ربيع عربي" في مهرجان لندن السينمائي

 صفاء الصالح
 
 السبت، 19 أكتوبر/ تشرين الأول، 2013+
الممثلة ليم لوباني

أدت الممثلة ليم لوباكي دور نادية في فيلم "عمر" للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد

فرضت التحولات الجارية في العالم العربي وما تشهده بعض بلدانه من فوران جماهيري وانتفاضات شعبية حضورها على الدورة 57 من مهرجان لندن السينمائي الجارية فعالياتها هذه الايام. فباتت المشاركة العربية أكبر مشاركة في تاريخ دورات المهرجان بحضور سبعة أفلام لمخرجين عرب في فعاليات المهرجان المختلفة وفي مسابقته الرئيسية، فضلا عن فيلم قصير.

وإذا كانت ثمة خلافات على إطلاق تسمية "الربيع العربي" على الأحداث الجارية في العالم العربي، التي يراها البعض شتاء ثقيلا أو خريفا لأنظمة هرمة ومجتمعات مأزومة، فإن حجم المشاركة العربية تجعل منها بحق "ربيعا عربيا" في مهرجان لندن السينمائي.

وقد يتضاعف هذا الحضور بنظر البعض إذا أضفنا إليه مشاركة مخرجين وممثلين من أصول عربية في أفلام قدمت في المهرجان ممثلة لدول أخرى، كما هو الحال مع فيلم المخرج التونسي الأصل عبد اللطيف كشيش الحائز على السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي الدولي "الأزرق أدفا الالوان" أو ("حياة أديل" في عنوانه الفرنسي الاصلي)، أو مشاركة الممثل والمخرج رشيد بوشارب في انتاج فيلم "كاميل كلوديل 1915".

وواقع الحال إنها مشاركات تنتمي كليا إلى فضاء الثقافة الفرنسية التي أنتجتها ولا صلة لها بأي تمثيل عربي عدا طريقة لفظ اسماء الفنانين من أصول عربية من المشاركين فيها.

فالفيلم الذي أخرجه كشيش هو فيلم فرنسي خالص، ويطرح مشكلات في صميم الثقافة الفرنسية في مناقشته للعلاقة بين فتاتين مثليتين في فرنسا. ولعل الجدل الذي رافق فوز الفيلم في مهرجان كان إنصب على الهوية الاجتماعية لمخرجه وكيف خاض مخرج رجل الغوص في تجسيد دقائق علاقة مثلية أنثوية حميمة، وليس على هويته الأثنية.

داخل المسابقة الرسمية

واقتصر التمثيل العربي في مسابقة المهرجان الرسمية على فيلم واحد هو فيلم المخرج المصري الشاب أحمد عبد الله السيد "فرش وغطا" وتمثيل آسر ياسين وعمرو عابد ويارا جبران.

يستعير الفيلم عنوانه "فرش وغطا" من شريط في الإنشاد الصوفي الشعبي، حيث تشكل بعض أغانيه خلفية لانتقال المخرج لتصوير واقع الهامش الاجتماعي المصري، إذ صور كثيرا من مشاهد الفيلم في حي الزبالين ووسط سكان المقابر وعدد من الأحياء الشعبية المهمشة في القاهرة.

رصد المخرج محمد ملص التحولات الجارية في الواقع السوري.

لقد تجنب السيد التعبير المباشر عن أحداث "ثورة" يناير في 2011 في مصر، على الرغم من أن أحداثه تجري زمنيا فيها، واختار بدلا من ذلك الذهاب إلى أحياء الهامش بحثا عن واقع الفقر والحرمان والتهميش الذي يغذي هذه الثورة.

وقد كان ذلك حلا ناجحا أمام أزمة بطله الهارب من السجن، بعد فتح السجون وهروب السجناء الذي ترافق مع تطور مظاهرات الاحتجاج في مصر مطلع عام 2011، والذي ظل يتنقل خائفا على هامش ما يجري في الشارع المصري ليرصد عبر تتبعه واقع الفقر والحرمان والتهميش في هذه الأحياء.

وهو الفيلم الثالث في مسيرة المخرج الشاب الابداعية بعد أن جاء إلى الإخراج من المونتاج ، بعد فيلميه "هليوبوليس" 2009 الذي يرصد خمس حكايات مختلفة في هذا الحي القاهري العريق "وميكرفون"2010، الذي عرض في دورة مهرجان لندن السابقة، وكان من الأفلام التي حدست تطور الأوضاع في مصر بتصويره لثقافة الشباب المضادة للثقافة السائدة، مع عدد من الموسيقيين ومغنني الهب هوب وفناني الغرافيتي (الكتابة على الجدران) الشباب في الاسكندرية.

موسيقى المهمشين

وفي الإتجاه ذاته يصب فيلم المخرجة التونسية هند مضب "إلكترو شعبي" ومن انتاج فرنسي ـ مصري (ستوديو مصر/ بطرس كريم غالي وكريم جمال الدين )، إذ يرصد ظاهرة الغناء الشعبي الذي يطلق اسم "المهرجانات"، وهي محاكاة مصرية أقرب إلى غناء الراب وثقافة الهب هوب التي انتشرت عالميا.

بدأت المخرجة بتصوير أحداث فيلمها بعد "الثورة" المصرية في يناير 2011 ، عندما كانت تقوم بتصوير مجموعة من اللقاءات لقناة فرنسية عن العلاقة بين الموسيقى والسياسة في عدد من البلدان العربية. حيث التقت بعدد من ممثلي هذا النمط من الغناء (أوكا وأورتيجا وإسلام شيتي) وهم في الغالب مغنيين هامشيين من بيئات وأحياء فقيرة في مصر.

وتابعت المخرجة على مدى عامين تطور هذه الظاهرة عبر زيارات متقطعة للقاهرة حتى انتهت من تصوير فيلمها في ديسمبر/كانون الأول عام 2012.

لقد سمحت فترة التصوير الطويلة تلك للمخرج بتتبع هذه الظاهرة ومسارات رموزها منذ انطلاقتها بشكل واسع بعد الثورة المصرية من الأحياء الشعبية المصرية، حتى تحولها إلى ظاهرة فنية تجارية غزت عدد من القنوات التلفزيونية ومسارح المهرجانات الموسيقية.

واذ اعتمدت المخرجة على لقاءات مباشرة مع عوائل بعض هؤلاء المغنيين وصورت الواقع الذي يعيشون فيه في احياءهم الفقيرة ورافقتهم في مهرجاناتهم في عدد من الأحياء الشعبية المصرية، إلا أنها ظلت عند حدود الرصد الخارجي دون الغوص عميقا في تحليل أسباب هذه الظاهرة والغضب الذي يعكسه غنائهم.

وانجر فيلمها لاحقا لمتابعة خيط سردي هو الخلاف الشخصي بين مغني هذه المجموعات بعد تنافسهم عند شهرتهم ودخولهم عوالم السينما والتلفزيون والتجارة.

"سلم إلى دمشق"

"

وفي فيلمه "سلم الى دمشق" المعروض ضمن تظاهرة "حب" في المهرجان يرصد المخرج السوري محمد ملص التحولات الجارية في الواقع السوري عبر متابعة حيوات مجموعة من الشباب السوريين الذين يعيشون في نزل في العاصمة السورية، وحكايات أحلامهم بالحب والحرية.

لقد بدأ ملص مشروع فيلمه (وهو أنتاج قطري لبناني سوري مشترك) وحصل على موافقة السلطات السورية على تصويره في سوريا قبل بدء حركة الاحتجاجات فيها في مارس/آذار 2011، ورافق تصوير فيلمه تطور حركة هذه الاحتجاجات الشعبية إلى نزاع مسلح لف البلاد بدوامته، وحاول تكييف سيناريو فيلمه لملاحقة بعض تطوراتها.

من هنا بدت الأحداث الجارية في الواقع السوري، بتسارعها وبعنفها المروع وتعقيداتها، متجاوزة لرؤية ملص التي ظلت عند حدود أسلوبه التأملي الشاعري، الذي عرف به في أفلام أمثال "الليل" و"أحلام مدينة"، واستغراقه في بناء جماليات بصرية بدت ترفا مبالغا فيه بالمقارنة مع ما يجري في الواقع السوري.

وعند المقارنة مع تصويره الشاعري للحياة في مدينة دمشق وتحولاتها في فيلمه "أحلام مدينة" عام 1984، نرى ملص منكفئا يتحدث عن مدينة التي يعشق (دمشق) عبر بنية حلمية ورمزية في مكان مغلق مع شبابه الذين يعيشون في نزل فيها محاصرين وهاربين من بنية قمع خارجية، وغارقين في أحلامهم وفي البحث عن سبيل للتعبير عن توقهم إلى الحرية حتى لو كان سلما يصعدون فيه إلى السماء لإطلاق صرخة حرية.

عودة إلى الاجتماعي

وعرض المهرجان فيلم (السطوح) للمخرج الجزائري مرزاق علواش (انتاج فرنسي ـ جزائري) الذي خاض فيه تحدي بناء فيلم ذي حبكة متعددة تستند إلى حكايات مختلفة تشترك بسمة مكانية هي سطوح المنازل في أحياء مختلفة من العاصمة الجزائرية.

وتوزعت هنا على خمس حكايات في خمسة أحياء مختلفة في الجزائر تتوزع من حي القصبة الشهير إلى الجزائر الوسطى وباب الواد ونوتردام وبلكور. ويوزع علواش سرده بشكل متواز بين الأماكن الخمسة وفي خمسة فصول سردية تجري خلال يوم واحد ويربطها بأوقات الصلوات الإسلامية الخمس، ويضع عناوين تؤكد حدود أوقات هذه الصلوات في الفقه الإسلامي.

فيلم السطوح

حاول علواش في حكاياته الخمس أن يقدم صورة بانورامية لواقع العاصمة الجزائرية.

لقد حاول علواش في حكاياته الخمس أن يقدم صورة بانورامية لواقع العاصمة الجزائرية ولعلاقات القوة فيها وأثرها في الشرائح الاجتماعية المهمشة، ودفعه هذا الخيار إلى خوض تحد سردي بمتابعة شخصيات ومصائر بشرية مختلفة في مسارات متباينة تتطلب حلولا سردية معقدة لتحقيق بناء سردي متجانس منها.

وإذا كان علواش سبق أن تعامل مع موضوعة الدين الإسلامي في عدد من أفلامه ("باب الواد سيتي" و "العالم الاخر" و"التائب")، في سياق تصاعد مد الجماعات الإسلامية المسلحة والتطرف في الجزائر وما خلفته من ندب وجراح لا تندمل في الواقع الجزائري، فإنه في هذا الفيلم قدم صورة معممة حاولت الربط بين الإسلام كثقافة مجتمع وتخلف هذا المجتمع، الذي يقدمه في صورة سلبية عامة، غارقا في اليأس والجهل والفقر والنفاق والفساد، وطبعت هذه السلبية كل شخصياته (النمطية) باستثناء الطفلة الصغيرة.اضغط هنا(يمكن قراءة العرض التفصيلي لفيلم السطوح في بي بي سي هنا )

ومن لبنان يعرض المهرجان ضمن تظاهرة "ضحك" للأفلام الكوميدية فيلما بدا مختلفا عن سياق هذه الأفلام المختنقة بأثر التحولات السياسية الجارية، وهو فيلم "غدي" للمخرج أمين درّة والممثل اللبناني جورج خباز كاتبا وممثلا.

يذهب فيلم "غدي" إلى التعبير عن مشكلة اجتماعية، هي نظرة وتعامل المجتمع مع ذوي الاحتياجات الخاصة، بعذوبة وسلاسة تجعل منها حكاية تحتمل الطرافة، (تخلط التراجيدي بالكوميدي)، بدلا من التعامل القائم على استدرار التعاطف أو التركيز على النظرة المأساوية.

إذ يتحدث الفيلم الذي كتبه جورج خباز عن تجربة عملية بعد عمله لخمس سنوات مع جمعية لذوي الاحتياجات الخاصة، عن أب موسيقي يحاول حماية ابنه المعاق (مثله صبي من ذوي الاحتياجات الخاصة)، وعبر حيل ذكية، من نظرة بعض أهالي الحي الدونية وتعاملهم الفظ معه، بإقناعهم بعبقريته الموسيقية وهو يقدم "نشازات" عند جلوسه اليومي أمام شباك منزلهم محاولا تقليد والده.

حضور فلسطيني

وقدم فيلم "عمر" للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد مفارقة انتاجية بالمقارنة مع أفلام المخرجين العرب الأخرى المشاركة في المهرجان والتي جاء معظمها ضمن سياق الانتاج المشترك، إذ مول أبو أسعد معظم فيلمه من رجال أعمال فلسطينيين.

كما حمل مفاجأة ثانية، عند المقارنة مع التعامل السائد في أفلام القضية الفلسطينية، حيث قدم فيلمه ضمن حبكة تشويق وإثارة ومغامرة، عند متابعة لقصة ثلاثة أصدقاء طفولة تتفرق مصائرهم في سياق الوضع الفلسطيني، وسط أجواء العنف والنضال والخيانة.

حاول هاني أبو أسعد خلق فيلم عماده الإثارة والتشويق.

فعمر (يؤدي دوره آدم بكري) يقع في حب نادية (ليم لوباكي) أخت صديقه طارق أحد الشباب الفلسطينيين المنخرطين في العمل المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، ويدفعه حبه لخوض تجربة العمل المسلح والمشاركة في عملية لقتل جندي إسرائيلي مع طارق وزميل طفولتهما أمجد لينال إعجاب نادية، لكنه يتعرض إلى الاعتقال والتعذيب، ويعمل محقق إسرائيلي(الممثل وليد زعيتر) على تحويله إلى متعاون يدلي بمعلومات عن طارق وجماعته واستخدامه للوصول إلى قاتل الجندي الإسرائيلي.

ويقود أبو أسعد مسارات فيلمه وسط أجواء من الشك والاتهامات بالخيانة تصب في مجموعة من المفارقات الميلودرامية، فبعد اتهام عمر بأنه مخبر، واكتشاف أن صديقه أمجد على علاقة مع حبيبته نادية، والذي يخبره بأنها حامل منه وإنه تعرض أيضا الى تهديدات من المخابرات الإسرائيلية أيضا، يقود عمر امجد لطارق للاعتراف بذنبه لكن شجار بينهم ينتهي بمقتل طارق.

ويحصل عمر على ثقة المحقق الإسرائيلي بتسليم طارق وكأنه هو من قام بقتله، لكنه يكتشف في النهاية أن أمجد الذي تزوج حبيبته هو الذي خان الجميع وأوهمه بعلاقته مع ناديا بتوجيه من المحقق الإسرائيلي.

وينتهي الأمر به إلى طلب سلاح من المحقق الإسرائيلي مقابل أن يدله على القائد الجديد للمجموعة المسلحة وقاتل الجندي الإسرائيلي، لينتهي الفيلم بتوجيه رصاصة من المسدس الذي يستلمه من المحقق الإسرائيلي إلى رأسه.

لقد أنجر أبو أسعد في فيلمه وراء محاولة خلق سياق عماده الإثارة والتشويق ينتمي إلى السياق السائد في سينما هوليود، وتراجع عن بؤرة اهتمامه الغوص عميقا في تحليل واقع المعاناة الذي يعيشه الفلسطينيون تحت الاحتلال وأسبابه.

وتعكس المخرجة الفلسطينية شيرين دعيبس في فيلمها "مي في الصيف" المشارك في تظاهرة "حب" مسار فيلمها السابق الناجح "أمريكا" الذي تتابع فيه مسار سيدة فلسطينية تهاجر من عمان إلى أمريكا، لتقدم في هذا الفيلم حكاية أمرأة فلسطينية (تؤدي دعيبس دورها) من عائلة مسيحية قادمة من نيويورك إلى عمان للقاء بعائلتها المكونة من أمها وشقيقتيها والاستعداد للزواج من حبيبها المسلم (زياد) الذي يعيش في أمريكا ايضا.

وتغوص مي الفتاة المتحررة من ضغط التقاليد (والتي كتبت كتابا ناجحا عن الأمثال الشعبية العربية) بمشكلات عائلتها والوسط المحافظ الذي تعيش فيه، بين طلاق والدها وامها، ومشكلات شقيقتيها ومثلية احداهما، واعتراض والدتها على زواجها من مسلم.

ووسط هذه الخيوط المتشعبة تدخل دعيبس بطلتها في خوض مغامرة مع شاب تتعرف عليه في إحدى الحفلات في ناد ليلي، لتقضي معه ليلة تحت سماء صافية ممتلئة بالنجوم في وادي رم في الأردن.

وعبر تلك البنية السردية الفضفاضة وحرص المخرجة دعيبس على تصوير جماليات بعض المواقع السياحية في الأردن مثل وادي رم، ومجمع سياحي على البحر الميت، بات الفيلم في النهاية أقرب إلى تلك الأفلام الدعائية السياحية، على أن الأردن كان إحدى الجهات الانتاجية في هذا الفيلم إلى جانب جهات انتاجية من قطر ولبنان والولايات المتحدة.

بقي ان نلفت الانتباه هنا إلى فيلم وثائقي هو "فاعلو الخير" للمخرجة البريطاني كلوي روثفين، الذي تناول قضية منظمات الإغاثة والمساعدات الإنسانية التي تعمل في غزة والضفة الغربية وبسياق ابداعي مؤثر، وهو انتاج بريطاني فلسطيني مشترك.

تنتقل روثفن ببراعة بين الخاص والعام، في متابعتها لدور منظمات ومتطوعو المساعدات الإنسانية للفلسطينيين، حيث تنطلق من رغبتها بمتابعة حكاية جدتها وجدها الذين كانا يعملان في جهود إغاثة الفلسطينيين في عام 1948 لتناقش واقع منظمات المساعدات الدولية هناك عموما، ولتعود إلى الخاص في التركيز على حكاية لبنى البنت الفلسطينية التي تساعدها في إنجاز الفيلم، هو ما سنتناوله في مقال تفصيلي لاحقا.




 
الاسم البريد الاكتروني