مهرجان لندن يكرم كريستوفر لي ويمنح جائزته لفيلم بالأبيض والأسود


الأحد، 20 أكتوبر/ تشرين الأول، 2013

بافل بافلوفسكي

ترأس لجنة التحكيم الناقد السينمائي فيليب فرينتش (ناقد صحيفة الغارديان سابقا).

توج فيلم "إيدا" المصور بالأبيض والأسود للمخرج البولندي المقيم في بريطانيا بافل بافلكوفسكي بجائزة أفضل فيلم في المسابقة الرسمية للدورة 57 لمهرجان لندن السينمائي.


وشكل حضور النجم الشهير جوني ديب مفاجأة حفل توزيع جوائز المهرجان الذي أقيم في العاصمة البريطانية، حيث قام بتسليم نجم أفلام الرعب الممثل المخضرم كريستوفر لي جائزة (زمالة) معهد الفيلم البريطاني التي منحت له عن مجمل إنجازاته في حياته المهنية.
كما نال السينارست البريطاني جوناثان آسر على جائزة أفضل موهبة بريطانية قادمة عن النص الذي كتبه لفيلم "المرحّل" (Starred up) للمخرج ديفيد ماكنزي.

وقال ديب إنه لشرف عظيم لي أن أكون هنا" واصفا الممثل لي قبل تسليمه جائزته "إنه رجل عظيم، حقا إنه رجل عظيم جدا" وإنه "ثروة وطنية" و"فنان حقيقي".

وأضاف ديب أنه "حلم طفولة بات حقيقة بالتأكيد" أن تعمل مع لي وتتعلم منه، وأنه كان مصدر إلهام له وللعديد من الممثلين والمخرجين.

وصف جوني ديب الممثل كريستوفر لي بأنه "ثروة وطنية"

ورد لي التحية بأحسن منها، بينما كانت عيناه تلتمعان بدموع فرح قال لديب "جوني، لا أعرف ما أقول. لم أكن أعرف إنك ستكون هنا. إنها لحظة عاطفية مؤثرة بالنسبة لي".

واوضح لي إن شخصا ما أبلغه إن ديب "في مكان ما من أوروبا "لتصوير فيلم، مؤكدا أن وجوده يعني الكثير بالنسبة له، فهو أحد الممثلين الشباب القلائل الذي يمثل "نجما حقيقيا" واصفا إياه بالممثل والمخرج الذي يحلم بالعمل معه.

وكان النجمان قد عملا معا في أفلام "تشارلي ومصنع الشكولاتة" و"سليبي هولو" و"ظلال قاتمة". وتضم مسيرة حياة لي (91 عاما) الفنية الطويلة نحو 250 فيلما، كثير منها يندرج تحت خانة أفلام الرعب.

بالأبيض والأسود

"تقدر لجنة التحكيم بشكل كبير فيلم إيدا، وهو أول فيلم يصوره المخرج، الذي اشتهر اثناء إقامته في بريطانيا، في بلده بولندا. لقد تاثرنا بعمق بشجاعة الفيلم في تعامله بدقة وببصيرة مع وضع تاريخي متناقض بشكل مؤلم ـ الإحتلال الألماني والهولوكوست ـ التي مازال يتردد صداها. مع إشادة خاصة باستخدامه لغة بصرية غامرة لخلق تأثير عاطفي دائم"

من بيان لجنة تحكيم المسابقة الرسمية

ويبدو فيلم "إيدا" الذي توج بجائزة المهرجان الرئيسية وكأنه فيلم قادم من عصر آخر، عبر تصويره بالأبيض والأسود، وإيقاعه التأملي البطيء، وكوادره السينمائية القائمة على التباين الحاد بين الظل والضوء وخلق هارموني من تباينات الظلال هذه التي فرضتها قتامة ومأساوية موضوعه.

إنه فيلم يذكر بأسلوب المخرج الدانماركي (الفيلم انتاج بولندي دانماركي مشترك) كارل دراير بعنايته المفرطة برسم كوادره واستثماره جماليات الأبيض والأسود، وإيقاعه التأملي البطيء ولقطاته الطويلة.

وقد يحيل أيضا إلى سينما الهنغاري بيلا تار، مع الأخذ بالاعتبار فارق اعتماد بافلكوفسكي على اللقطات القريبة والقطع المونتاجي، بينما تغرق مشاهد تار الطويلة في خلق مونتاجها الداخلي داخل تفاصيل اللقطة الواحدة التي تستغرق وقتا طويلا على الشاشة.

لقد فرضت مأساوية الموضوع الذي يعالجه الفيلم على بافلكوفسكي هذه الخيارات ليعكس كآبة العصر الذي تعيشه شخصياته، وهي راهبة شابة يتيمة "آنا" (أغاتا تريزباتشوفسكا) نشأت في دير منذ طفولتها، يرسلها الدير الذي تعيش فيه إلى آخر قريبة من عائلتها كي تراها قبل لحظة ترسيمها راهبة نذرت نفسها للرب بشكل نهائي.

وهنا تصل آنا إلى خالتها فاندا غروس (وتلقب بفاندا الحمراء) (تؤدي دورها بحضور مؤثر الممثلة أغاتا كوليسزا) التي تكشف لها أنها يهودية واسمها الحقيقي إيدا، وقد قتل أبوها وأمها وأخوها ابان الهولوكوست خلال الاحتلال الألماني.

وهنا يستحيل الفيلم إلى واحد من أفلام الطريق مع رحلة البحث التي تخوضها البنت والخالة للبحث عمن يعرف موضع رفات والديها. وهي رحلة تعرف إيدا/أنا على ماضيها وهويتها وكذلك على جسدها، كما تدعوها فاندا لخوض تجربة جسدية للتعرف على نفسها، والتخلص من القيم الدينية الملقنة بها.

بحث في الهوية والجسد

انهما تشكلان ثنائيا متناقضا بشكل صارخ، وان جمعتهما الهوية اليهودية المغيبة، لدى إيدا الراهبة الكاثوليكية وفاندا الشخصية المعذبة المفرطة في الشراب والحسية، والتي تنخرط كعضو فاعل في الحزب الشيوعي البولندي، وتعمل محققة وقاضية خلال الستينيات وتصف نفسها بأنها أرسلت العديدين إلى الموت.

وهنا يصفي بافلكوفسكي حسابه مع كل التراث الكاثوليكي المهيمن في بولندا، وكذلك مع الهيمنة الشيوعية في المرحلة التي يصفها، مركزا على اللاسامية الدفينة فيهما بنظره. فتعرف فاندا عبر اسلوبها التحقيقي أن العائلة التي تحتل بيت أهل إيدا الان هي من قامت بقتلهم لتحصل على ما يملكونه، على الرغم من أنهم من قاموا بإخفائهم في الغابة في البداية لحمايتهم من الهولوكوست. ويقوم الأبن بأخذهما إلى المكان الذي دفنوا فيه مقابل أن تعترفا له بملكية البيت وتتركا البحث في جريمة الماضي التي لا يمكن اثباتها.

وتصبح رحلة تعرف إيدا على ماضيها رحلة تعرف على جسدها عندما تترك ترسيمها كراهبة وتعيش علاقة جسدية مع عازف ساكسفون شاب تتعرفان عليه خلال رحلة البحث عن والديها.

وينهي بافلكوفسكي فيلمه في نهاية مفتوحة تعكس حيرة بطلته وخياراتها المضاعة، بأن يتركها وسط الرحلة إلى طمأنينة دينية تلقنتها فيصورها تمشي في طريق ممتد حاملة حقيبتها وقد عادت لارتداء لباس الراهبات.(سنتوقف عند هذا الفيلم في مقال تفصيلي لاحق).

مناخ الستينيات

لقد قدم بافلكوفسكي تجسيدا غنيا لحقبة الستينيات في بولندا.

لقد قدم بافلكوفسكي تجسيدا غنيا للحقبة التي يصفها في شريط صوره وفي شريط صوته، فأذا كان شريط الصور حرص على تجسيد ذاك الفضاء القاتم الذي يمثله شتاء بولندا القاسي بظلاله الرمادية المعتمه، فضلا عن مايراه هو مرحلة معتمة وكئيبة في بولندا تحت النظام الشيوعي الذي هرب منه، وتعمقه عزلة شخصياته ومأساتها الانسانية الكبيرة، فأن شريط الصوت قدم بدايات انتشار موسيقى الجاز في بولندا وحرص على تقديم أعمال الستينيات لاسيما أعمال عازف السكسفون وموسيقى الجاز الأمريكي جون كولترين.

لقد وصفت لجنة التحكيم التي ترأسها الناقد السينمائي فيليب فرينتش (ناقد صحيفة الغارديان سابقا) في بيانها فيلم إيدا بقولها "تقدر لجنة التحكيم بشكل كبير فيلم إيدا، وهو أول فيلم يصوره المخرج، الذي اشتهر اثناء إقامته في بريطانيا، في بلده بولندا. لقد تأثرنا بعمق بشجاعة الفيلم في تعامله بدقة وببصيرة مع وضع تاريخي متناقض بشكل مؤلم ـ الإحتلال الألماني والهولوكوست ـ التي مازال يتردد صداها. مع إشادة خاصة باستخدامه لغة بصرية غامرة لخلق تأثير عاطفي دائم ".

شارك فرينتش في لجنة تحكيم المسابقة الرسمية كل من لون شيرفيغ مخرج فيلم "تربية" والمرشح للاوسكار عدة مرات، ووالفنان البصري المقيم في كندا ستان دوغلاس، والممثلة المرشحة للأوسكار مرتين والحاصلة على جائزة الأكاديمة البريطانية (بافتا) ميراندا ريتشاردسون والكاتبة ديبورا موغاتش (كاتبة سيناريو كبرياء وهوى عن رواية جين أوستن الشهيرة) ومدير التصوير المرشح للأوسكار رودريغو بريتو (من أفلامه:أرغو، وجبل بروكباك).

موهبة واعدة

واقتطف السينارست جوناثان آسر باستحقاق جائزة الموهبة السينمائية البريطانية الواعدة، حين عكس تجربة شخصية في العمل المباشر في التأهيل النفسي مع عدد من السجناء العنيفين في سجن واندسورث البريطاني في سياق سيناريو عمل درامي مشوق ومؤثر.

لقد استعار الفيلم عنوانه (Starred up) (المرحّل) من الوصف الذي يطلق على السجناء المراهقين الذين يرحلون إلى سجن الكبار بسبب سلوكهم العنيف غير المسيطر عليه.

ويتابع الفيلم قصة أريك الشاب المراهق الذي يرحّل من سجن الأحداث إلى سجن للكبار يقبع فيه والده المحكوم لفترة طويلة، وهنا يستخدم آسر مبضع جراح لتحليل شخصية الفتى العنيف والمضطرب وجذورها في علاقته بوالده، فضلا عن شخصية الوالد المضطربة اصلا ومثليته في السجن وتأثيرات ذلك على ولده.

ويتطور هذا التحليل عبر محاولة معالج نفسي متطوع للعمل في السجن يزج أريك ضمن علاج جماعي مع مجموعة من السجناء العنيفين، ولتصبح هذه التجربة مرآة لأريك كي يلقي نظرة على حياته وأفعاله وسط فضاء الجماعة، فضلا عن إنها محاولة لترويض طاقة العنف الكبيرة فيه.

جوناثان آسر

اقتطف السينارست جوناثان آسر باستحقاق جائزة الموهبة السينمائية البريطانية الواعدة.

لقد أعطى آسر في نصه (الذي يذهب عميقا في تحليل دوافع عنف أبطاله وتمردهم على النظام، ضمن موازنة دقيقة مع عناصر الشد والإثارة والسرد السينمائي المشوق) لأفلام السجن دفقة حيوية جديدة وعمقا تحليلا نثره بنجاح في طيات سرده المشوق، فضلا عن لمسة نقد سياسي في نقد الإدارة الفاسدة المتواطئة مع مافيات السجون، والمتسببة إحيانا بتعميق واقع البؤس والعنف الذي يعيشه السجناء. (كما هي الحال في المشهد الذي تلجا فيه إدارة السجن إلى محاولة قتل الشاب العنيف وإظهار الأمر على أنه مجرد انتحار).

لقد نجح آسر في تجسيد فضاء السجن العنيف، وجعل شخصياته تنبض بالحياة والعنف، ضمن حوارات متوترة ولغة تطفح بالشتائم والعبارات البذيئة التي يتبادلها السجناء. وحاول المخرج ديفيد ماكنزي تجسيد ومجاراة هذا السرد المتوتر بمعادلات ولغة بصرية اتسمت بالقطع السريع وحركات الكاميرا المحمولة التي بدت حلا موفقا في العمل ضمن فضاء الزنازين والباحات المغلقة والجدران والابواب الحديدية المتعددة، حيث صور المخرج فيلمه في سجن سابق متروك.

ووصفت أماندا بوسي التي قرأت بيان لجنة التحكيم عمل آسر قائلة "(المرحّل) قصة أصلية تُروى بصوت فردي وحقيقي، فيبدو مؤثرا مرة واستفزازيا في أخرى، لكنه قادر دائما على جذب (مشاهده). وهذه المادة، وإن جاءت من كاتب سيناريو جديد، كانت من الذكاء والتميز بما فيه الكفاية لتجذب مواهب رفيعة اخراجا وتمثيلا".

كما نوهت اللجنة بأداء الممثلين كونر تشابمان وشان توماس المرشحان أيضا لهذه الجائزة عن دورهما في فيلم العملاق الأناني.

جائزة الوثائقي

وذهبت جائزة سوذرلاند للعمل الأول للمخرج السنغافوري إنتوني شين "ايلو ايلو"، الذي سبق أن حصد جائزة الكاميرا الذهبية للفيلم الأول في مهرجان كان السينمائي الدولي.

"(المرحّل) قصة أصلية تُروى بصوت فردي وحقيقي، فيبدو مؤثرا مرة واستفزازيا في أخرى، لكنه قادر دائما على جذب (مشاهده). وهذه المادة، وإن جاءت من كاتب سيناريو جديد، كانت من الذكاء والتميز بما فيه الكفاية لتجذب مواهب رفيعة اخراجا وتمثيلا"

أماندا بوسي من بيان لجنة التحكيم مسابقة أفضل موهبة بريطانية واعدة

ويحلل الفيلم حياة عائلة ثرية خلال أزمة الانهيار الاقتصادي في سنغافورة عام 1997، حيث يواجه الزوجان حقيقة حياتهما العائلية مع وصول أمرأة فلبينية للعمل لديهما لتجمع المال لتربية ابنها، فيقابلها سولك ابنهما الفض.

لقد وصفت لجنة التحكيم عمل شين بالقول "لقد فاجأنا الإخراج الواثق والسيناريو المحكم للفيلم. لقد اختار إنتوني شين نسيجا محليا لفيلمه لكن الصوت الابداعي والتخييلي المميز لهذا المخرج ارتقى بالفيلم تقنيا وسرديا، وجعلنا نتساءل عن الطبيعة الهشة للحياة العائلية في هذه الحكاية السنغافورية الحديثة".

واخيرا ذهبت جائزة أفضل فيلم وثائقي التي تحمل اسم السينمائي البريطاني الشهير جون جريرسون لفيلم "آبائي وأمي وأنا" للمخرج بول جوليان روبرت.

يصور الفيلم الحياة في جماعة "فريدركشوف" التي أسسها الفنان النمساوي أوتو مويهل في السبعينيات، حيث كان يحلم ببناء مجتمع متحرر من السيطرة الأبوية والاضطهاد الجنسي ورفض شكل العائلة الحالي.فباتت أكبر تجمع يعيش حرية جنسية وشكل عائلي مختلف في أوروبا.

إذ يولد في مجتمع "فريدركشوف" عشرات الأبناء الذين لا يعرفون من هم آباوهم البايولوجيون، وتفترض المجموعة إن جهلهم هذا من أجل تشجيعهم على العمل الابداعي وتطوير شخصياتهم.

وقد عاش مخرج الفيلم 12 عاما وسط هذه المجموعة قبل أن ينفصل عنها في عام 1991، وقام بجمع مادته الفيلمية من الأرشيف الفيلمي الخاص بالجماعة، وقدم مقابلات مع أمه وأعضاء سابقين في الجماعة للحديث عن تاريخها وتحليل خلاصاتها




 
الاسم البريد الاكتروني