صندوق الكمان

/site/photo/6356
قصيدة  لماريو سُسْكو

 ماريو سُسْكو شاعرٌ من البوسنة ، شهدَ الحرب هناك ، وعاد في العام 1993 إلى الولايات المتحدة الأميركية ، حيث يقيم ، متقطِّعاً ،
في السنين الخمس والثلاثين الأخيرة ، ويدَرِّس في الجامعات هناك .قصيدته هذه اخترتُها من ديوانه الأخير الصادر في العام 2008  ،
Closing Time, Harbor Mountain Press, Brownsville, Vermont, 2008

*
بعد رحيله بزمنٍ طويلٍ
وجدتُ صندوقَ الكمانِ في مهجعه ، بالعـِلِّيـّة ؛
القُفلُ الصغير على مُشَبَّك البابِ
استجابَ بلا مقاوَمة ،
الصندوقُ المفتوحُ في الركنِ البعيدِ
المضاءِ بأشعةِ شمسٍ باهرةٍ تدفّقتْ من كوّةٍ في السقف
كان مكسُوّاً ، جزئيّاً ، بنسيج عنكبوتٍ يتلامَعُ
المخمَلُ القرمزُ الذي يُبطّـِنـُهُ
تكفّلَ بأي حشرةٍ مترنحة .

كان عزَفَ للألمانِ ، كي يعيش
عزَفَ للروس ، كي يعيش
واستطاع أخيراً أن يهربَ إلى الجنوب
مع أن أحداً لا يعرفُ كيف بلَغَ بلدتَنا
حيث ظنَّ أنه سيعزفُ لنفسه .
ولأنه غيرُ قادرٍ ، أو غير راغبٍ ،  لم يتعلّم اللغة .
وانتهى إلى أن يكون قَيِّماً في مدرسة للموسيقى ،
عازفاً في عطلة الأسبوع ، في أعراس القرى .

وحدَثَ ، ليلةً ،  أنه سار إلى الجسر
مع كمانه في يد
والقوس  في اليدِ الأخرى ،
وارتقى الدعامةَ الرئيسةَ
وظلّ يعزفُ ، كما يقول الناسُ ، حتى مطلعِ الفجر
ثم ألقى بكمانه إلى الأمواج العكرة المتدافعةِ
وقفزَ  هو ،
أو أنه زلِقَ ، كما يقول عمّالُ مناجمَ كانوا هناك في طريقهم إلى العمل
ففقدَ توازنَه
حين انزلقَ الكمانُ من يده .

بعد أسبوعٍ
وفي أصيلٍ شتويٍّ باردٍ
متستِّراً بالغسقِ ، عائداً من المدرسةِ ،
صعدتُ إلى العِلِّيّةِ ، وأخذتُ الصندوقَ
وخبّاتُه تحت الفراشِ ،  في غرفتي بالأسفل .
ألحفْتُ على أمّي ، أيّاماً
لتشتري لي كماناً  ،
مع أني أعرفُ أن ليس لدينا من النقودِ  ما يجلبُ هذا الترَف .
أخيراً :
نظّفْتُ الصندوقَ
بل جرّبتُ بصبغ أحذيةٍ أن أُلَمِّعَ خشبه الماهوغاني ،
وتسلّلْتُ به ، ذات مساءٍ ، تحت معطفي العتيق
إلى الجســر .
دفعتُ به ، عبر حاجز الحديد ، المكسوّ بالصقيع
وراقبتُ تابوتَ الطفل الصغير
يترجَّحُ يساراً
يترجَّحُ يميناً
تحملُه الأمواجُ الكسلى التي أضاءَها القمرُ ،
حتى ابتلعَه الليل .


ترجمة : سعدي يوسف
لندن  10/12/2013




 
الاسم البريد الاكتروني