون بمظاهر الغنى وبحبوحة العيش، والأمر كذلك بالنسبة للفقراء، مع الفارق، فهم الذين لا يملكون تَرْسَ أذن بعير نخالة، وليس لديهم كسوة للشتاء وأخرى للصيف.

إذن، العامة المقصودون هم هذه الفئة البشرية التي نجدها في كل زمان ومكان، الذين يتخذون مكاناً وسطاً بين الأغنياء والفقراء. فهؤلاء لا يريدون أن يمروا - حتى لو مرّ الكرام - بالقرب من ديار الفقراء، كما أنهم غير قادرين على النظر في عيون الأغنياء وذوي النعمة، خصوصاً منهم محدثيها!

لذلك ترى أساطين هذه الفئة، يستنكفون من ذكر الصعاليك، ويحركون أطرافهم - كما أحفاد الذئاب عندما ترى أسيادها - عندما يجاورون، مصادفة، أحد السراة. كذلك ترى الصعاليك كأن أحدهم أصابه عطاس مفاجئ، إذا مرّ بجواره أحد أولئك العامة.

 

هذا النمط من " العامة" هو الهدف الدائم لصديقي الصعلوك: عبدالله القشيري. وعبدالله هذا هو عبدالله فعلاً، في ملبسه ومأكله وعلاقته مع الناس، فقراء وأغنياء، عرباً وعجماً، أمراء وأجراء، لا يفرّق بين هذا وذاك إلا بالتقوى، ولا ينتظر من أحد - إلا ربّه العلي القدير - سوى الانقلاب والخيانة.

ولقد تعرفت الى هذا الصعلوك القشيري من طرف غريب المتروك.

قال لي المتروك: هذا رجل صعلوك لا يعرف أنه صعلوك.

قلت: هو إنسان سويّ، إذاً؟

قال المتروك: كما تراه يراك.

وما هي إلا أيام معدودات حتى أصبحنا رفاق طريق، وأخْدان مأوى واحد، نأكل في خان معلوم، وننام في آخر أكثر شهرة بفقره وإفلاسه، حتى لقد قال احد الظرفاء: هذان مثل " شَنّ" و" طبقة" ، بينما رمانا العامة بفساد الذوق وانعدام المروءة وقلّة الانسانية.

تناهت هذه الصفات كلها الى أذني القشيري، فقال لي: تعال معي يا أخا الحال، نذهب الى مكتب فلان الفلاني. وهو - لمن لا يعرفه - أحد أولئك " العامة" الذين تتجسد فيهم صفات هذه الطبقة القلقة وغير المتوازنة.

دخلنا على " فلان الفلاني" في مكتبه، فأعرض عنّا، وصعّر خده، كأنه يريد القول: من أتى بهذين الصعلوكين هنا؟

خاطبه عبدالله القشيري: اعلم يا هذا، أنك غيّرت اسمك، وتخلّيت عن اسم أبيك وأهلك، وأبدلت أرومتك لدى دائرة النفوس، وتزوجت امرأة لا تحبها ولا تحبك، واشتغلت طبّالاً ونخاساً وقرّاداً وحاوياً، فتعلمت من هذه المهن بعض حيلها، وجئت تبيعها الى الناس.

بُهتَ فلان الفلاني، إذْ رأى القشيري يقرأ ما في عقله وسريرته وهو الذي حاول دوماً إخفاء أمره على الناس. فلزم السكوت.

أكمل القشيري: والآن مات قلبك. أتعرف - يا هذا - معنى موت القلب؟

لا صعلوك حقيقياً، إلا وكان صدره بستانه، وقلبه جنته!




 
الاسم البريد الاكتروني