رسالة عند نافذة عمياء

 سُوْقُ الشَّمْسِ جَاء إلى حُجْرتي،
وَجاءَت الغُرْفةُ إلى رأسي المليء بالأَزيز”
                                                          (تريستان تْزارا)
 
ربما تكون العين نافذة الجسد. لكن الأكيد أن القلب شُبَّاك روح الإنسان.
تشغلك النافذة، وتشغلها، مثلما تشغلني أيضاً. لأنها عين، وقلب، نرى من خلالهما النور والعتمة، ونسمع بوساطتهما الهدير والصمت والليل، وذلك الذي لا تدركه الأبصار، وهو وَحْده الذي يُدْرك ما لا يُدْرَك.
 
كيف نظرت الى الليل خَللَ الشباك؟ وهل جرّبْتَ إحساس الإنسان السجين، وهو داخل زنزانة من دون شباك؟ بينما هو ينظر الى الكون من عين روحه، في حين يراقبه من الخارج، عبر شُبّاك مغلق، ديدبان جِلْفٌ وكاسر.
ربما يجيب، بطريقة شعرية، الألماني: “ريلكة”، عن هذا السؤال الألغازي، في نصّه التالي: “أيّها اللَّيْل الذي بلا أشياء. أيّها الشُبّاك المُغلق من الخارج. أيتها الأبواب المغلقة بعناية! العادات التي هَبَطتْ علينا من أزمان بعيدة، انتقلتْ، ومُحَّصت، ولم تُفْهم قطّ بشكل كامل!”.
 
لا جدوى في إغلاق نافذة الجسد، إذا الريح عصفت، أو حين الهواء يزمْجرُ. وحدها اليقظة تمدّ العين بالرؤية الكاملة، والمصدّات التي تمنع الخراب.
 
والخائف مَنْ يُغلق نافذة الروح، مِنْ قُبُل، أو مِنْ دُبُر. أنْتَ النافذة والنور، فلماذا تمنع النور من الاقتراب من النافذة؟ ولِمَ تُقيم حاجزاً بين بياض النافذة ودفء النور؟
 
حين كنا أطفالاً، نظر إلينا البيت من نوافذه، ورعانا عند بابه، وحمانا سقفه من الخوف، وطمأنتنا أرضيته من الاهتزازات الغادرة. وها نحن في طفولتنا المستمرة الى ما بعد الخمسين، لا نزال ننام في أرحام أمهاتنا، لأن السِّلْم يطلبنا، وتستدعينا الى حضْرتها الشجاعةُ.
 
أيتها النافذة، يا دائرة كَوْني الصغير والكبير، يا حَبْلي السِّري، مرحباً باليقظة، وبالمَحْو، وبالصَّحْو، لأنك وعاءُ النار والنور.
 
أعرف سيّدة، لا تزال تقف الى يومنا هذا، في مربع نافذتها وتخاطب مولاها القدير: “أيها العالي المتعالي، ردّني الى روحي”. فتردّدُ نوافذ بيوت الأرض ومنازلها: “ردّني الى بيتي أيها العالي المتعالي”.
 
قبل أربعين سنة، وضعت ورقة صغيرة مطويّة بعناية على أرضية من طين لنافذة عمياء. تلك كانت أول رسالة حبّ، بعثت بها الى الله.
 
جمعة اللامي
www.juma-allami.com
juma_allami@yahoo.com
2006-05-04
 
 



 
الاسم البريد الاكتروني