رحلة المدينة/3 ــ الوداع

ا رحلة المدينة
3 ــ الوداع

السبت : 6 / 9 / 2008

وحلّ يوم الوداع، من أجل الارتحال إلى مكة، حيث بيت الله الحرام، ومسقط الرأس، وبيضة الاسلام، وسرة الكون، وتواصل الحضارات، وملتقى المدنيات واستمرارها.
تودع ولدك، فتحتضنه، وتشمه، حتى تتمنى أن تدخله في قلبك، ثم توصيه.
وتودع والدك، فتقبّل كفيه، ثم تخرّ حتى لتقبّل قدميه، وتقول له: أوصني.
وتودع صديقك، فتقف متأملاً من هو أنت ولكن في جسد آخر، لتقول: ليس وداعاً، يا صنو روحي.
ويودع أحدنا صندوق ماله، أو خزائن ثرواته، وهو إلى سفر، فيقدم قدماً، ويؤخر أخرى، وقلبه في موعد بعيد أو قريب، وقلبه أيضاً حبيس تلك الصناديق والخزائن.
وتودع..
وهات ما عندك من الأعزة، واكتب فيهم مديحاً كثيراً، ثم أطنب وأطنب، حتى ينفد صبرك، ويتوقف لسانك، ويقعد الخلق كلهم، بعدما وقفوا معك.
تستطيع أن تفعل هذا كله، وغيره أيضاً.
لكنك، أمام مثوى الرسول، وانت تقول في سرك، وأمام ربك تعالى فقط، فهو المستعان: يا رسول الله، صلى عليك الله وسلم، الوداع.
وسينطلق ضميرك غير هيّاب، ولا شأن له إلا بالله، وحبيب الله، ورسول الله: الوداع يا محمد.
وشأن المودع هذه الكلمة فقط: الوداع
فكيف سيكون حالك، إذا ما قلت له: يارسول الله، أوصني؟
تلك هي حال الملايين الذين يقفون في حضرة النبي، وهم في ذروة الحب والشوق واللوعة والأسى.
وتلك كانت حال الفقير السعيد، وهذه نعمة، ولكن أي نعمة؟
هل جرّب أحدنا تلك اللحظة الفريدة من عمره، يوم كان بين الحياة والموت، ثم وجد نفسه حياً؟
وهل خبر أحدنا تلك الساعة التي بوزن حديد الأكوان كلها، وهو يشعر، ويحس، بالملموس، ان المولى استجاب له، فابترد قلبه، ودمعت عيناه، وغمرته السكينة، وصار في موقف الرضا؟!
وهل، وهل؟
ذلك هو الفقير السعيد، في تلك اللحظة التي تمر في حياة أي واحد منا، حين يختار السفر، ويختار زوادة السفر، ويختار سلاح السفر.
التسليم لله، وطاعة محمد، هما السلاح الأمضى، والطريق المعبد، والطريقة الفضلى، حين نكون عند ضجيع المدينة، أو حين نقول: محمد.
جمعة اللامي
www.juma-allami.com
juma@juma-allami.com
juma_allami@yahoo.com
juma1945@gmail.com

 




 
الاسم البريد الاكتروني