فصـــاحـة

فصـــاحـة

الجمعة : 12 / 9 / 2008

أعلم أن الفصاحة خلوص الكلام من التعقيد،
وأصلها من قولهم: أفصح اللبن،
إذا أخِذت عنه الرغوة".
(فخر الدين الرازي)

كان الخليفة المتوكل العباسي، جالساً يوماً ما، فعرضت عليه جارية، فطلب من "أبي العيناء" أن يمتحنها؛ فقال "أبو العيناء" وهو يستجيزها: "أحمد الله كثيراً"؛ فردت عليه الجارية: "حيث أنشأك ضريراً". فقال: "يا أمير المؤمنين، قد أحسنت في إساءتها، فاشترها".
فوافق الخليفة المتوكل، على كلام "أبي العيناء" الذي هو: أبو محمد القاسم الهاشمي، المولود سنة 190 في بلاد الأحواز، الأديب والشاعر الذي تعلم على أبي عبيدة والأصمعي وغيرهما، والمتوفى سنة 283 هجرية.
البيان اللسان.
وصدق الشاعر حين قال:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
ولم يبق إلا صورة اللحم والدم
والبلاغة الفصاحة أيضاً.
قال معاوية: البلاغة هي الإيجاز.
وقال عبدالملك بن مروان، لرجل كان في مجلسه: حدثني. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين.. افتتح؛ فإن الحديث يفتح بعضه بعضاً.
والصمت ناطق؛ وهو الفصاحة أيضاً، كما هو عند المحبين. ولا أفصح من الصمت، حين تنطق عيناك، وتخطب جبهتك، وتهدر يداك، حين لا تعير بالاً، لجاهل يتمنطق، أو حاسد ينافق، أو متفيهق لا يساوي أذن شاة نخالة".
والفصاحة حمالة أوجه، والرمز أحد وجوهها.
ذكروا أن رجلاً كان أسيراً لدى بكر بن وائل "وعزموا على غزو قومه، فسألهم في رسول يرسله الى قومه، فقالوا: لا ترسله إلا بحضرتنا لئلا تنذرهم وتحذرهم "فجاؤوا بأحد خدمهم، وكان أسود البشرة؛ فقال الرجل له: أتعقل ما أقوله لك؟ قال نعم إني لعاقل. فأشار بيده الى الليل؛ فقال: ما هذا؟ فقال: الليل. قال: ما أراك إلا عاقلاً. واستمر الأسير يسأل، والرجل الأسود يجيب.
ثم قال الرجل الأسير: "قل لهم إن العرفج قد دنا، وشكت النساء، وأمرهم أن يعرّوا ناقتي الحمراء". فلم يعرف من قومه ما أراد، إلا أخوه الحارث؛ فقال إن أخي يقول لكم: استعدوا للغزاة، فإنهم قرب دياركم.
والغزاة الآن بكامل السلاح والخروج إليهم عينُ الفصاحة.

 

جمعة اللامي
www.juma-allami.com

 




 
الاسم البريد الاكتروني