حكايتي مع شجرة البلوط

2020-06-27

 أقبل الخريف فجأة، بعد ان تنحى الربيع والصيف عن دورتهما، وتركا بصماتهما على سطح الأرض، من السحر، والجمال، والماء العذب، وعبق رائحة الأرض، حيث  زرعا البهجة، والحياة الخضراء، للإنسان، والزهور، والطيور، والعصافير المغردة، وتمتعت الحيوانات البرية، وهي تمرح،  وتسرح،  في المراعي، و الأدغال، والسهول،  بأروع أجوائها . وعلى حين غرة، تجهم وجه الطبيعة، وانهمر المطر مدراراً، واصفرت أوراق الشجر وافترشت الأرض، كدستها العواصف أكواماً، توحي للناظر وكأنما الطبيعة تغطي ظاهرها الوان زاهية، بينما تحمل بحر من الآلام والشجون في باطنها .  

كانت شجرة البلوط بعمق مئات السنين، تقف بقامتها السامقة، في فِرْدَوْسها البديع، صامتة ومتحدية لكوارث الطبيعة الهوجاء بأغصانها العارية، إلّا من بعض أوراقها الصفراء المائلة إلى اللون البرتقالي والتي لم تزل مخزون الحياة فيها على شفا حفرة تهوي أسيرة لقدرها المحتوم .

كانت عيناه تراقبان ساعة سقوط الورقة من شجرة البلوط، وهي تحلق في فضائها المحسوس تودع عالمها الذي نشأت وترعرعت في أحضانه، وفي لحظة، تتبدد كرهام المطر. تركت خلفها الذكريات الجميلة، زرعت من خلالها البسمة على شفاه المحبين، وهم يتركون بصمات البهجة على جسد الأم . في نشوة التلاحم ودفء الأبدان، تقيهم من لهيب الشمس الحارقة، وهم يقضون أوقاتهم تحت ظلالها المجسدة بأرواحهم  .

    يستمدون رائحة الربيع من عبق أريجها، يتساقط الرذاذ، فتترك قطرات ندية على أجسادها، فتعكس الضوء القادم من الشمس توا، بعد أن طاردت الغيوم التي أخفتها عن الأنظار 

 وقال بتنهد :

     - نحن نشكي دوما من كل شيء، الإنسان يمر بعدة مراحل، وفي كل مرحلة يعاني من مشاكل الحياة . الرغبات والطموحات تكبر، لا نكتفي بذلك، بل نريد المزيد والمزيد . هذه الوريقة الجميلة لا تطلب سوى عدم ايذائها . فهي تكبر ضمن مراحل حياتها، وتغمر الفرحة والبهجة للإنسان والطيور. كم أنت راقية أيتها النباتات .

لم يفك ناظريه عن تلك اللحظات المؤلمة، والورقة الذابلة، تترك مضجعها قسرا، وتنفصل عن الشجرة الأم، طالما رفدتهم بنهر الحياة، وحمتهم من وابلات المطر وهي تتساقط بغزارة، قصت عليهم حكايات الحب عن الطيور القادمة من إصقاع هذا العالم الغريب، يحتمون بهم كخيمة أحاطتهم  بهالة من السكينة ونشرت في أوصالهم دفء الأمان، يبنون أعشاشهم، يقومون بالإعتناء بصغارهم، غدت لهم سوراً عالياً شامخا يحميهم من الحيوانات الضارية .

 ومع لحظات هبوط الورقة الهزيلة رويدا رويدا نحو الأرض، كانت امواج الغضب تستشيط في عظامه وكأن زمن العزلة استعاد رائحة الألم بعد أن مكث طويلا في بقاع النسيان . وبدأت أسوار الحديقة تهتز وتتضرع معلنة عن  حدادها . انتابه إحساس غريب ان شجرة البلوط تلفها غيمة سوداء . فقدت أشلاء من أحشائها، الخريف خلع عنها جمال وجهها وجسدها، وتركها عارية، تقارع برودة الشتاء القادم .

    كان يشعر بالخجل، أمام ألَمْ الشجرة، بينما هو قابع في مكانه كمسمار، تشبع بالصدأ، ثابت لا يتحرك، وكأن الشجرة، تنظر اليه، وتصرخ، وتتضرع، طالبةً العون في محنتها .

 قال بصوت راجف :

   - لا أملك الشجاعة الكافية كما أنت يا ملكة الفردوس . لا املك سوى العزاء، وذرف الدموع، لا تنتظري مني العون . فأنا ضعيف أمام قدرات الطبيعة، أنت الأقوى، بجذورك الراسخة في عمق الأرض، وقادرة على مواجهة الرياح والعواصف .

 بدا عليه منهكا، شاردا، شاحبا منسجماً مع شحوب الطبيعة الحزينة . هبت ريح خريفية، تسلل إلى أوصاله هواءاً بارداً، ماراً  بشجرة البلوط، بعد أن اخترق معطفه الأسود، عابقا بكلمات الوداع، ووجه الأرض تتناوب بين الضياء والظلام، حيث الشمس والغيوم  في تسابق بين الظهور والإحتجاب . وكأن الأرض تتنفس، فرحة تارة، و حزينة تارة اخرى .

 قال لنفسه وعيناه جامدتان :

   - سرعان ما يفقد البشر كل قدرة على مواصلة حياتهم في هذا العالم. 

 تتوالد الأفكار لذلك المنظر المؤلم الذي لم يحيد ناظريه عنه طوال سقوط الورقة كطائر محبوس خرج طليقا إلى عالم الحرية، عالم تمتزج فيه نفحات الفرح، يشوبه نوع من القلق يصعب تفسيره، بل من الصعب تحَمٌل مشاقه، فهو أشبه برياح عاتية تغدو إلى عاصفة هائلة، وحالة السقوط في منحدر، والبقاء معلقا دون القدرة على الخروج من المأزق .

ظل يحوم حول الأسئلة المعقدة التي تكبل دهاليز فكره المتعب بصدأ الزمن . وبين حين وآخر يتساقط الرذاذ، فيبلل الأرض، وينعشها ببعض الرطوبة، سرعان ما تعود الشمس إلى الظهور تطارد السحب، فتنشر اشعتها لبعض الوقت على شجرة البلوط، تشجع الطيور بالتناوب على فروع الأغصان . 

لمح عصفور، استقر على غصن الورقة الراحلة وما لبث الطائر الجميل ان اكتشف بسرعة البرق غيابها، فسارع بالطيران . ربما أصابه انياب الحزن فؤاده، فاطلق الألم عنانه فهرع نحو المجهول .

قال والحزن يساور خلجانه :

     - كم هي مؤلمة ساعة الفراق البطيئة، بعد أن كانت فردا تنتمي إلى تلك الشجرة الباسقة .

      استقرت نظراته أكثر عمقا باتجاه الشجرة .. قال وهو يطلق زفيرا عميقا .

    - الحياة ليست سوى مطر صيفي يهطل بقوة، ولكن سريع الزوال . متاهة صعبة تفرض على الإنسان إجباريا .

    ساد صمت مطبق، وفجاة تجمعت الطيور على شجرة البلوط، سمع غمغمة تنبعث من أصواتهم، حَسِبَ انهم يغنون بصوت منخفض، لحنا مؤلما ورتيبا، وتناهى إلى سمعه من بعيد، هدير البحر، وتلاطم الأمواج، تتجلى في ثناياها كآبة غريبة، السماء تتكدر، وتعلن عن نهاية مؤلمة، دق ناقوس الرحيل، وتوارت الورقة عن الأنظار، والتحقت بالاف الأوراق الهاوية على المساحة الخضراء، وصارت ذكرى في صندوق النسيان .

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
©2024 جميع حقوق الطبع محفوظة ©2024 Copyright, All Rights Reserved