رحيل

مهدي عامري
/site/photo/6717
 جلس ساعة المغيب فوق الرمال الباردة، و أرسل ناظره بعيدا حيث خط الأفق يقطع صفحة الماء، و أخذ يتأمل المنظر طويلا، فخامره إحساس قوي بالارتياح. حول بصره إلى ضفة الشاطئ فرأى الأمواج تتهادى في سكينة محملة بالزبد. أطرق حزينا مغموما، ودفن وجهه في كلتا راحتيه. فقد زمام السيطرة على مشاعره فتلألأت في عينيه دمعتان و سرعان ما أجهش بالبكاء.
سقط نبأ وفاة والده على قلبه كالصاعقة، فظل فاغرا فاه من شدة الذهول. و في لحظة لا تنسى أحس أن جسمه كاملا يتشظى في الفراغ. هل يمكن تصديق ما حدث ؟ لقد شيع مع جماعات الرجال والنساء نعش الراحل إلى مثواه الأخير. و هذه أكوام التراب تنهال على الفقيد و هو مكفن في جوف القبر... 
رباه ! انها مأساة كبرى ! أ معقول ما حصل ؟ رحل الأب و السند و الصديق. تعثر فجأة في السجاد و هو قائم يحث الخطى لصلاة الفجر. لقد تلقى صدمة عنيفة في الرأس نقلته من عالم الأحياء إلى مملكة الأموات. داهمه شبح الموت و اقتنص منه الحياة. فاللهم لا اعتراض !
قطع حبل هواجسه و كف عن البكاء، ثم كفكف دموعه، و انتصب واقفا مثقل الرأس بالهم... 
 الدنيا تجثم ثقيلة فوق صدره، الحزن يعتصر قلبه...
 واصل السير مهدم الخطوات و سحب من قلب كسير تنهدة حارة. أحس بالتعب يتغلغل إلى كل جزء من جسده، فتضاعف يأسه، و تملكته رغبة جامحة في الارتماء على الأرض و افتراش الرمل. غاص المكان في ظلمة الليل، فأحس بغربة قاتلة تجتاح قلبه، و خيل إليه في لحظة خاطفة أنه وحيد في هذا العالم.
 كانت الريح تكنس الشارع، و لا تنبعث من المصابيح المصطفة على طول كل رصيف سوى خيوط ضعيفة من النور. وقف أمام باب البيت و وقع على سطحه نقرات خفيفة، و انفتح الباب عن وجه عابس مجهد فاتر الملامح.
 كان الله في عون هذه الأم! من سيدة متزوجة مصونة إلى أرملة مهيضة الجناح.
 و جلسا جنبا إلى جنب فوق فراش متهرئ و قد خيم السكون على البيت. ظلا طويلا معتصمين بالصمت و كلاهما ينتظر من الآخر أن ينطق و لو بكلمة واحدة. و مرت ساعة، و ساعتان، و كلاهما لم ينبس ببنت شفة.
 و أخيرا تكلمت الأم :
 - أين كنت طوال اليوم يا إدريس ؟
 أجاب الابن بهدوء :
- كنت في الشاطئ.
 انزعجت الأم و تصلبت قسمات وجهها:
- ألا ترى أن الوقت غير مناسب...
- لا أطيق البقاء هنا ؟
- لماذا ؟ 
- ليس هناك ما أفعله.  
و لم تعد الأم بقادرة على التحكم في أعصابها، و صاحت :
 - ما كان يجدر بك مغادرة البيت على الإطلاق. نحن نجتاز ظرفا صعبا، ألا تريد أن تقف بجانبي؟  
لم يحر جوابا. أطرق الابن حزينا و الندم يعصف بكيانه.
 - هل أسخن لك طعام العشاء؟
 - لا رغبة لدي في الأكل.
 - و هل تبيت دون أكل ؟
 - لست جائعا.
انتصف الليل فجر إدريس قدميه في تباطؤ لغرفة النوم. حاول جاهدا أن ينام و لكن لم يغمض له جفن. لقد عاش 18 عاما في كنف أب عطوف. لطالما سقط في أحضانه الدافئة مقبلا أو مودعا. الصداقة بينهما كانت تقوم مقام روابط الدم. كان الراحل أذنا صاغية و انسانا متفهما، و الآن يشعر أنه في قمة الفقر. ما الفقر إن لم يكن فقدان الدفء و الحب ؟ هل للحياة معنى بدون حب ؟ 
أمسك عن الفكر حين تسلل إليه من الغرفة المجاورة ضوء شاحب. ها هي ذي أمه بدورها تعاني الأرق. 
-هوني عليك يا أماه !
-  ليتني أستطيع يا بني...
- أنا مثلك تماما، منذ أن أويت إلى فراشي و النوم يهجر جفني.
- عادي جدا... اللهم ألهمنا الصبر و السلوان...
و اعتصمت الأم بالصمت. و طال بها التفكير، ثم قالت في النهاية :
- غدا صباحا سنرحل !
 - نرحل؟؟!!
 - أجل يا بني...
- إلى أين نرحل؟
صباح اليوم الموالي، في القطار،  كان الابن جالسا جنب الأم في مقصورة نصف ممتلئة بالمسافرين. و رمى المدينة بنظرة كلها حزن و ألم و وداع و لسان حاله يقول:" كيف يكون المستقبل ؟ وأي قدر جديد ينتظرنا هناك؟ ". 
مهدي عامري

amrimahdi@yahoo.fr



 
الاسم البريد الاكتروني