شيء من القسوة و كثير من الحب

مهدي عامري
/site/photo/6436
 لطالما بحثت عن قبس النور الذي يطهر الروح من الصدأ...
أقول ذلك و تنهال على فكري حياة كاملة من الأحداث و الصور و الانطباعات و ذكريات العلقم و العسل. ما  جدوى التذكر و الإبحار في محيط الماضي ؟ ما أهمية أن يكون بين الماضي و الحاضر شبر أو أقل، على الأقل في تصوري الشخصي ؟ لم أفكر و أكتب و أعبر ؟ هل الكتابة خلاص و راحة و طهارة و صلاة في محراب الذات و توحد مع روح الكون ؟

دعونا من كل هذا الكلام الفلسفي... 

بلغت هذا العام سن التقاعد، صرت ستينيا،  و غادرت الوظيفة العمومية بعد خدمة استمرت أزيد من 35 سنة في قطاع التعليم...

و نظرت بعين المتأمل إلى كل السنوات التي أفنيتها في خدمة الوطن، فانتبهت إلى أني أديت عملي دواما على أحسن وجه، و كانت تحذوني رغبة مستمرة إلى أن أعطي أفضل ما لدي لجيوش المتعلمين الذين درستهم على مدار أزيد من ثلاثة عقود.

لم أكن كاملا، و كانت لدي أخطائي كأي إنسان، فمن الكامل غير المولى المنزه عن النقص ؟

لطالما بحثت عن قبس النور الذي يطهر الروح من الصدأ...

أقول ذلك و بصري يجول بين مئات الكتب التي تزدان بها مكتبتي. هذه الكتب حصيلة سنين من القراءة و طلب العلم و عشق التعلم و الرغبة المجنونة في الأفضل. منذ بدأت القراءة في سن مبكرة بتشجيع من والدي الذي كان يحترف القضاء، كف الملل عن أن يكون هو الملل، و صارت أيامي اغترافا لا ينقطع من عيون لا تنضب.

لقد تبدل منطق الزمن فما عاد هناك نهار ولا ليل ولا شمس ولا نجوم ولا رقود و لا قيام. كنت أنا الكتب و كانت الكتب أنا. و ساعدتي إدماني على المطالعة على مقاومة الفراغ، و تجنب القيل و القال، و التغلب على القهر النفسي، و رداءة المجتمع، و ركاكة كثير من العقليات.

و أول أمس قبل أن أنتهي من كتابة هذه السطور، دار بيني و بين ابني الأصغر هذا الحوار

- عندما أقارن بيني و بين أصدقائي في الثانوية، ألاحظ يا أبي، أنك كنت قاسيا جدا في تربيتنا...

ارتسمت على وجهي ابتسامة واسعة، ألقيت على خليل نظرة كلها حنان و سألته

- هل ينقصك شيء أيها العفريت ؟  هل قصرت يوما في إطعامك و تطبيبك و ملابسك، و الإنفاق على دراستك و أسفارك و هواياتك ؟
 و كان الجواب أن تورد وجه خليل من الخجل و أن خفض عينيه فإذا بهما تلامسان الأرض.

-  بلى يا أبي، لقد وفرت لي و لإخوتي أجمعين كل شيء كنا نحتاجه.

- فعلت، و كان و ما زال ذلك واجبي حتى أفارق الحياة. 

- أطال الله عمرك يا أبي...

" لطالما بحثت عن قبس النور الذي يطهر الروح من الصدأ. بحثت عن قبس النور بالإخلاص، و الكفاح، و السهر على تلقين الخلق الطيب، و الإرشاد إلى الطريق القويم...  صحيح أني يا خليل كنت قاسيا بعض الشيء في تربيتكم، و أني كنت أحيانا في أوامري و نواهي مثل العسكري، و لكني يا بني أنتمي لجيل قديم غير جيلكم فافهموني ، إن حرصي على الأخلاق و الانضباط و الحكمة كان مرفوقا ببعض الترهيب، و لكن أيضا بمقدار هائل من العطف و الحب. فهل حرمت أنت أو إخوتك يوما واحدا من الحب ؟؟؟ "


أديب و أستاذ جامعي

amrimahdi@yahoo.fr 




 
الاسم البريد الاكتروني